قبل 24 ساعة من دخول الجيش الاسرائيلي الى مخيم اللاجئين في جنين في ابريل 2002 القت المروحيات العسكرية فوق المدينة والمخيم عشرات آلاف المنشورات بالعربية الفصحى، بيان من رئيس هيئة الاركان الاسرائيلي جاء فيه ان الجيش سيدخل المدينة والمخيم من اجل ضرب القاعدة «الارهابية» التي تمس بالابرياء في كلا الجانبين. وجاء في المنشورات ايضا انه من اجل تجنب سفك الدماء سيدخل الجيش ويعتقل حاملي السلاح من ذوي المناصب العسكرية. لذلك يدعى السكان الى عدم الخروج من منازلهم والتحصن. ودعت المنشورات حاملي السلاح الى تسليم أنفسهم من اجل تجنب معاناة زائدة. لم تكتب هذه المنشورات بصورة عاجلة، بل فحصت قبل عدة ايام من ذلك ـ من قبل وحدة الابحاث في قسم الحرب النفسية في قسم الاستخبارات ـ على مجموعة اختبار فلسطينية. بعد عدة ساعات من القاء المنشورات اجتمع قائد وحدة الحرب النفسية في قسم الاستخبارات العسكرية في القيادة الوسطى مع قائد كتيبة الاحتياط التي كانت تستعد للدخول الى جنين وابلغه ان السكان الفلسطينيين في وضع ترقب. أوجد البيان حالة عدم يقين وخوف من الآتي. وسمح له قائد الكتيبة بالانتقال الى المرحلة التالية من الحرب النفسية التي عكفوا على اعدادها وتدربوا عليها في القيادة الوسطى لشهور طويلة قبل اندلاع الانتفاضة. حلقت طائرات بدون طيار فوق المخيم والتقطت صوراً تبث مباشرة على موقع انترنيت معين. وكل من اراد رؤية ماذا يصورون كان يستطيع الدخول الى الموقع الذي نشر عنوانه في البيانات، وكانت الرسالة واضحة: نحن نعرف اين انتم. نحن نصر على الدخول وضبط السلاح ومشاغل المتفجرات ـ كل من يمس برجالنا ـ سيضرب. في المرحلة التالية دخلت وحدة مكبرات الصوت للعمل: سيارات جيب مع مكبرات صوت من عدة احياء. اعلن جنود، ناطقون بالعربية، بان المكان محاصر، وحددوا لحملة السلاح نصف ساعة لتسليم أنفسهم. من يخرج بأيد مرفوعة ومخازن الرصاص بيده والسلاح معلق على ظهره وفوهة البندقية نحو الاسفل لن يصاب بأذى. وكان هناك في المنطقة مراسلون اجانب مع كاميرات جاهزة للتصوير من اجل ضمان أمنهم. في نهاية الاعلان القيت قنابل دخانية في مواقع مختلفة من المخيم من اجل توضيح اصرار الجيش على استخدام القوة. بالمقابل تلقى قادة اجهزة الامن الفلسطينية في جنين، وقادة الشرطة ونشطاء مركزيون في المنظمات الفلسطينية مكالمات هاتفية ابلغهم الاسرائيلي الناطق بالعربية: اننا نعرف من أنت، نحن نعرف اين انت، يفضل ان تسلم نفسك. في المرحلة التالية تم نسف منزل في مدخل المخيم. من الصعب اليوم القول ماذا كان أثر الحرب النفسية هذه على العملية العسكرية في مخيم اللاجئين في جنين في اطار عملية السور الواقي وكم انسان حافظوا على حياتهم بفضلها. ذلك لان كل ما وصف اعلاه لم يحدث تماما. هذا السيناريو الخيالي اعده رون شليفر الباحث في معهد باسا في جامعة بار ايلان، في نشرة نشرت تحت عنوان «الحرب النفسية في اسرائيل ـ نظرة جديدة» يؤكد على ما هو معروف منذ سنوات كثيرة: لا يوجد في اسرائيل نظرية، لا يوجد نظرية حرب، لا يوجد حرب نفسية حتى ولا المستوى التكتيكي العسكري ولا يوجد ايضا ذاكرة تنظيمية. واذا كانت قد وقعت في العقدين الاخيرين، هنا وهناك، نشاطات في مجال الحرب النفسية، فليس هناك امكانية لاستخدام المعلومات المكتسبة. بعد ان فقد الجيش الاسرائيلي 23 جنديا في جنين سألوا في اسرائيل لماذا لم يستخدم الجيش مروحيات حربية. لا توجد وحدة حرب نفسية بأي مكان، ولا تستحق وحدة الحرب النفسية في هيئة الاركان ان نكتب عنها كلمة. انها اطار صغير، رمزي من كل النواحي ـ سواء من حيث الحجم او القدرة. بالمناسبة قبل اندلاع الانتفاضة الحالية ولاسباب مختلفة وليست فقط مالية تقلصت الوحدة أكثر فأكثر.في الجيش يدعون ان الجيش الاسرائيلي دخل في المواجهة الحالية جاهزاً. والقصد ليس في مجال الحرب النفسية، على الرغم من ان قادة الجيش يعلنون صباح مساء ان الحديث يدور عن الحرب على الوعي الفلسطيني. وما هي الحرب على الوعي اذا لم تكن حربا على المعلومة وعلى معنويات الخصم ـ من أجل هدم المباني. لم يسألوا، لماذا لم يستخدم الجيش العقل. الجيش مستعد لدفع الملايين من اجل تطوير سلاح غير قاتل فقط من اجل ابطال مفعول العدو، ولكنه غير قادر على استثمار مبالغ اقل بكثير من اجل ابطال مفعول الخصم بواسطة وسائل قائمة منذ القدم وتستخدم في العقد الاخير كجزء من نظرية القتال لجيوش الغرب بصورة عادية واضحة ومفهومة. ومثلما يستخدمون اليوم الطائرات، والطائرات بلا طيار والدبابات، يستخدمون الحرب النفسية كأداة شرعية في محاولة لتحطيم معنويات العدو. ولكن ليس في اسرائيل. لا يوجد ما هو جديد في حقيقة ان الجيش الاسرائيلي يرفض الدخول في ارتباك سياسي على خلفية نشاطات وحدات الحرب النفسية. هذا بالضبط الجواب على سؤال لماذا لا نستخدم، بصورة حقيقية ومتواصلة، الحرب النفسية امام حزب الله في لبنان، ولماذا لا نفعل الكثير في هذا المجال، اليوم ايضا، في المناطق. في اجتماع مغلق، جرى قبل أكثر من نصف سنه في احدى معاهد الابحاث ظهر نائب رئيس هيئة الاركان آنذاك موشي يعلون. وخلال محاضرة القاها سئل لماذا لا يوجد محطة بث عسكرية للمناطق ـ وهي وسيلة اولية يستخدمها الجيش الاميركي في كل ساحة يعمل بها منذ حرب الخليج الثانية. فاجاب يعلون: هذا ليس شأن الجيش الاسرائيلي. مثل هذه الامور يجب ان تقوم بها اوساط خارجية. في عام 1991، بعد حرب الخليج الثانية اعد ضابط برتبة كولونيل باسم شلومو يناي ـ بحثا لخص فيه العبر التي استقاها الجيش الاسرائيلي من العمليات الاميركية في الخليج. وفي بند الحرب النفسية قال: من المألوف أن الحرب النفسية للمس بمعنويات العدو هي حيوية ولكن هذا الموضوع مهمل في الجيش. وهذا الاستنتاج بالضبط يمكن ان يكتب اليوم ايضا. اف.ام 33 و 5 هو كتاب ارشاد للجيش الاميركي في مجال الحرب النفسية. يمكن شراؤه عبر الانترنيت. والمرشد يتناول عدة مستويات ـ مجال الحرب النفسية ـ الاول هو المستوى الاستراتيجي الذي هو من شأن الرؤساء، وزارات الخارجية والمناصب الاستخبارية المركزية. وحقا، لم تطلق بعد طلقة واحدة في العراق ولكن هذه الالة تعمل الان وبكل قوتها على الاقل في النصف سنة الاخيرة. والمستوى الثاني هو المستوى العملي. وهدفه: اعداد السكان ومجموعات الهدف في مناطق العملية العسكرية. بعدها يأتي المستوى التكتيكي الذي يمارسون فيه الحرب النفسية في الميدان والمستوى الاخير هو مستوى التركيز، الذي يهدف الى توجيه الحرب النفسية ضد السكان في المنطقة المحتلة. على المستوى الاستراتيجي والعملي يبدو ان لاسرائيل أدوات لا بأس بها. انها موجودة، حسب أنباء اجنبية، في اطر اخرى وتعالج من قبل ذوي الاختصاص. وتعمل الى جانبها وزارة الخارجية والمتحدثين الرسميين. المستوى التكتيكي هو بالاساس خاص بالجيش الذي من المفروض ان يقيم اطارا دائما، مهنيا، مع قدرات تنفيذية. من المفروض على الجيش ان يدرب القادة على استخدام هذا الاطار ومعرفة قدراته ـ مثلما يعرف القائد استخدام ليس فقط البنادق والقنابل في منطقة مبنية، بل طائرات بلا طيار ودبابات، فان عليه ان يعرف استخدام الحرب النفسية. ليس بدل القوة العسكرية بل كمضاعف قوة.ولكن في الوقت الذي يتدهور الجيش مع مرور الزمن، منذ حرب الخليج تحولت اطر الحرب النفسية في الجيش الاميركي وبعد ذلك في جيوش الناتو الى جزء لا يتجزأ من الحرب. هناك الحرب النفسية هي قوة طلائعية ـ قبل ان يبدأوا باطلاق النار والتدمير.محطة الراديو «صوت الامل» التي استخدمت من قبل اسرائيل في جنوب لبنان كانت محاولة مثيرة للاهتمام لمواجهة الحرب النفسية التي مارسها ضدنا حزب الله بكفاءة جديرة بالاشارة. كتب رون شليفر في البحث: المثال للنجاح المثبت في الحرب النفسية هو حالة حزب الله في لبنان، منظمة صغيرة مع فصيل مقاتل لا يتجاوز عدة مئات من الاشخاص، نجح في فرض ارادته على قوة عسكرية بارزة. وذلك بدون جيوش مدرعة، جوية او بحرية.وحسب شليفر فان جمهور الهدف الاول لحزب الله كان سكان جنوب حزب الله. لقد شملت الحملة متعددة الاذرع التي يستخدمها ازاء هذا الجمهور، الى جانب الحرب القاسية ضد مؤيدي الجيش، اقامة مؤسسات الرفاه والمساعدات الاجتماعية.والجمهور الهدف الثاني كان العدو: الجيش الاسرائيلي وجيش جنوب لبنان. لقد شملت نشاطات حزب الله زرع جواسيس داخل جيش جنوب لبنان ونقل الاحساس بان كل شيء مكشوف امام المنظمة، وبث رسالة بالاصرار على التضحية.لقد استثمر حزب الله الكثير في سبيل معرفة الثقافة الاسرائيلية ونجح في التغلغل الى قلب المجتمع الاسرائيلي. واخضعوا نظرية القتال الى الاعلام المرئي: لم تصور يعني انك لم تقاتل. لقد تحولت كاميرات الفيديو المنزلية الى اداة مركزية في القتال. الحرب الاستخبارية الاسرائيلية لم تستثمر ولم تنجح في صد نجاح حزب الله. والثمن معروف للجميع. في السنة الاخيرة من وجود الجيش في لبنان ظهر فجأة ضباط في القيادة الشمالية. ما هي ثقافتهم في المجال؟ ماذا فعلوا؟ ما هي الوسائل التي كانت بحوزتهم؟ عملهم الاساسي كان التضليل والتمويه في عمليات الجيش وبنجاح محدود. مقابل ذلك منوا بفشل ذريع في صد الحرب النفسية التي يمارسها العدو. جاءوا متأخرين جدا وكانوا قلائل جدا. طوال سنوات لم تعتبر المناطق مشكلة وجودية. بل كازعاج يومي. لذلك لم يستثمر أي شيء في مجال الحرب النفسية امام السكان المحليين. لم يكن لاسرائيل ابدا سياسة واضحة بشأن مستقبل المناطق وبذلك لم يكن هناك أي حافز لتعزيز القوة امام السكان في الميدان.في الشهر الثاني من الانتفاضة الاولى وحين سأل وزير الدفاع آنذاك اسحق رابين في احدى النقاشات لماذا لا يفعلون شيئا في الحرب النفسية نظر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية آمنون شاحاك ورئيس الشباك يعقوب بيري الواحد صوب الاخر. ذلك لان احدا منهما لم يكن مسئولا عن الموضوع. في نهاية الامر اخذت شعبة الاستخبارات على عاتقها معالجة الامر وكلف نائب رئيس شعبة الاستخبارات آنذاك مائير ايلران بهذا المنصب. واقيمت لجنة عليا ركزت كل الاطر الامنية ذات الصلة بالموضوع. وعملية السلام ادت الى ذوبان مجموعة العمل هذه وكذلك المعلومات التي جمعتها القيت في سلة المهملات. وكانت الدراسة التي اعدت في قيادة الضفة الغربية والتي شملت عدة عبر من الانتفاضة بما في ذلك الدخول الى مناطق مدنية واعلام وحرب نفسية وغير ذلك قد القيت جانبا وطواها النسيان، ولم تكن امام ناظري اولئك الذين قادوا الانتفاضة الحالية. واليوم وبعد عشر سنوات، اضطروا الى اخراج العربة من جديد. والان، وبعد نحو عامين من المواجهة، بدأ التطرق بجدية اكبر لموضوع الحرب النفسية. عن «يديعوت احرونوت»