لا يثير مشهد القاعدة العسكرية الاميركية على التلال القاحلة في جنوب أوزبكستان الاحساس بالجبروت العسكري الذي تثيره غيرها من القواعد العسكرية الاميركية الاخرى في العالم، فالخيام المكيفة تمتد متجاورة على أرض موحشة وموزعة حول دروب سميت بمعالم نيويورك الشهيرة، مثل الجادة الخامسة ولونج آيلاند اكسبريس واي وول ستريت. ويوجد حوالي ألف جندي أميركي في القاعدة يعملون على تجهيز أطنان من الامدادات المتواصلة للمجهود الحربي الاميركي في أفغانستان. إلا ان هذه القاعدة واسمها «كي-2» تمثل رمزاً قوياً لرسوخ القدم الاميركية المستجدة في منطقة كانت منذ بدايات التاريخ مسرحاً لجيوش القوى الكبيرة المتصارعة، مثل جيوش الاسكندر الأكبر وجنكيز خان وتيمورلنك، بل ان القوات الأميركية هذه تمثل أول جيش غربي يتمركز في هذا الركن من العالم منذ أيام الاسكندر الأكبر الذي مر بها حوالي عام 329 قبل الميلاد. وينظر قادة وسط آسيا للوجود الأميركي هناك على انه افتتاحية لمرحلة جديدة، فالزعيم الأوزبكي الأوحد اسلام كريموف ظل لسنوات على القائمة الأميركية للمكروهين من الزعماء السياسيين بسبب سياساته الاستبدادية الداخلية، أما الآن فينظر لنفسه على انه حليف مهم لأميركا. فمنذ زيارته الودية لواشنطن في الربيع الماضي وتوقيعه هناك اتفاقاً رسمياً تلتزم الولايات المتحدة بموجبه بالتصدي لأي «تهديد خارجي» لأوزبكستان، كرر كريموف القول للإعلام ان لبلاده «شراكة استراتيجية» مع الولايات المتحدة. أما عبدالعزيز كاميلوف وزير خارجيته فقال: «ان منطق الواقع الراهن يقول ان الولايات المتحدة قد قدمت للمنطقة لتحقيق أهداف مهمة وانها باقية هنا طويلاً». كان الهدف الذي دخلت من أجله وسط آسيا هو القضاء على اسامة بن لادن ورجاله ومن يحميهم، وحالما أعلنت واشنطن حربها على ابن لادن، أصبحت بحاجة لموطيء قدم استراتيجي قرب قاعدته، وهي أفغانستان. وسرعان ما أومأ المسئولون الأوزبك للأميركيين باستعدادهم للتعاون، وهكذا أكد جون بولتن وكيل الخارجية الأميركي في 28 سبتمبر الماضي ان قاعدة أميركية عسكرية يمكن انشاؤها على أراضيهم، ولا تبعد قاعدة «كي-2» سوى 80 ميلاً عن الحدود الأفغانية. وهكذا وجدت أميركا نفسها وسط هذا المحيط الغريب والمضطرب، إذ لم تنقض أسابيع قلائل على هجمات 11 سبتمبر، حتى كانت أربع أو خمس حكومات في المنطقة قد أعربت لواشنطن عن استعدادها لتقديم منشآتها العسكرية لها. ورحبت الحكومات الخمس بنشر قوات أميركية على أراضيها. ولم تكن المفارقة لتغيب عن أي منها: في السنة 11 على استقلالها من حكم الاتحاد السوفييتي السابق، أصبحت هذه الجمهوريات السوفييتية سابقاً شركاء عسكريين للولايات المتحدة. وبكلمتين اثنتين أعرب وزير خارجية كازاخستان عن ذلك الموقف بقوله «العالم قد تغير». بموجب هذه الصفقة أصبحت لأميركا التزامات مستحدثة وحلفاء جدد في وسط آسيا بشكل سيغير السياسة الاميركية لسنوات مقبلة. لكن كيف سيكون التغيير؟ ما هي عواقبه؟ بعد خمسة أسابيع قضيتها في المنطقة ولقاءات مطولة مع الساسة في واشنطن اتضح لي ان هذه الالتزامات مع انها حقيقية ومكلفة جداً، إلا انها ضبابية، ومضامينها الكاملة قد لا تتضح قبل مرور سنوات. تصف الخارجية الاميركية سياستها وسط آسيا منذ 11 سبتمبر بأنها «تواصل معزز». ويشرح لين باسكو النائب المساعد لوزير الخارجية الهدف الاميركي من هذه السياسة في شهادة تقدم بها أمام مجلس الشيوخ أوائل الصيف الحالي بأنها: «دفع دول وسط آسيا نحو تبني الاسواق الحرة والسياسات الديمقراطية في محاولة لتقويتها في وجه التشدد الاسلامي وعدم الاستقرار». وقال باسكو ان هذه الدول بدون اجراء اصلاح اقتصادي «لن تتمكن من البقاء كدول عصرية». الدول الخمس اليوم متورطة بالفساد والسياسات الاستبدادية والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة. ومن وجهة نظر الكثير من الاختصاصيين الاكاديميين فإن واقعها في تدهور متواصل. فقد قالت كاثلين كولينز، الاستاذة بجامعة نوتردام في انديانا في مقالة لها مؤخراً ان هذه الدول الخمس: «لا تعيش حالة تحول نحو الديمقراطية، بل انها تتردى نحو صيغة سياسية واقتصادية لا يمكن وصفها إلا بالسلبية الشديدة». ووجهة نظرها هذه تجد انعكاساً لها عند الكثيرين من ابناء وسط آسيا، حيث يقول مراد أوزوف، وهو مفكر من ابناء كازاخستان كان سفيراً لبلاده لدى الصين أوائل التسعينيات: «اننا نعيش تحولاً لا حضارياً الآن». إن أياً من زعماء المنطقة لا يسمح بوجود سياسات حرة أو انتخابات نزيهة، والنتيجة هي انهم كلهم يفتقدون للشرعية تبعاً لأحد المسئولين في ادارة الرئيس بوش، الذي يقول انهم كلهم: «مجرد رجال كانوا موجودين في المواقع القيادية» لجمهورياتهم حينما انهار الاتحاد السوفييتي أو تولوا مناصبهم فور انهياره. وهؤلاء يديرون سلطات شخصية شديدة المركزية ضمن انظمة متهاوية تتراوح مؤسساتها بين الضعيف الى عديم الفاعلية نهائياً. وقالت لورنا كراينر مساعدة وزير الخارجية لشئون حقوق الانسان في شهادة لها أمام الكونغرس مؤخراً ان وضع حقوق الانسان في الدول الخمس إما «تعيس» أو «تعيس جداً» أو «مفرط في تعاسته». مع ذلك فإن الولايات المتحدة قد تحتاج هؤلاء الحلفاء الجدد لسنوات مقبلة، لأن محاولاتها تحقيق الاستقرار في افغانستان تعتمد على تعاونهم. فقد أكد الجنرال تومي فرانكس رئيس القيادة المركزية الاميركية المسئولة عن ادارة الحرب في أفغانستان مؤخرا ان القوات الأميركية ستبقى في أفغانستان «لفترة طويلة جداً». ولوصف نوع الالتزام الاميركي في افغانستان ذكر فرانكس الوجود الأميركي في كوريا الجنوبية كحالة شبيهة حيث لاتزال القوات الأميركية المتمركزة هناك موجودة منذ أكثر من نصف قرن. وشأن افغانستان، فإن كل دول وسط آسيا، كازاخستان وقيرغيستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان تحتاج لعملية «بناء دولة» فاعلة. ومع ان الرئيس بوش قال خلال حملته الانتخابية عام 2000 ان هذه يجب ألا تكون شأناً أميركياً، فإنها قد أصبحت كذلك فعلاً منذ الخريف الماضي. لقد زادت موازنة المعونات الاميركية للمنطقة هذا العام بمقدار 200 مليون دولار لتصل ما اجماليه 442 مليون دولار. والأميركيون يساعدون هذه الدول على تعلم كيفية ادارة اقتصاد السوق وتعلم اللغة الانجليزية وتدريب وتعبئة قوات مسلحة عصرية وتطوير إعلام مستقل وارساء مؤسسات المجتمع المدني. وتستخدم الوكالة الاميركية للتنمية الدولية اثنين من «المختصين بالديمقراطية» في المنطقة بمدينة الماآتا الكازاخية، اضافة لاختصاصي واحد في أوزبكستان وآخر في قيرغيستان. ويمثل الاستقرار الآن الهدف الأهم لقادة وسط آسيا وحليفهم الاميركي على السواء. إلا ان الجانبين يفسران كلمة الاستقرار بشكل مختلف، فرؤساء دول وسط آسيا يشيرون الى الحاجة للاستقرار لتكون مبرراً للضرب على أيدي معارضيهم في الداخل. أما الدبلوماسيون الاميركيون فيقولون ان الاستقرار لن يحدث دون التسامح مع المعارضين وحصولهم على الفرصة للمنافسة على السلطة. ويتحدث الناس العاديون بتوق عن الحاجة للاستقرار والأمن الاقتصادي والمستقبل الواضح. أما القوى الكبرى في العالم ذات المصالح في المنطقة فترى الاستقرار على انه الحل السحري للتحولات التي يتخوفون منها: التطرف الاسلامي والمعارضة المسلحة للأنظمة القائمة والتنافس القذر على السلطة والثروة. يحفل وسط آسيا بتاريخ مديد من الصراع الجيوسياسي، فقد كانت المنطقة مسرحاً لصراع النفوذ الشرس في القرن التاسع عشر بين روسيا وبريطانيا، وهو الصراع الذي أدخله الشاعر البريطاني روديارد كيبلنج أدبيات السياسة بوصفه «اللعبة الكبرى»، ثم تحولت المنطقة الى منطقة صدام بين التوسع الامبراطوري الروسي شرقاً وبريطانيا المتحفزة ضد احتمال ان يكون للروس مطامع في مستعمرتهم الهندية. ومع ان الجيوش القيصرية الروسية غزت معظم وسط آسيا في القرن التاسع عشر وسيطرت عليها، إلا ان هذا التوسع لم يواجه حدوده إلا عند سلسلة جبال باميرو على الحدود الافغانية. والآن ونحن نعيش السنوات الاولى من القرن 21، ادى انهيار الامبراطورية الروسية بشكلها السوفييتي وبروز نزعة التشدد الاسلامية واللهاث العالمي المتزايد وراء مصادر النفط، الى اكتساب وسط اسيا مكانة استراتيجية مستحدثة. هذا الى جانب اهمية الموقع الذي بقي لها على صعيد الجغرافيا. فالدول الخمس الى جانب افغانستان تمثل كتلة هشة وسط محيط يضم روسيا وباكستان والهند وايران والصين التي يحد اقليم زينغيان الغربي منها كلاً من كازاخستان وقرغيزستان وطاجكستان. وضمن هذا المشهد فإن لكل تحول في وسط اسيا قد تكون له عواقبه التفاعلية الواسعة في محيطه. وخلال التسعينيات بدأت الولايات المتحدة بصمت تبني منطقة نفوذها في هذه الدول. فقد ارست علاقات لا بأس بها بين مؤسستها العسكرية والعسكر في كل من قيرغزستان واوزبكستان وكازاخستان، حيث وفر الاميركيون تدريباً عسكرياً لضباط من هذه الدول. واوزبكستان وحدها ستحصل هذا العام على معونة عسكرية اميركية بقيمة 43 مليون دولار. كما ان للعسكر في هذه الدول الثلاث علاقات مع مؤسسة الحرس الوطني الاميركي، كازاخستان مع اريزونا وقرغيزستان مع مونتانا واوزبكستان مع لويزيانا، كما ان هذه الدول شاركت في برنامج الناتو للشراكة من اجل السلام. يقول جيفري ستار من البنتاغون والذي كان مسئولاً في رئاسة كلينتون الثانية عن هذه العلاقات باعتباره مساعداً لوزير الدفاع: لقد اردنا توسيع نفوذنا في المنطقة وترويج القيم الاميركية ايضاً. وقد زاد النفط والغاز من الاهمية الاستراتيجية للمنطقة. اذ تقبع كازاخستان وتركمانستان فوق احتياطيات هائلة منهى. ويواصل الجيولوجيون من زيادة تقديراتهم لاحتياطيات النفط الكازاخي الذي اصبح يعرف باسم حقول نفط قزوين. وتقول وزارة الطاقة الاميركية الان ان كازاخستان ربما تحتوي على 95 مليار برميل من النفط اي حوالي اربعة اضعاف احتياطيات النفط المكسيكي المؤكدة. وكانت شركة شيفرون الاميركية للنفط اول شركة تؤكد مشاركتها في التنمية النفطية في كازاخستان وقد اصبحت الان شيفرون تكساكو، حيث تستثمر حالياً مليارات الدولارات في هذه الدولة. يقول مسئول اميركي رفيع المستوى يعمل حالياً في كازاخستان: «لدينا مصالح اقتصادية ونفطية هائلة في هذه البلاد. انها جزء مهم من استراتيجيتنا النفطية». واضاف ان كازاخستان ودول قزوين المجاورة قد تصبح عام 2015 واحدة من اهم مصادر النفط في العالم. لكن كون غالبية سكان دول وسط اسيا مسلمين قد اصبح عاملاً جيوسياسياً مهماً ايضاً. فطوال عقد التسعينيات ظلت الانشطة الحاكمة في هذه الدول متوترة من جراء تصاعد ثقافة الجهاد الاسلامية. وهذا التوتر تحول الى رعب عام 1998 حينما قام شاب اوزبكي يتمتع بشعبية كبيرة ومن ابناء وادي فزغانة بتأسيس حركة اوزبكستان الاسلامية بهدف واضح ومحدد، هو الاطاحة بحكومة كريموف واتخذ له اسماً حركياً هو «جمعة نامانغاني». ففي عام 1999 انطلق رجال مسلحون تحت راية حركة اوزبكستان الاسلامية لغزو طاجكستان وقرغيزستان واوزبكستان انطلاقاً من افغانستان وعلى الرغم من انهم فشلوا في ايصال سيطرتهم لوادي فزغانة الخصيب وكثيف السكان، الا انهم جعلوا اوصال حكام هذه الدول ترتعد رعباً منهم. وكررت حركة اوزبكستان الاسلامية غزوتها عام 2000 ووصلت حتى الجبال شمال شرق طشقند. وكان وجود قواعد آمنة لهم في افغانستان هو الذي جعل نجاحات الحركة ممكنة. كما تخوفت حكومات قرغيزستان وطاجكستان واوزبكستان من صلات الحركات الاسلامية في الدول الثلاث مع جهات افغانية. غير ان احاديثهم عن خطر افغانستان وطالبان ظلت تقابل بالتجاهل من قبل الدول الاخرى الى يوم 11 سبتمبر. اما اليوم فترى حكومات وسط اسيا ان الفرصة سانحة لها لجعل افغانستان جارة علمانية تساهم في ارساء شكل الاستقرار الذي تريده في بلادها. يقول كاميلوف: «افغانستان يجب ان تكون جزءاً من هذه المنطقة». لكن ليس بهدف الاستقرار فحسب. اذ اشار امام علي رحمانوف رئيس طاجكستان ونور سلطان نزارباييف رئيس كازاخستان كلاهما الى ان وجود طرق سريعة وآمنة عبر افغانستان سيجعل وسط اسيا مفتوحة امام ميناء كراتشي الباكستاني، وهي الطريقة التي يمكن ان تسمح لهذه الدول الحبيسة التي لا تطل على البحر المفتوح بأن تلقي وراء ظهرها عهوداً طويلة من الاعتماد على روسيا من اجل الاتصال المادي بالعالم الخارجي. والتدخل الاميركي في هذه الدول يحمل اهمية كبيرة لدول وسط اسيا ذلك انه ازال الخطر الماثل على امنها. فقد ازالت اميركا وحلفاؤها طالبان من افغانستان كما ان قذيفة اميركية على الاغلب قد قتلت نامانغاني العام الماضي. يقول كودير غولوموف وزير الدفاع الاوزبكي: «من وجهة نظر عسكرية فإننا لا نواجه الان اي تهديد». لكن قبل عام واحد فقط كانت اوزبكستان تزرع الالغام لاهثة على طول حدودها، وهي تتوقع هجمات جديدة من حركة اوزبكستان الاسلامية. غير ان افغانستان لاتزال تمثل مشكلات عديدة لجيرانها. واحدى هذه المشكلات موارد المياه. فنهر اموداريا وهو مصدر المياه المهم والمستنزف فعلياً لاوزبكستان وطاجكستان وتركمانستان يتماشى مع الحدود الطاجيكية الافغانية والاوزبكية الافغانية لمئات الاميال. والآن فيما تعهد المانحون الدوليون باعادة بناء الاقتصاد الافغاني، بما في ذلك قطاعها الزراعي، يصبح ارتفاع معدل استثمار الافغان لمياه اموداريا امراً حتمياً. كما تمثل المخدرات مشكلة اخرى. فقد تحولت افغانستان برعاية الجماعات المتحاربة الى مصنع ضخم للمخدرات يلبي حالياً 90 في المئة من الطلب على الهيرويين في اوروبا، تبعاً لتقارير الامم المتحدة. وتشكل تجارة المخدرات جزءاً مهماً من اقتصاديات كل دول وسط اسيا. مع ذلك يحلو لزعامات وسط اسيا ان تشير الى الفرص الكبيرة التي وفرتها لهم المخاوف من افغانستان والمتمثلة بالاحتفاظ بالاميركيين في منطقتهم. وعلى سبيل المثال، قال الرئيس الكازاخستاني نزارباييف: «سنحتاج ما بين 15 و20 سنة لارساء الاستقرار في افغانستان»، وهو يتوقع ان يكون للولايات المتحدة الدور الاكبر في هذا المسعى. ترجمة: جلال الخليل عن «واشنطن بوست»