الأمر الرهيب في هذه القصة هو ان الحديث لا يدور عن شبيبة هامشية متشددين مؤهلين للشغب وانما يدور الحديث عن منفذي عمليات خرجوا من قبل عرب الجليل: «اولاد - جيدين - عرب اسرائيليين»، افراد لعائلة محترمة جدا، مثقفة، وضعها الاقتصادي جيد، ظاهريا، من المفروض ان يكون ابراهيم وياسين بكري الممثلين الابرز للاغلبية الهادئة الآتية من التيار الوسط، غير المتشدد لعرب اسرائيل - هؤلاء الذين تعرف انه بالامكان العيش معهم في خلاف، حتى وان كان مريرا، ولكن لا يخطر على بالك ان يضعوا لك قنبلة في البيت. والذي يزيد القصة تعقيدا هو ان ابراهيم وياسين - المشتبه بأنهما يقفان وراء العملية التي وقعت في باص في مفترق ميرون ـ لم يكونا اعضاء باي منظمة فلسطينية ولم يشاركا في لقاءات سرية في مساجد ولم يكونا اعضاء في حركات وطنية، لم يسجل جهاز «الشباك» اسميهما في أي ملف كمرشحين للقيام بعمل تآمري، ولكن حين توجه الانتحاري اليهما - على اساس المعرفة الشخصية، ليس فقط لم يصداه او يسلماه بل تحولا، حسب مواد التحقيق، الى متعاونين في تنفيذ العملية، ليسا متعاونين سلبيين يوجههما شخص ما من جنين، بل قياديين، مخططين، مستشارين، ومجندين، لم يكونا بحاجة سوى الى طلب وفرصة كي يشاركا في العمل، كل هذا يعني أمرا واحدا فقط، لقد كانا ناضجين لاجتياز الخطوط بدون ضغط، بدون تهديدات، بدون اسباب شخصية فورية - بل بارادتهما الحرة. وهذا ما يجب ان يقلق الاسرائيليين جميعا، يهودا وعربا على السواء في دولة اسرائيل: لقد نجم هنا ربط خطير بين التثقيف السياسي، والاحساس بالاغتراب عن اسرائيل ومع كل ما تمثله والاحباط من الظلم المتواصل لعرب اسرائيل وبين المواجهة المستمرة للفلسطينيين في المناطق - في الحالة التي امامنا ثمة صلة شخصية مع الانتحاري الفلسطيني من المناطق التي تحولت مع الايام الى صلة عمليات معادية، كم شخصا مثل ابراهيم وياسين يترعرعون على خلفية هذه الصلة؟ كم منهم نضج لمثل هذه الفرصة التي تسنح لهم؟ هذا الحساب الذي يجب على القيادة العلمانية لعرب اسرائيل ان تجريه عندما تزرع الحماس والتحريض، هذه القصة هي في نهاية الامر التعبير العملي «المطلوب» لما حدث مؤخرا في اجتماع الحركة الاسلامية في الحرم، ان ما حدث هناك يمكن ادخاله في تعريف «العملية الكبيرة» من هناك خرج تهديد الجهاد لعرب اسرائيل ذلك لان الحركة الاسلامية بين عرب 1948 موجودة الان في مرحلة تهيئة القلوب، التعليم والاستعداد، قبل الدعوة الى الجهاد. هناك، في الحركة الاسلامية - خلافا للاغلبية العلمانية ـ ثمة نشاطات فاعلة تدعو الى الانفصال، الى التغيير، الى الاسلام، الى نزع الشرعية عن الدولة اليهودية، لا يوجد فرق بين الحركة الاسلامية في صفوف عرب 1948 وبين حماس: في الخطاب، في النوايا، في التعليم، انهم فقط، ولاسباب تكتيكية - في مرحلة التنفيذ، نحن نتحمل على الاقل 50 في المائة من المسئولية عن هذه الفجوة الآخذة بالاتساع بيننا وبين عرب اسرائيل - سواء من التيار المركزي او التيار الاسلامي، حيث كانت لامبالاة المجتمع الاسرائيلي وتلبد احساس المؤسسة الاسرائيلية قد ساهما في هاتين الظاهرتين اللتين واجهناهما مؤخرا في قرية البعنة والحرم. ونشرت «يديعوت احرونوت» تحليلا آخر لامنون لورد الكاتب الدائم في صحيفة «مكور ريشون» تحت عنوان «اذا لم يكن هناك قانون يوجد ارهاب» جاء فيه: الارهاب مثل العالم السفلي في الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة يزدهر في المحيط المعزول ويحمي نفسه من القانون. في الاقبية السرية لقادة المافيا مثلما جاء في فيلم «العراب» يقول احد قادة المافيا لادون كورليوني «انت تحمل في جيبك قضاة وسياسيين مثل قطعة نقد من خمس اغورات»، تنظيم المافيا يحتاج الى محامين مرافقين يعملون معه، ولكنه بحاجة ايضا الى صحفيين يقدمون له التغطية المؤيدة، والى سياسيين كبار على كل المستويات كذلك على المستوى البرلماني، هكذا ينشأ المحيط الذي فيه يستطيع اشخاص معينون قتل عشرات الاشخاص والبقاء احرارا، بل والحصول على مكانة شخصية مهمة. ان اعضاء المنظمات الفلسطينية قد اكتسبوا ضمن اتفاق، اراضي لحماية انفسهم من يد القانون الاسرائيلي، أي جيوب يغيب فيها القانون، ولكن المهم اكثر من ناحية استراتيجية هي أي الجيوب القانونية، الاعلامية، الاكاديمية والسياسية التي توفر حماية من القانون، ان الكشف عن خلية البعنة في الجليل يدل، على الاراضي التي يغيب عنها القانون في ارض اسرائيل تمتد مثل بقعة الحبر من مراكز التنظيم الفلسطيني الى مجالات اخرى، التي اعتقدنا انه يوجد بها سلطة القانون. لذلك، لم اكن لاهاجم عرب 1948 بل اهاجم الاطر اليسارية العاملة تحت رعاية القانون الاسرائيلي وتحت رعاية الديمقراطية الاسرائيلية فقط من اجل توسيع المناطق التي يغيب فيها القانون في اسرائيل، والعاملين من اجل تمكين نشاطات اوسع وحرية اكبر للفلسطينيين، في اسرائيل يلعب هذا الدور منظمات مثل «تكتل السلام»، «ثمة حدود»، «شبابيك»، «التعايش»، «بتسيلم»، اللجنة ضد التعذيب»، «عدالة» وغيرها، كلما بدت اسرائيل عاجزة وقابلة للضرب كلما ازدادت جرأتهم، هذه عملية تعاظمت مع تزايد اعمال القتل الفلسطينية، حين يتحدث اوري افنيري فجأة عن القانون الدولي، فان هدفه هو العكس: توسيع الثقب الاسود لغياب القانون الذي في داخله يستطيع صديقه عرفات بالعمل بحرية اكبر، القانون بالنسبة لليسار «الافنيري» لم يأت لحماية اليهود، ان دوره هو منعهم من القدرة على حماية انفسهم من العرب. عن «يديعوت احرونوت»