النقاش في ساحة المحكمة الاسرائيلية العليا في الالتماسات ضد ابعاد افراد عائلات الفلسطينيين الانتحاريين الى غزة يجري امام هيئة واسعة جدا من 9 قضاة، برئاسة رئيس المحكمة العليا، على ضوء «الاسئلة غير البسيطة التي يثيرها، على حد تعبير المحكمة العليا. وهذه الهيئة تدل على الاهمية البالغة التي توليها المحكمة العليا في الموضوع، والاسئلة عن العلاقة بين القضاء الاسرائيلي والدولي وعن التمييز القائم، ان وجد، بين «الابعاد» وبين «مجال مكان السكن» على حد تعبير سلطات الجيش الاسرائيلي - في المنطقة الواسعة التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة - هي التي لها الصدارة في النقاش الذي يجري في ظل الحساسية القانونية التي تنطوي عليها القرارات المتعلقة بالابعاد. والحساسية اساسها في قرار المحكمة العليا عام 1993 التي صادقت بالاجماع بهيئة من سبعة قضاة على ابعاد 415 نشيطاً من حماس والجهاد الاسلامي الى لبنان - على الرغم من حقيقة حرمانهم من حق الاعتراض. وخلف القرار انتقادات اكاديمية وجماهيرية شديدة على نحو خاص. ادعى القاضي حاييم كوهين انه كان من الجدير الغاء اوامر الابعاد، التي حسب رأيه صدرت بصورة غير قانونية. وقيل في اجتماعات ومقالات ان المحكمة العليا عملت من منطلق الاجماع العام الذي تلاءم مع ميل الحكومة الاسرائيلية واظهر كبح جماح قانوني غير مبرر. ودلت الاستطلاعات ان 91 في المائة من الجمهور اليهودي - الاسرائيلي برروا القرار. ويدل تحليل قرار المحكمة العليا على انه غير قادر على الصمود امام الدمج بين حكومة حازمة ورأي عام يؤيدها بشدة. وتواجه المحكمة الاسرائيلية العليا دمجا مماثلا - حكومة تؤمن بقوة الابعاد الردعية ورأي عام يؤيدها. والسؤال هذه المرة هو قانونية الابعاد وليس مسألة حق الدفاع قبل تنفيذه الحق الذي يمنح للمرشحين للابعاد بالمعنى الواسع. والقرار الذي يلغي اوامر الابعاد من شأنه ان يضع المحكمة العليا في مواجهة صعبة مع الحكومة ومع الجمهور الواسع على ضوء العمليات الفلسطينية. والمحكمة العليا ستحسم حسب رأيها القانوني ولكنها لن تتجاهل الحساسية الجماهيرية لقرارها. من الممكن الافتراض انه على الاقل عددا من القضاة سيأخذون بعين الاعتبار الاقوال التي كتبها اهارون باراك وبموجبها ان «على المحكمة العليا ان تأخذ بعين الاعتبار الاجماع الاجتماعي». وأن تتطلع الى الحل نفسه الذي ينسجم مع الاجماع الاجتماعي أو على الأقل لا يتناقض معه. وهذا الميل أساسه في الاعتبارات الديمقراطية والفصل بين السلطات ونية المحكمة في ضمان الثقة العامة بها. مع ذلك لا يوجد في وجهة النظر هذه ما يمكن المحكمة العليا من تجاهل الادعاءات القانونية ثقيلة الوزن القائمة في مسألة الابعاد. وكذا الامر في قضية سريان التفسير الذي قدمته المحكمة العليا في السابق، برأي الاغلبية، لميثاق جنيف، والذي يقضي بأن الحظر المفروض على الابعاد المشمول به لا يسري على إبعاد أفراد . هذا التفسير الذي لقي انتقادات واسعة. وكذا الامر في قضايا صعبة بشأن صلاحية قائد المنطقة في تقرير الابعاد في الوقت الذي فيه مكانة اسرائيل في المنطقة غير واضحة من ناحية قانونية. لقد أكدت لجنة الاستئنافات العسكرية برئاسة الكولونيل دانئيل فريدمان التي قدمت لقائد المنطقة وجهة نظر مفصلة تؤيد الابعاد، أكدت خطورة اعمال المرشحين للابعاد والمساعدة الحقيقية التي قدمت للفلسطينيين. وستضطر المحكمة العليا الى التطرق لذلك على نحو دقيق وتحديد قواعد قانونية عامة بشأن الشروط التي يجب توفرها قبل النفي أو «الابعاد عن مكان السكن»، خلفيتها المركزية هي كون الانسان من عائلة المخرب. كل ذلك على خلفية كون عقوبة الابعاد معروفة بصفتها أخطر من الاعتقال الاداري رغم ان الاعتقال يؤدي الى سلب حرية الانسان، الامر الذي لا يؤدي اليه الابعاد. والنقاش في الهيئة الموسعة في قضية الابعاد يضع المحكمة العليا في مركز السلطات، حيث امتنعت المحكمة العليا في السنوات الاخيرة عن النقاش في القضايا التي تتعلق بالمسيرة السلمية والتي رأت فيها قضية سياسية بارزة، تفتقر الى زاوية قانونية نشطة. وفي التماسات مختلفة منذ بدء الانتفاضة أكدت المحكمة العليا انها لا تتدخل في سبل ادارة الحرب «كون المسئولية الرسمية ملقاة على عاتق السلطة التنفيذية»، مع ذلك درست المحكمة العليا، غير مرة، كل عمل قامت به السلطات على حدة. مثلا تم رد الالتماس بشأن الوسائل التي اتخذت ضد فلسطينيين مسلحين اختبأوا في كنيسة المهد، بقرار جوهري جاء فيه ان دولة اسرائيل قامت بواجبها حسب القانون الدولي بالحرص على توفير التموين للمحاصرين. كل ذلك مع الرفض الواضح لموقف الدولة بأن الموضوع ليس من اختصاص المحكمة.والدراسة الدقيقة لصلاحية الابعاد وقيود استخدامه تتصدر أساس نقاشات المحكمة وقراراتها، يجب ان نأمل ان النقاش سيجري وفق روح اقوال رئيس المحكمة العليا، باراك، في المقال الذي استكمله في الآونة الاخيرة والذي سينشر في الولايات المتحدة وقد جاء فيه ان الاعتبارات الأمنية «ليست كلمة سحرية، وعلى المحكمة ان تقتنع بأنه في اطار الوسائل الامنية اتخذت أساليب تمس بمدى أقل بحقوق الانسان»، وأهمية القرار، مهما كان، ستتجاوز السياق المحدد، انها ستنعكس على حدود قوة السلطات وعلى القوة العملية لشعار «قف، المحكمة العليا أمامك». عن «هآرتس»