يدعي الجيش والمخابرات الاسرائيلية ان هدم منازل المشبوهين بتنفيذ العمليات وإبعاد أقربائهم الى غزة هي خطوات رادعة، أعطت أكلها من قبل. ويستند المؤيدون لهذه الخطوات الى عدم المعرفة والنسيان الارادي لاغلبية الجمهور الاسرائيلي. فكبار رجالات الجيش الاسرائيلي والمخابرات يعتمدون على انه لا تؤخذ في اسرائيل بالحسبان حقيقة ان طابع النشاط العسكري الاسرائيلي منذ عامين هو «ردعي» بالأساس، وذلك لانه جماعي ويضر بكل الجمهور الفلسطيني. ولكن العمليات ليس فقط اتسعت بل وصارت أكبر ومضرجة بالدماء، والتأييد الجماهيري الفلسطيني لها لا يتضاءل. وها هنا بعض من الاجراءات الردعية، الجماعية، التي جربت في السنتين الاخيرتين: 1 ـ منذ الاسابيع الاولى من الانتفاضة، والتي تميزت بالأساس بالمظاهرات الجماهيرية ورشق الحجارة، وبعد ذلك باطلاق النار الفلسطينية في الهواء، رد الجيش الاسرائيلي بالنار الحية أو باطلاق العيارات «المطاطية» فأصاب المئات وقتل العشرات، بمن فيهم الاطفال. ووجود فلسطينيين مسلحين في اوساط المتظاهرين وراشقي الحجارة أو بالقرب منهم سهل مرونة في تعليمات اطلاق النار القاتلة. ومع ان الجيش الاسرائيلي كان يفيد بأنه جرى الرد على مصادر النار بالمثل، ولكنه لم يكن يقدم تفسيرا لمقتل المدنيين ـ بمن فيهم النساء والاطفال ـ بعيدا عن مكان الاشتباك، أو القتل والجرح على أيدي القناصين لأناس لم يكن لهم ضلع في اطلاق النار أو رشق الحجارة، ولكنهم كانوا يوجدون في مواقع الصدامات، وحقيقة انهم في الجيش لا يفحصون حالات القتل غير القليلة هذه، أو يفحصون دون ان يستخلصوا النتائج، وحقيقة انه في اسرائيل قلل الناس اهتمامهم بالتقارير الفلسطينية عن هذه الأحداث، لا تغير التجربة الفلسطينية، منذ بداية الانتفاضة، بأن كل هذه الاجراءات جاءت لغرض الردع. 2 ـ جرافات الجيش الاسرائيلي هدمت مئات منازل المدنيين في البداية، في مخيمات اللاجئين في رفح وخان يونس. وشرح الجيش الاسرائيلي بأنه ينطلق من بين المنازل مسلحون أو يطلقون النار من بينها، أو ان هناك أنفاقا تحت المنازل لتهريب السلاح. ولحق بآلاف المباني ضرر فادح جراء النار الاسرائيلية. وعشرات منازل اخرى تضررت حين فجر الجيش الاسرائيلي منازل الجيران، التي كانت تسكن فيها عائلات المشبوهين بالعمليات، أو عند قصف مباني السلطة. أي ان آلاف الفلسطينيين خبروا هذه التجربة «الرادعة» لهدم المنازل. 3 ـ جرافات ودبابات جرفت «لاسباب امنية» آلاف الدونمات من الاراضي الزراعية، واقتلعت عشرات آلاف الاشجار وهدمت الدفيئات والآبار. والألم النفسي الجماعي على الاقتلاع الشامل للزرع هو أكثر حتى من الضرر المالي الخطير. 4 ـ في عمليات الاغتيال التي قام بها الجيش الاسرائيلي. والتي كان أولها في الاول من نوفمبر 2000 قتل على سبيل الخطأ مدنيون، بمن فيهم الاطفال والنساء. وكانت الذروة في 22 يوليو في غزة، بالقصف الجوي الذي جاء لقتل صلاح شحادة من حماس. أي ان عشرات العائلات ليس لها أي صلة بالعمليات «ردعت» بالضرر الأشد خطورة قتل أعزائها. 5 ـ الابعاد الى غزة يعرض كرادع لانه يقطع صلة الناس بعائلاتهم. ولكن هذا بالضبط ما تفعله سياسة الاغلاق وحظر التجول. فالقيود على الحركة، تلك القيود التي تفرضها اسرائيل وتواصل تشديدها تشوش تشويشا تاما الحياة الأسرية لثلاثة ملايين انسان. آلاف الآباء والأمهات العجائز مثلا لم يروا أبناءهم على مدى سنة أو أكثر. وحقيقة انهم في اسرائيل لا يعرفون لا تلغي الواقع «الردعي» المزعوم، والضرر الجماعي اللاحق بكل الجمهور الفلسطيني. ان المنطق العسكري السائد في الحكومة وفي الجيش اليوم يقول انه اذا كان كل ما جرب لم يردع بما فيه الكفاية، فينبغي تشديد الاجراءات. وفي أوساط الجيش، والحكومة ومجموعات الضغط التي تدفع نحو التصعيد هناك أناس خيالهم يتفتق عن أنواع من الردع تزعم انها الأكثر ردعا، فالى متى يستمر هذا الخيال المنفلت العقال يتلاعب بأغلبية الجمهور الاسرائيلي، بمن فيه قضاة محكمة العدل العليا؟. عن «هآرتس»