تعريف هوية أقلية قومية وتحليل المزايا الفكرية والسياسية والثقافية لهذه الهوية يعدان حقا لا جدال فيه للاغلبية السائدة. فلهذه الاغلبية وحدها أن تقرر اذا كان ثمة على الاطلاق وجود لأقلية قومية ـ ثقافية، وما هي المؤشرات «الشرعية» لهويتها. والمقررون ـ السياسيون، المفكرون، الخبراء والصحافيون ـ يتعاملون مع الأقلية كمادة خام في يد الصناع ويصممونها وفقا لاحتياجاتهم وأذواقهم المتغيرة، وعندما تكشف الهوية المصممة عن خدمتهم فانهم لا يجدون أي صعوبة في استبدالها. محاولات اعضاء الأقلية لطرح تعريف خاص بهم لهويتهم ستجد الرفض بصفتها محاولات سياسية تآمرية. ومسيرة السيادة والأغراض المتمثلة بفرض تعريف لهوية الأقلية ـ والذي سيلقى دوما تعزيزا «علميا» مصوغاً بلغة مهنية رفيعة ـ تتميز بميلين متضاربين: التحليل الى العناصر الأولية والتعميمات. فالخوف من الكتلة المهددة للأقلية ـ والأقلية، حتى لو كانت ضعيفة لا حول لها ولا قوة، ستعد دوما تهديدا وجوديا ـ يفرض الحاجة الى تحطيمها الى عناصر صغيرة كي يكون من الأسهل التصدي لكل جزء على نحو منفصل واثارة المنازعات بين مختلف العناصر. من الصعب التحديد اذا كانت التعريفات «النظرية» هي التي توجد التمييزات البيروقراطية، أم العكس، ولكن عملية تحطيم هوية الشعب الفلسطيني (حسب الرواية الاسرائيلية) استنفدت على مدى أكثر من خمسين عاما من وجود دولة اسرائيل، فكتل كبرى من ابناء الشعب الفلسطيني أدخلت في أطر فكرية وبيروقراطية، بعضها متداخل، وبعضها متلامس وبعضها متضارب. وهاكم قائمة جزئية: «عرب اسرائيل»، «الدروز»، «البدو»، «عرب شرقي القدس»، «عرب ارض اسرائيل»، «اللاجئين»، «المسلمين»، «المسيحيين»، «العرب وغيرهم»، «سكان هضبة الجولان غير اليهود». ويوجد التمييز التعسفي للسلوك السياسي الحقيقي أو الموهوم تمييزا بين «المعتدلين» و «المتطرفين»، «الاسلاميين» و«القوميين الذين يشكلون تهديدا أمنيا»، وبين «المصوتين للاحزاب الصهيونية». كل واحد من شظايا الشعب الفلسطيني يخضع لمنظومة تعامل بيروقراطية مغايرة، ولكن بالأساس تتوقع الاغلبية اليهودية بأن تتصرف وتعمل كل شظية وفقا للاطار الذي فرض عليها وان تتكيف مع تعريف الهوية الذي صمموه لها. سكان شرقي القدس، مثلا، ملزمون بالخضوع للاطار الجغرافي السياسي الذي فرض عليهم في عام 1967، وأوجد هوية زائفة «لعرب شرقي القدس» ـ والتي تتضمن سكان 28 قرية وحياً أدخلت الى المدينة حسب ترسيم للحدود تعسفي ومغرض ـ وأخرجت من النطاق عشرات آلاف السكان غيرهم. هذه الهوية الزائفة ـ والتي هي جزء لا يتجزأ، ورائد، من الشعب الفلسطيني الموجود في الضفة، «يجب» ان تتصرف «كسكان دولة اسرائيل» بل وإسداء الشكر كل يوم للاسرائيليين الذين ضموا اراضيهم وصادروا معظمها ومنحهم حقوقاً اجتماعية وحرية حركة. كل مظهر للتمرد (وبالطبع الاعمال الارهابية القاتلة) يعد خيانة للوطن، يعاقب عليها بالموت وهدم المنازل. ولكن تعريف الهوية الزائفة «لعرب شرقي القدس» لا يلزم المحكومين بل الحاكمين وحدهم. فاذا كنت تفرض عليهم هوية جماعية، فانهم يستحقون ايضا الحقوق، أو على الأقل مكانة جماعية تجد تعبيرها في زعامة معترف بها. وهذا بالطبع لا يعطى لهم، وحالة بيت الشرق وملاحقة سري نسيبة تثبت ذلك.ان تعريف هوية من يسمون «بعرب اسرائيل» وميزاتهم هو موضوع أوسع من تناوله هنا، ولكن هنا ايضا يسود احتكار تام من الاغلبية اليهودية في تصميم تعريف «عروبة» مواطني اسرائيل غير اليهود وتحديد السلوك السياسي الشرعي أو التآمري. ويكشف تمرد الفلسطينيين من مواطني اسرائيل ضد الاطار التعسفي المفروض عليهم التناقض بين الحاجة اليهودية لتحليل الفلسطينيين الى عناصر أولية وبين المفهوم الأساسي في ان الأقلية هي في واقع الامر كتلة معادية مهددة، وكلما احتدم الصدام الدموي يتعاظم الدافع الى النزوع نحو التعميمات. العالم الذي حاولوا تلطيف مصاعبه من خلال تحليله الى عناصر أولية يمكن ادارتها ـ غدا ثنائي البعد ـ «نحن وهم»، «جميعنا ضد الجميع». وعندها يأتي القادة السياسيون والعسكريون فيعززون التعميمات بشأن صور الآخر لدرجة رفعها الى التطرف حيث لا يوجد أي ظلال أو تعقيد أو أمل. وفي هذه الظروف فلا كابح في وجه المروجين للحلول المتطرفة لحل مشكلات هوية الأقلية القومية عن طريق التصفية الجسدية أو الفكرية. وهذه التصفية ستؤدي الى تصفية المصفي. لا يمكن لأحد ان يخرج نقيا من المسئولية عن الكارثة. عن « هآرتس »