وجهت الولايات المتحدة الاميركية دعوة شاملة لحلفائها الاطلسيين للمشاركة في بناء نظام دفاع صاروخي متعدد المستويات ضد الصواريخ البالستية واقامته على اراضيها والاستفادة من الحماية التي يوفرها الى الحد الاستراتيجي الذي عارضه الاوروبيون سابقاً. وقد قام وفد اميركي يقوده جاك كروتش مساعد وزير الدفاع لسياسة الامن العالمي بتقديم احدث تقويم اميركي لمخاطر الهجمات الصاروخية المحتملة من جانب الدول المعادية في اجتماع عالي المستوى عقد في بروكسل مؤخراً. وناقش كروتش التصاميم المحتملة لما وصفه «نظام الانظمة» الذي سيكون مبدئياً لكنه شامل في تغطيته لتوفير الحماية من مثل هذه الهجمات كما وضع الخطوط العريضة المتاحة امام الحلفاء للمشاركة فيه وتراوحت هذه الخيارات بين مجرد توفير الدعم السياسي لاستضافة مواقع الرادارات والمشاركة في التطوير والانتاج الصناعي لمكوناته، واكد على ان هذه الخيارات مفتوحة امام جميع الحلفاء الاطلسيين. وقال مسئول رفيع في الحلف «لقد توصلت الولايات المتحدة لقرار مفاده السعي وراء مشاركة واسعة في النظام وكانت المناقشات التي اجريت حول الموضوع تتضمن عروضاً اميركية ملموسة جداً بالنسبة لكل مستوى من مستويات هذه الشراكة». واضاف هذا المسئول هناك احساس بالثقة في هذا المشروع الذي تغير عما كان عليه حين طرق سابقا، حيث يتضمن الكثير من العناصر السياسية. الاميركيون يستطيعون الشروع به وانجازه وحدهم، لكن تحويله الى مشروع اطلسي يظهر ان اميركا اخذت تبدي احتراما اكبر لهذه المنظمة التي تشكل فيها العضو القيادي وننتظر ان نراه عمليا في قمة براغ يومي 21 و22 نوفمبر المقبل. ويأتي الاجتماع في وقت مناسب اختارته واشنطن بحيث يأتي عقب انهائها رسميا من جانب واحد لاتفاقية الحد من الصواريخ البالستية بينها وبين الاتحاد السوفييتي السابق بشكل رفع الموانع التي كانت تحظر اجراء اختبارات على انظمة دفاعية جديدة مضادة للصواريخ البالستية. كما انه سبق بأيام عقد شركة بوينج الاميركية لعدة صفقات تحالف مع شركاء اوروبيين بخصوص برامج بناء دفاعات صاروخية. ويقول مسئولون ودبلوماسيون اطلسيون ان هذه التحالفات الصناعية كانت جزءاً من جهد اميركي منظم استمر عدة شهور لاجراء تغيير كبير على قضية كانت شديدة الحساسية في السابق وهي الدفاع الصاروخي الاستراتيجي. ففي الايام الاخيرة من عهد الرئيس كلينتون كان برنامج الدفاع الصاروخي الوطني قضية لاحتجاجات شديدة من الجانبين الروسي والاوروبي على السواء، حيث قال هؤلاء انه سيخرق اتفاقية الحد من الصواريخ البالستية ويزعزع اتفاقيات الحد من التسلح عموماً ويقود الى اطلاق سباق تسلح جديد، وفي السنة الاولى على رئاسة بوش تحول الى نقطة خلافية داخلية شائكة حيث وصف الديمقراطيون انهاء المعاهدات من جانب واحد بأنه «حماقة غريبة». وقال آخرون بمن فيهم فرنسا ان دفاعا استراتيجيا مضاداً للصواريخ سيفقد عنصر الردع النووي معناه كوسيلة لمواجهة اي هجمات صاروخية نووية محتملة فيما اكد غيرهم على ان الزعم بأن من تسميهم واشنطن دولا متمردة لن يكون من المجدي لها الشروع في برنامج مكلف جداً لانتاج صواريخ بالستية سيكون من السهل جدا اكتشافها. وقد بدت هجمات 11 سبتمبر وكأنها تصب في صالح هذا الرأي الاخير حيث ظهر على نحو واضح ان وسائل متواضعة مثل الطائرات المدنية قد استخدمت كأسلحة دمار شامل. غير ان بوش وادراته يقولون انه يجب عدم الاستهانة بالموارد المتاحة للمجموعات المعادية وانه يجب الاستعداد بدفاعات مضادة للصواريخ وهو ما وجد بعض الصدى عند الحلفاء.. وهكذا مضت واشنطن قدما وصورت برنامج الدفاع الصاروخي الوطني ليصبح مفهوماً يمثل مظلة لحماية الحلفاء والاصدقاء.وكان بوش قد اعلن منذ ديسمبر الماضي انه سينهي فعلياً معاهدة الحد من الصواريخ البالستية وانه ينتظر انقضاء شرط الاخطار الرسمي المسبق بستة شهور كما تنص المعاهدة، وفيما وصفت روسيا القرار بأنه متعجل، إلا انها لم تحوله الى قضية بل دأبت منذ ذلك الوقت على القول انها مستعدة للمساهمة في مشاريع مشتركة للدفاع ضد الصواريخ. يقول دبلوماسي اطلسي رفيع المستوى: «حالما قال الروس انهم من ناحية مبدئية لم يعودوا يهتمون بمعاهدة الحد من الصواريخ البالستية تلاشت اي معارضة اوروبية للمشروع الاميركي مباشرة. اما ما هو بحاجة لتوضيح فهو ما اذا كانوا مستعدين لضخ الاموال في المشروع، الا انهم لا يعارضونه». وقد شبه العديد من دبلوماسيي الاطلسي البرنامج الذي كشف عنه الاميركيون بأنه يعيد للأذهان برنامج التطوير الدوري «بلوك» للمقاتلة إف 16 كل سنتين. ووصفه احدهم بأنه سيكون برنامجا متواصلا يخضع للتطوير كل سنتين ويعتمد تحديثه جزئيا على تغيير التقويم للتهديدات المستجدة وجزئيا على التجربة والاختبار ومعرفة ما نجح وما لم ينجح. وفي هذه المرحلة المبكرة من المشروع فإن كل مكوناته تقريبا موجودة حاليا قيد الخدمة سواء من انظمة الاستشعار الفضائية او تقنيات الليزر او شبكات الدفاع الجوي الواسعة او مراكز القيادة والاتصالات المتكاملة او انظمة الردار والتوجيه المتفوقة او البرمجيات لتشغيل كل هذه المكونات معا. وقال مسئول اطلسي ممن سمعوا كلام كروتش في بروكسل: «سيكون نظاما اكبر بكثير وبغطاء اوسع من برنامج الدفاع الصاروخي الوطني الاصلي حينما يبدأ العمل بحيث يغطي كل أوروبا» وأضاف ان موقع الصواريخ الاعتراضية الخاص بالبرنامج الاميركي والموجود في ألاسكا لن يكون سوى واحد من نظام كامل سيتضمن ايضا منصات صواريخ اعتراضية في البحر. وقال دبلوماسي اوروبي انه فيما لم يظهر اي مديح علني من جانب الحلفاء الاوروبيين للمشروع المقترح بحيث يتجاوز مجرد عبارات الترحيب القليلة الا انه لم تكن هناك ايضا معارضة واضحة له بينهم. كما عبر عدد من الحلفاء عن اهتمامهم بالمشاركة على الرغم من عدم طلب او تقديم اي التزامات من احد حتى الآن. الى ذلك اكد دبلوماسي اطلسي ان كروتش ووفده قد زاروا الدنمارك والمملكة المتحدة ضمن رحلتهم. وكلتا الدولتين كانت قد امتدحتا من قبل الاميركيين سابقا باعتبارهما موقعين مناسبين لبناء الرادارات بالنسبة لبرنامج الدفاع الصاروخي الاستراتيجي الاميركي. وفي غضون ذلك بدأ الدفاع الصاروخي يسيّل لعاب الشركات الصناعية العسكرية خصوصا وأنه يعتمد على انظمة التكامل والربط وهي الامكانيات التي تتفوق بها بعض من كبرى الشركات على جانبي الاطلسي. فالى جانب التحالفات التي اعلنت من قبل بوينج مع كل من شركات اي آي دي اس، بي أي إي، الينيا سبازيو فإن شركة لوكهيد مارتن وبوينج تعملان على ترويج دراسة لمشروع مشترك للدفاع الصاروخي الميداني للناتو يتضمن ايضا شركاء مهيمن من الأوروبيين. ومع ان تقويم الدراسة في الناتو لن ينتهي قبل ستة اشهر مقبلة فإن هذه الدراسة قد يجري توسيعها لتتجاوز مجرد تأمين الحماية من الصواريخ البالستية للقوات الارضية. حيث قد توسع بتوفير الحماية لاقاليم كاملة وتتضمن صواريخ بمدى يتجاوز 3 آلاف كيلومتر كما هو حالها الآن. ويعترف دبلوماسي اوروبي بأن ذلك ليس الا «فكرة» بعد، غير ان اي خطوة لتوسيع الدفاع الميداني ضد الصواريخ لابد وأن تثير الكثير من الجدل فور طرحها.