في هذه الايام تثور عاصفة سياسية خفية عن الأنظار، سنلحظ آثارها في العام الحالي. ففي الجانب الفلسطيني تحاول أوساط في كل الفصائل، وقف التدهور والاعلان عن وقف اطلاق النار. وفي الساحة السياسية الاسرائيلية هناك مرشح جديد لرئاسة الحكومة مع أجندة سياسية واضحة من شأنها ان تقود الى السلام والأمن والازدهار الاقتصادي. وفي غمرة العاصفة، من الصعب ملاحظة الواقع خارج المجال الآني. وفي اسرائيل يدعون ان «الارهاب» يميز السياسة الفلسطينية التي لا تريد التوصل الى تسوية، في حين يقول الفلسطينيون ان الاحتلال والحواجز والخنق الاقتصادي هي النمط الذي يميز السياسة الاسرائيلية التي لا تتطلع الى التسوية. ان تعميق الاحتلال والقتال سيؤدي الى تصعيد الارهاب والعنف والى المزيد من القتلى والجرحى والكراهية وعدم الثقة وانعدام الأمل. يجب على عمرام متسناع ان يفهم ان الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني يستدعي علاجا وفحصا بأدوات أكثر موضوعية. وعلى خلاف ما هو معروف لدينا لم يقترح باراك على الفلسطينيين «كل شيء» ورفضوا هم الاقتراح الجذاب. من ناحيتهم القضية ليست كم نحن مستعدون لاعطائهم بل يدور الحديث عن كفاح للتحرر الوطني من الاحتلال الاسرائيلي. وطالما هناك احتلال يبقى الكفاح شرعيا. وفي عام 1993 لجأوا أساسا الى العنف، ولكن منذ اتفاق اوسلو تبنوا المسار السياسي كوسيلة لوضع حد للاحتلال والسلام بين دولتين مستقلتين. ونجمت المشكلة حين توصل الجمهور الفلسطيني ـ وليس تحديدا قيادته السياسية ـ الى الاستنتاج بأن اسرائيل لا تنوي انهاء الاحتلال. ان مضاعفة عدد المستوطنين وشق شوارع التفافية ومصادرة الاراضي وهدم المنازل والغمزة الدائمة من باراك باتجاه اليمين، كل ذلك دعا الشارع الفلسطيني الى الشك بنوايا اسرائيل. لقد كانت اغلبية الجمهور الاسرائيلي وقيادته صادقة في تطلعها نحو السلام ولكن اسلوب المفاوضات الاسرائيلي كان يلمح بخلاف ذلك. ففي المجال الاقليمي مثلا، تنازل الفلسطينيون عن 78 في المائة من ارض اسرائيل. بالعكس، لقد رأوا اننا أعدنا الى مصر مائة في المائة من المنطقة التي احتلت، وحصل الاردنيون على مناطق بديلة في وادي عربة مقابل منطقة مماثلة سيطرت عليها اسرائيل، واننا انسحبنا من لبنان حتى الحدود الدولية، واقترحنا على السوريين كل هضبة الجولان. وفقط عليهم عرضنا أقل وألمحنا بذلك انهم دونيون. يجب علينا البدء بالتعامل معهم كمتساوين، لقد وافقوا على تعديلات في الحدود الدائمة، بما في ذلك الكتل الاستيطانية والأحياء اليهودية في شرقي القدس مع الأخذ بعين الاعتبار المصالح الاسرائيلية، ولكن شريطة ان يحصلوا على توقيع مماثل بمساحة هذه التعديلات. من زاوية النظر الفلسطينية فان نمط المفاوضات الاسرائيلية كان يستند عموما على الغطرسة، والميل الى القوة، واحيانا الاستخفاف، ودائما على عدم الفهم لاحتياجات الفلسطينيين. الاحتلال الحالي أكثر فظاعة، واللغة المستخدمة الآن في المناطق تستند الى الفرضية الخاطئة بأنه اذا قمنا باذلال الفلسطينيين ودفعناهم الى الزاوية سنتوصل الى نتائج. الخطأ بيدنا، والمطلوب الآن هو تغيير جوهري في الفهم لدى الطرفين، وفهم مواقفهما الأساسية. الطرفان يريدان السلام ومستعدان للتسوية. وفي اسرائيل يفهمون بأنه ستقام دولة فلسطينية على أساس حدود العام 1967، والفلسطينيون يفهمون انه لا يوجد تسوية يعود فيها اللاجئون الى مناطق اسرائيل. وحول هذه التفاهمات يمكن، بل ويجب، بناء الثقة والأمل اللذان يقودان الى التعايش بكرامة وتعاون. هذا التعاون يحتاج الى لجم كل الاوساط المتطرفة في الطرفين اللذين يعتبران انتصار الواحد منهما هزيمة للآخر. عن «يديعوت احرونوت»