يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. في مطار سوتشي استقبلتني سيدة شابّة تامة الأناقة قدّمت لي نفسها: فالنتينا ميخائيلوفنا وقالت إنها هي مرافقتي. وحملتني سيارة فاخرة إلى المصح الذي وفّرته لي عناية خالد بكداش بي والذي يحمل اسم المدينة: مصح سوتشي. وفي الطريق، فاض مخزون المرافقة من المعلومات. فسوتشي مدينة حديثة كلها، أُنشئت بعد قيام السلطة السوفييتية بأمر من لينين ذاته لتكون منتجعاً للشغيلة. استمعت فالنتينا إلى شكواي من الملل. وكان لديّ ما يزيد على ما رويته لك. فلا أحد في المصح رغب في التحدث إلي. كان وقت عمل العاملين مشغولاً بالمهام التي لا تبقي وقتاً للثرثرة معهم، ولم يكن بينهم أصلاً من يعرف غير الروسية. وكان النزلاء كلهم، مواطنين وضيوفاً، من كبار المسئولين. ويبدو أن هؤلاء عرفوا أني صحافي. ومن هو الذي يتحدث في وقت راحته أو علاجه إلى صحافي. وفي اليوم التالي لشكواي التي يبدو أنها نقلت إلى الرؤساء، جاءت فالنتينا بما توسمت هي أنه الحل: ستخصص هي ساعة من وقت عملها لي ويمكن أن نتحدث حول أي شيء، وسيكون من حقي أن أغادر المصح كل يوم بعد الظهر وأجول في المدينة جولة حرّة شريطة أن أتجنب ما يضرّ بصحتي. ساعة الحديث المقررة مع فالنتينا، كنا نقضيها في مكتب المرافقات. ويبدو أن المرافقة تصورت في البداية أني سوري: «هل تعرف من الذي أقام في حجرتك قبل مجيئك؟»: ولما لم أعرف بالطبع، قالت المرافقة بنبرة أرادت بها على ما يبدو أن تبهرني: «أم الرئيس حافظ الأسد، وكم كانت امرأة طيبة !». وانداح الحديث عن سوريا ورئيسها وأمه التي كانت حقاً طيّبة، فعرفتْ فالنتينا من ثنايا الحديث أني فلسطيني. وكان لدى المرافقة التي تقيم في هذا المكان النائي عن فلسطين ما تقوله، فحضر الساكن الفلسطيني وشجونه حتى في هذا المكان حيث تحاصرني وصايا الأطباء لي بتجنب التوتر. ففي حجرتي ذاتها، أقامت أيضاً، سيدة فلسطينية. وذكرت المرافقة اسم السيدة: أسماء الأفغاني، وأضافت وقد ظنت أنها بهرتني: «تعرف بالطبع أنها مساعدة القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية». وبالطبع، لم أعرف . فالقائد العام الذي هو ياسر عرفات ليس له مساعدة عسكرية وليس بين الفلسطينيات أي سيدة تشغل منصباً عسكرياً كبيراً. والغريب في الأمر أني لم أتذكر الاسم بالرغم من أن صاحبته هي صديقة عزيزة لي، فهي «أم أسامة» وهي من كانت زوجة لصديقي الأديب رسمي أبو علي ثم تزوجت بعد طلاقها منه صديقي المخرج السينمائي غالب شعث. غاب الاسم عن البال، وبدا لي أن الصفة منتحلة انتحالاً وبدوت أنا أمام المرافقة السوفييتية من الجاهلين. وفي المحاججة مع وثوق المرافقة من روايتها، جاءت هذه بملف، فاتضح الالتباس بشأن الصفة. ذلك أن الرسالة الفلسطينية التي طلبت العلاج لهذه السيدة وصفتها بأنها من مساعدات الأخ القائد العام، و «القائد العام» هذه صفة ألحقت باسم عرفات منذ أضيف إلى مناصبه هذا المنصب فغلبت الصفات الأخرى كلها، ومساعد عرفات أو مساعدته قد يكون أي شخص دون أن يعني هذا بالضرورة أنه عسكري. نايف حواتمة كان في هذا المصح هو الآخر، فكأنما كان لا بد من أن تلحقني سيرته إلى هذا المكان. جاء أبو النوف إلى هنا وكانت فالنتينا هي مرافقته. وقد بدت المرافقة وهي تتحدث عن الأمين العام للجبهة الديمقراطية مبهورة بقدرته على الشرح. وأقنع نايف فالنتينا بأن إسرائيل دولة معتدية ولا بأس لو أنها كفّت عن الوجود وحل محلها دولة ديمقراطية مسالمة يعيش العرب واليهود فيها بأمان ومساواة. وراحت حكايات فالنتينا عن حواتمة تتوالى، فأستحضر أنا ما كان هو يرويه عن زيارته وحواراته مع السوفييت، وكيف ألف أن يكرر: قلنا للسوفييت، أو : قال السوفييت لنا، دون أن يحدد مَن الذين تحدث إليهم من هؤلاء أو ينفي انطباعي بأنه يعني ناساً من القيادة. وتذكرت لقاءً لي مع نايف جرى في طرابلس الغرب، في ليبيا، قبل مجيئي هنا للعلاج. وقتها، كنت في زيارة إلى العاصمة الليبية أجريت خلالها حواراً طويلاً مع الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي من أجل نشره في «السفير»، وكان طلال سلمان معي. وقبل أن نبرح طرابلس، وصل ياسر عرفات إليها ومعه سرب من القادة الذين نعرفهم، فتوجهنا إلى زيارتهم. وهناك وقعنا على حواتمه. كنا في القصر الذي أنزل فيه عرفات والقادمون معه، وكان هذا هو القصر المخصص لإقامة وليّ العهد قبل سقوط النظام الملكي. وقد جاء حواتمة إلى طرابلس الغرب بعد أن وعده أبو إياد بتدبير لقاء له مع القذافي. يومها، طلب أبو النوف أن يختلي بي وبطلال. فضمتنا حجرة فخمة هي تلك التي كانت مخصصة لنوم زوجة وليّ العهد. وأفاض محدثنا في عرض ما أنجزه خلال محادثاته المتواترة مع السوفييت، ثم بلغ الذروة حين قال إنه أقنعهم بما عجز أصدقاؤهم العرب جميعهم عند إقناعهم به فسلم السوفييت بضرورة العمل على إزالة إسرائيل من الوجود. ولك أن تعرف أني كنت يومها فظاً في إنزال نايف عن الشجرة التي قال إنه أصعد السوفييت إليها، وقد رددت على ادعائه بما حمله على التراجع عنه فوراً: «لم يقولوا صراحة إنهم اقتنعوا، لكن حديثهم معنا اشتمل على هذا المعنى». وإذن، فإن السوفييت الذين أقنعهم حواتمة بضرورة إزالة إسرائيل كانوا هم هذه المرافقة ومن على شاكلتها. ولم تدرك فالنتينا وهي تتوخى السرية عني بحديثها أنها إنما تنكأ جروحي في وقت خصص لي من أجل أن أنسى أي جروح. استغرقت رحلتي الأولى إلى الاتحاد السوفييتي هذه تسعة أسابيع. ولأني قضيت معظم الوقت في المعهد أو المصح، لم أر من معالم البلاد إلا أقلّ من القليل. بالرغم من هذا، لقيت مواطنين من مختلف المستويات ومقيمين. وتأملت في ما أمكن أن أعاينه. وأضفت الحصيلة إلى الكثير الذي أعرفه من قبل. وكوّنت جملة من الانطباعات. لقد كنت شديد الاهتمام ببلد الاشتراكية الأول هذا، ولك أن تعرف أن انطباعاتي عنه ضمت الإيجابي والسلبي وتماوجت فيها الألوان والأطياف. رجعت إلى دمشق وقد تحسن مظهري تحسناً ملحوظاً، استقامت القامة، ولانت الحركة، وبدا لمن لا يعرف طبيعة دائي أني شفيت منه وخلقت خلقاً جديداً. وقد حرصتُ على دوام هذا التحسن. فصرت أُؤدي التمارين الرياضية، وأتوخى تجنب الإفراط في الجهد وتجنب التوتر. غير أن هذا الحرص راح يهن بمضيّ الأيام؛ أوهنته متاعب العمل في الدائرة، وهموم الحرب الأهلية في لبنان وما اقترن بها مما يستفز أمتن الأعصاب، واضطراري إلى التنقل باستمرار بين دمشق وبيروت والأسفار البعيدة، وازدياد مساهماتي في الكتابة، وبوادر الأزمة التي انتهت إلى صدام بالسلاح بين المقاومة الفلسطينية والقوات السورية في لبنان، وما إلى ذلك مما يصعب استحضاره الآن كله. احتملت العمل مع عبد المحسن أبو ميزر سنة، وزيادة، عانيت خلالها أمرّ ما تعرضت له مع رئيس عمل. وعندما بلغ ضيقي حداً لا حدّ فوقه، ذهبت إلى عرفات وشكوت: «عملت مع هذا الرجل بأمر منك، وسأفترض أنها كانت عقوبة، أفليس لكل عقوبة أوان تتوقف عنده !». وصمت عرفات، وكان معنى هذا أنه يحبذ استمراري في أداء المهمة، لكنه لا يرغمني على الاستمرار إرغاماً. وما أن وفر لي عبد المحسن ذاته أول فرصة للانفلات من ضيقي حتى اغتنمتها. ولهذه الفرصة حكاية يجدر بي أن أرويها لك، ففيها أيضاً ما يدلّك على حالنا. كنّا في العام 1976. وعندما حان وقت الاحتفال بيوم الأرض الفلسطيني، تقرر تنظيم مهرجان خطابي في مخيم اليرموك. ولما كانت الأزمة بين «م. ت. ف.» وبين سوريا في إبّان تعقيداتها، فقد تشدد المسئولون السوريون في مراقبة النشاطات الفلسطينية. وشاء الفلسطينيون أن يجعلوا المهرجان مرآة تعكس وحدتهم فأعدّوا قائمة خطباء تضم ممثلي فصائلهم كافة. وكان الشيوعي عربي عواد واحداً من هؤلاء. وهذا ما ساء عبد المحسن لأنه يعدّ زميله المبعد هذا منافساً خطيراً له. واستثمر المستاء سوء العلاقات بين حزب عربي عواد وبين حزب البعث الحاكم في سوريا، ولم يترك أحداً ممن يعنيهم الأمر إلا ذهب إليه وحرضه ضد عربي، إلى أن حذف اسم الخطيب الشيوعي من القائمة. وقد وصل عربي إلى دمشق قادماً من بيروت غير عارف بما جرى، وجاء إلى مكتبي فعرفه منّي. وأُبلغ إلى عبد المحسن أن عربي موجود عندي، فاقتحم مكتبي وبادر زميله حتى قبل التحية: «لماذا شطبوا اسمك من قائمة الخطباء ؟». ولم أحتمل، أنا العارف بما فعله مدعي البراءة هذا هذه الخساسة، فتدخلت مخاطباً إياه: «لم يعرف عربي، بعد دورك، الآن في حضورك، عليه أن يعرف أنك أنت السبب». ثم توجهت إلى عربي وشرحت له : «قال زميلك هذا للفتحاويين إن عربي سيهاجمهم في خطابه، وقال للسوريين إنه سيحرض الجمهور عليهم، وأمضى أمس ساعة كاملة مع عبد الله الأحمر الأمين العام المساعد لحزب البعث ولم يغادر مكتبه إلا بعد أن صدر قرار منعك من الخطابة».ثار عبد المحسن وزعق في وجهي: «كيف تقول هذا وأنت موظف عندي». وكان في هذه الزعقة ما يكفي لينفجر مخزوني، فرميت الزاعق بما أخرجه الانفجار من شتائم، ثم رميته باستقالتي. ولك أن تعرف أن علاقتي مع هذا الإنسان انتظمت من جديد بعد أن وافق على استقالتي. سعد عبد الله الحوراني بتحرري من العمل الذي يعرف كم أضيق به، وكان عبد الله لا يحبّ عبد المحسن كما كان، مثلي، يضيق بدسائسه. وعرض عبد الله عليّ العمل في دائرة الإعلام والتوجيه القومي التي كان هو مديرها العام وكان ياسر عبد ربه رئيسها، وما أسهل ما وافق الياسران: ياسر عبد ربه وياسر عرفات، وباشرت عملي الجديد. وفي أواخر الصيف، صيف 1976، سافرت إلى موسكو مرة ثانية وتسلمتني من جديد عناية إيدا بافلوفنا وخبرتها، شهر في المعهد، وثلاثة أسابيع في سوتشي، في مصح انتقيته أنا بعد التشاور مع سعيد وسعدت بإقامتي فيه، ومسودة فصول أخرى من روايتي «بير الشوم». وحين أوجزت ايدا بافلوفنا النتائج، تكرر التحذير، بل تحول إلى إنذار: «ما دمت متشبثاً بخط حياتك هذا فأنت تجعلنا عاجزين عن مساعدتك بما يوقف نمو المرض. وعليّ أن أنبهك، فقد يقع المحذور في أي لحظة، وعليك أن تعرف أنه يجيء دون إنذار مسبق !». أرعبني الإنذار. وزادت نبرة سعيد الذي ترجمه من رعبي. ليس الموت هو ما أخشاه. أما ما أخشاه فهو الشلل الذي تخوفني الطبيبة من احتمال تعرضي له حين لا يكون الموت. وما أخشاه في الشلل، أكثر ما أخشاه، هو الوضع الذي يسبب إزعاجاً متصلاً للمحيطين بي ويجعلني عالة عليهم. وقد أنبتت الخشية فكرة : «لماذا لا أنتقل إلى مكتب «م. ت. ف.» الذي افتتح مؤخراً في موسكو فأحظى بدورات علاج منتظمة وأجد وقتاً أوفر للكتابة المتروية، كتابة الروايات مثلاً، وأبتعد عن مسببات الإجهاد والتوتر. وكما يقع حين تعزز الهواجس فكرة فتسيطر عليك، أقنعت نفسي بأن فكرتي سديدة: بضع سنوات في موسكو، أربع سنوات أو خمس، أمكّن الأطباء من السيطرة على المرض المعاند وأنجز بضع روايات، وكل هذا دون أن أصير قاعداً عن العمل أو تنقطع صلتي بالشأن العام. بينت لعرفات دوافع رغبتي الجديدة. ولم يكن من شأن هذا الرجل أن يرفض طلباً لأيما أحد حين تمليه الحاجة إلى العلاج، لكنه حذّرني : «إذا أعدت هناك سيرتك التي تحياها هنا فلن تحصل على أي فائدة». وقد نصحني من وقع قرار تعييني نائباً لمدير مكتب موسكو بأن أركز همي كلّه على العلاج وابتعد عن الهم اليومي: «العمل في موسكو ليس أريح من عملك هنا، فاهتمّ بصحتك، وحدها، إلى أن تشفى !». ولكم ندمت لأني لم أتبع هذه النصيحة ! ذهبت إلى موسكو فلم أنهمك في العمل وحده، بل أحاطت بي أيضاً دسائس مدير مكتبنا فيها وغلاظات البيروقراطيين من السوفييت. وصار علي إما أن أرضخ للغباوة والفساد وأوْجه السلوك الشاذة فيفتك بي ألم الرضوخ، وإما أن أواجه مدير المكتب والذين يحمونه من بيروقراطيي السوفييت وفاسديهم فتفتك بي توترات المواجهة. وقد أمضيت في هذا الحال سنة وبضع سنة، لم تتوفر لي فرصة العلاج، ولا فرصة الكتابة، ولا الهدوء. لن أذكر لك اسم مدير المكتب، فهذا رجل رحل عن دنيانا منذ زمن ونسيه كثيرون. لكن، لك أن تعرف أن الرجل كان قبل أن أعمل معه من أعزّ أصدقائي وكان وجوده على رأس المكتب بين الأسباب التي شجعتني على التوجه إلى موسكو لأكتشف أن مقالب الظروف قد تقلبُ طباع الناس رأساً على عقب، وهو ما جرى للصديق الذي كان فارساً وانقلب إلى إمّعة وكان أنظف من عرفت يداً فصار لا يستحي حتى من إشهار الفساد. ومنذ وصولي، منذ اللحظة الأولى، تحول الصديق القديم الذي طالما تقاسمت وإياه السراء والضرّاء إلى عدو لا يتورع عن استخدام أي وسيلة لإيذائي. هل ساء هذا الصديق القديم أن أصير بجانبه فأعرف كيف انقلب حاله، أم خشي ما يعرفه عن دقة ملاحظتي فخشي أن أفضح ما يستره من شئونه، أم خشي أن يكون له نائب يراه هو ويراه كثيرون غيره أكفأ منه فيظهر قصوره. أغلب ظني أن هذه الأسباب كلها وكثيراً غيرها هي التي حولّت صديقي إلى خصم. أما البيرقراطيون من السوفييت فقد ساندوا هذا الرجل قبل أن انضم أنا إليه ووقفوا معه حين خاصمني. هؤلاء صدمتهم صراحتي وإصراري على اتباع ما يمليه فهمي أنا لطبيعة العلاقات السوفييتية الفلسطينية وليس فهمهم القاصر والجامد والمبطن بشوفينية الدولة العظمى التي يدعون هم إدعاءً أنهم من أممييها. وها أنا ذا أتذكر وقائع آخر لقاءاتي مع الذي سأسميه هنا: د. الذي هو الحرف الأول من اسم من كان من المسئولين الكبار في اللجنة السوفييتية للتضامن الآسيوي الأفريقي التي تمر علاقات «م. ت. ف.» بالمؤسسات السوفييتية عبرها. وكان د. هذا، ضابطاً في الـ ك. ج. ب. وهو ممثلها في قيادة اللجنة. التقيت الرجل الذي طالما اصطدمت معه بعد وساطات كثيرة أفضت إلى الاتفاق على اللقاء حتى نناقش المشاكل الناشئة بيننا. وكانت هذه جميعها مشاكل ناجمة من اختلاف إجابتنا على هذا السؤال: هل ينشط مكتب «م. ت. ف.» وفق الحاجات الفلسطينية أم وفق تصور رجل الأمن البيروقراطي هذا لهذه الحاجات ؟. هل ندير حديثاً رسمياً أم نتحدث كما يتحدث الأصدقاء ؟ بدأت كلامي بهذا السؤال. ولما أبدى د. رغبته في الصداقة، قلت متعمداً أن أبلغ بموقفي منتهى الوضوح : «في هذه الحالة، علي أن أقول لك إني مؤمن بأن الاتحاد السوفييتي هو طليعة القوى الثورية العالمية. لكن هذا لا يعني، عندي، أن يصير أي سوفييتي، بالضرورة، طليعة لي، أنا شخصياً». هذه العبارات استمع إليها د. وظل صامتاً، فأكملت: «آمل في أنك توافقني. وعليك بعد هذا أن تقر بأني أفهم في شئوننا الفلسطينية أعمق وأكثر مما تفهم أنت ومن حقي، إذن، أن أنشط وفق فهمي، ومن واجبك أن تساعدني، لا أن تحدد لي شكل سلوكي»، وفي رده علي، قال د. إنه سيتحدث هو الآخر بصراحة، وقد فعل، فبيّن أنه يرى فيّ رجلاً مثيراً للمتاعب ووجودي في مكتب «م. ت. ف.» في موسكو لا يريحه. وقال د. إنه متفاهم مع مدير المكتب أتمّ التفاهم وهو مرتاح إلى سلوكه ومستاء من اعتراضاتي عليه. عندها، استعدت أنا السبب الذي أوقع آخر صدام بيني وبين المدير. فقد كتب هذا المدير مقالاً نشرته جريدة «أنباء موسكو» باللغات الأربع التي تصدر بها وفيه تأكيد من الرجل على أن البقرة في الكولخوز السوفييتي تدر من الحليب أكثر مما تدر أي بقرة في أي مكان في العالم. وذكّرت د. بأنه هو الذي نظم زيارة المدير إلى الكولخوز، وقلت إني لا أستبعد أن يكون هو من نصح مديرنا بكتابة المقال، فما الذي حصلنا عليه: أدرجنا ممثل «م. ت. ف.» في عداد المنافقين الرخيصين. واستحضرت واقعة أخرى أوسع دلالة. فعندما قام الرئيس المصري أنور السادات بزيارته الأولى الشهيرة إلى إسرائيل، قرر الطلاب الفلسطينيون والعرب الآخرون في موسكو تنظيم مظاهرة احتجاج تتجه إلى السفارة المصرية. كان سخط الطلاب شديداً، وكانت موسكو ضدّ الزيارة، فاستخلص هؤلاء أن السلطات تبيح لهم التظاهر دون عراقيل. غير أن د. قدّم إلى سلطات بلده تقريراً يقول فيه إن الطلاب الفلسطينيين يعتزمون إحراق السفارة واستعان بمدير مكتبنا فأيد هذا تقريره. فصدر قرار السلطات بمنع المظاهرة. ولكن الطلاب قرروا التحدّي. ونشأت مشكلة. وقد أيّدت أنا يومها حق الطلاب في التظاهر، واختلفت مع د. في تقديره لسلوك طلابنا المرتقب، فعدني من المحرضين. وإزاء إصرار الطلاب على خرق الحظر، تدخل زميلي في المكتب، الفتحاوي حكمت زيد وضممت أنا جهودي إلى جهوده، لدى الطلاب ولدى السلطات. وانتهى الأمر بأن أخذ الطرفان باقتراح بلورناه، حكمت وأنا، بعد أن تشاورنا مع زعماء الطلاب: أن تنطلق المظاهرة كما خطط لها وتصل إلى أول الشارع الذي تقوم السفارة فيه دون أن تبلغ مبنى السفارة، وأن يقدم وفد منتقى من الطلاب احتجاجهم إلى السفير المصري. وتم كل شيء، بنظام، وهدوء، تماماً كما توقعت، وخلافاً لما توقعه د. ومدير المكتب. وبدل أن أتلقّى أنا أو حكمت شكر أي من هذين الاثنين، زاد سخطهما علينا، واشتدت ريبتهما حول طبيعة علاقتنا بطلابنا. واستحضرت وقائع أخرى من هذا القبيل مما اختلفنا بشأنه ثم اتضح أني أنا الذي كان على صواب. وظننت أني أفحمت د. بل صرت على وشك أن أطالبه بالاعتذار عن إساءاته لي. لكن هيهات ! فرجل الأمن البيروقراطي لم يلن، بل قدّم قراءة مختلفة لسلوك مدير المكتب ثم ختم كلامه بإبلاغ حاسم: «هذا كلّه درسناه واستخلصنا أن المدير غير قادر على التفاهم مع معاونيه الفلسطينيين، وسنعمل على أن يبقى هو وحده في المكتب، وسنزوده بمعاونين سوفييت لا يتعبونه مثلكم». كان د. صريحاً. إذن، كما وعد ، لكن أي صراحة ! لقد صدمت صدمة لم أبرأ منها لزمن طويل. وقلت للسوفييتي: «إنكم تطردونني»، ووجدتني مدفوعاً إلى أن أضيف «تظن أن هذا سيجعلني انقلب إلى عدوّ للاتحاد السوفييتي فيتسنى لك أن تزعم أنك كنت على حق حين عملت على طردي. لن تتوفر لك هذه المتعة. فأنا أؤيد الاتحاد السوفييتي من موقع الوطني الفلسطيني التقدمي ولست أنوي أن أبدل هذا الموقع، ولن أبدّله لأن بيروقراطيين ضيقي الأفق أساؤوا إليّ». ومن هذا اللقاء، خففت إلى الهاتف وناشدت ياسر عرفات أن يحررني بأعجل ما يمكن، وتلقيت وعده. غير أن قرار الطرد سبق قرار عرفات بنقلي. وبعد أن أُخرجت من موسكو، صدر قرار البيروقراطية بوضع اسمي في القائمة السوداء، قائمة الممنوعين من دخول البلد التي ظللت طيلة عمري أدافع عن سياسته وأدعو إلى تمتين العلاقات معه. لم يكن هذا جزاء سنمار، ذلك أنه لم يفقدني حياتي كما فقد سنمار حياته. إلا أن معاملتي على هذا النحو كانت موجعة لي. غادرت موسكو في صيف 1978 خائب الرجاء مكلوم الروح مثقلاً بهمّ لم أكابد مثله من قبل. توخيت حين قررت الانتقال إلى عاصمة السوفييت أن أظفر بعلاج وافٍ للداء الذي تعذبني آلامه، فلم أظفر حتى بما كنت أحصل عليه كلما جئت زائراً. وظننت أني أبتعد عن التوتر فوجدتني محاطاً بما يوتر أعتى الصابرين. وهكذا، نأيت عن المركز الفلسطيني ومتع معامعه الكبيرة وخبراته ولم أظفر وأنا ناء عنه إلا بالمتاعب والغرق في صغائر المماحكات. ولا أظن أني أخطئ إن قلت لك إن تلك التجربة كانت أمرّ تجارب حياتي السياسية. ولم يكن غريباً أن أستخلص العبر. ولك أن تعرف أني واحد من الذين قد لا يحفزهم النجاح على إعادة التفكير، أما الفشل فما أشدّ ما يحفز ! في هذه الأثناء، اشتدت وطأة الحرب الأهلية في لبنان وزاد غرق الفلسطينيين في وحولها وتنوع تأثيرها على أوضاعهم ومصائرهم. حدثتك عن بدايات التواجد العسكري الفلسطيني في جنوب لبنان وتمدده إلى مخيمات اللاجئين والمدن. وهذه عملية لم تمض بغير متاعب مع السلطات اللبنانية. غير أن شعبية العمل الفدائي الفلسطيني في لبنان كما في محيطه فرضت على هذه السلطات أن تبتلع الحقائق الناشئة على أرض بلدها. ولأن المبلوع لم يكن مستساغاً، فقد ظلت الصدامات تتواتر بين الفصائل المسلحة وبين جيش السلطة فتتدخل جهات لبنانية وأخرى عربية مؤيدة للمقاومة الفلسطينية ومؤمنة بحقها في العمل على أرض لبنان فتنعقد تسوية ويبرم اتفاق. وفي العام 1969، وقع الطرفان أشهر هذه الاتفاقات، وهو اتفاق القاهرة الذي تم التوصل إليه برعاية فعالة من الرئيس جمال عبد الناصر وضغطه، فحصلت المقاومة على حق التواجد المسلح في البلد. وكان هذا تواجداً مقروناً بشروط كثيرة بينها الاتفاق. إلا أن ضغط الواقع وتعاظم التأييد للعمل الفدائي كانا أقوى من أي شرط. وفي مايو 1973، وقع اتفاق ملكارت، ثم تلته اتفاقات أخرى، وظل ضغط الواقع لصالح المقاومة هو الأقوى. وكان هذا الواقع يفرض توسعاً مضطرداً في الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان بموازاة التوسع المضطرد هو الآخر للوجود السياسي والإعلامي والمالي. وظل الأمر كذلك إلى أن انفجرت الحرب الأهلية في إبريل 1975 وانهمك الفلسطينيون فيها طرفاً متحالفاً مع فرقاء لبنانيين ضد فرقاء لبنانيين آخرين.لن أحدثك عن هذه الحرب. أو قل إني لن أعيد عليك حديثها. فأنت الفلسطيني المولود بعد 1948، أي بعد عام النكبة، قد كنت من شهود الحرب التي عصفت بكل شيء في البلد الجميل وأوقعت خسائر وضحايا لم يسبق لها مثيل في أي حرب، وربما كنت أنت نفسك من المشتركين فيها. وقد يكفي أن تعرف أني رأيت في الحرب الأهلية في لبنان ما يذكر بما جرى في الأردن أو يكرره. ولئن وجد من قال إن وقائع التاريخ تتكرر مرتين واحدة في صورة مأساة وأخرى في صورة ملهاة فقد كان التكرار في لبنان مأساة أوجع من مأساة الأردن. فهنا، في لبنان، دُفع الفلسطينيون إلى معركة ليست هي معركتهم الأصلية، وكثيراً ما انهمكوا في القتال من أجل مكاسب ليست هي أهم ما ينبغي أن يقاتلوا من أجله. وقد تضاعفت السلبيات خلال هذه الحرب، تماماً كما تضاعفت الإيجابيات. وانفتحت للفساد والممارسات الشاذة أبواب لم يوجد في الأردن مثلها، تماماً كما أن الجهد الذي بذل لمقاومة السلبيات اشتد.وهنا، أيضاً كما كان عليه أمري إبّان أحداث الأردن، صار علي أن أتابع الأحداث منتقداً السلبيات، بل متشدداً في الانتقاد، دون أن أنوه بشأن موقعي. فأمر موقعي في أي أحداث ينهمك فيها ربعي كنت قد حسمته منذ زمن طويل. وأنا كما سبق أن قلت لك، ابن الخندق الفلسطيني، أقول هذا وأكرره، أظل مع ناسه، ضعفاء كانوا أو أقوياء، راشدين أو تائهين، خاسرين أو ظافرين. وقد بقي قراري كما كان دوماً: لن أغادر خندقي لأي سبب من الأسباب. وإلى أن تمكنتُ من الظفر بالعمل في مركز الأبحاث وانتقلت إلى بيروت وأقمت فيها مع صغيراتي، انقضت قرابة سنة. في هذه السنة، اشتدت حاجتي إلى السفر إلى لبنان. غير أن الحاجة إلى رعاية الصغيرات أوجبت أن تكون سفراتي قصيرة. وغالباً ما كنت أغادر دمشق في الصباح الباكر وأرجع في مساء اليوم ذاته أو صباح اليوم التالي على أبعد تقدير. وكان هذا يتكرر مرة أو اثنتين كل أسبوع، فيرهقني ويؤجج آلام الظهر ويقصر وقت انصرافي إلى الكتابة. وقد حاولت أن أهتدي إلى وضع أوائم فيه بين واجباتي المتعددة فلم أهتد إلى مثل هذا الوضع وظل يعنيني هذا التوزع بين دمشق وبيروت، بين أعمال المنزل، وواجبات المكتب، والكتابة. فشددت مساعي إلى الانتقال إلى مركز الأبحاث وبيروت. وصار الانتقال إلى بلد الحرب الأهلية مطلباً ينطوي على نشدان الاستقرار، فأي مفارقة !في هذا الوقت، بدا أن الدائرة التي ارتسمت بدايتها مع أول الفرق والتي قدر لي أن أعيش في كنفها سنين عديدة قد صارت على وشك أن تبلغ نهايتها. أعيدك إلى حديث جدّي عبد المجيد، هذا الذي قد أشرّق أو أغرّب وأنحدر أو أصعد ولا أنساه. بدأت الإشارة إلى النهاية وأنا في موسكو. حمل الهاتف إليّ نبأ إصابة جدّي بجلطة دماغية. أبلغ خالي نافذ النبأ إليّ في صورة مخففة. وبعد شهرين أو ثلاثة، عندما رجعت إلى دمشق، خففتُ إلى زيارة الجد. فاكتشفت أن المشرف على الثمانين طريح الفراش، مشلول، تتناوبه أوقات يغيب فيها وعيه أو يفقد الذاكرة. وقال خالي همام، وهو من غدا طبيباً من أبرع الأطباء: «تصلب الشرايين، ونقص تروية الدماغ بالدم، وهذا الشلل». ولك أن تتصور ما داهمني من مشاعر وأنا أعاين حالة جدي مفاجأ بها. فهذا رجل مدّ نشاطاته على امتداد ثمانية وسبعين عاماً وملأ بها أجواءنا قبل الهجرة من فلسطين وبعدها، لم يكلّ ولم تقعده لا المصاعب ولا المصائب، وها هو ذا قد انحصر وجوده في سرير صغير لا يبرحه، في حجرة صغيرة، في شقة صغيرة، وغدا عاجزاً عن النهوض. وحين بحثت عند هشام عن أمل أتحايل به على هواجسي، قال خالي الذي يشرف على علاج أبيه: «المنجّي هو الله وحده». وعند خالي المتدين، عنت هذه أن أترقب النهاية وأعدّ نفسي للفاجعة. في الأسرة، اتفقوا بعد عودتي إلى دمشق على أن الوقت حان لإبلاغ النبأ إلى أمّي في غزّة وحثّها على المجيء لترى أباها المريض. وأدركت أمي المتمرسة بالمصائب مغزى الدعوة الطارئة، فجاءت بأعجل ما أباحت إجراءات الاحتلال. واضطرت أمي إلى أن تجعل زيارتها قصيرة، فزوجها المريض هو الآخر محتاج إلى رعايتها ولا بدّ من أن ترجع إليه بأعجل ما تستطيع. ففي غزّة، حل بزوج أمي الذي هو صديق جدّي ومجامله ما حل بالجد في دمشق؛ هدّه رهق الحياة المضطربة وداهمه ما أقعده في الفراش. بقيت أمي بيننا أسبوعاً أمضت معظم وقته قرب الجدّ. لم تحتج المرأة الفطنة إلى ما يبين لها أن هذا سيكون لقاءها الأخير بأبيها. ولم تكن أمي، هي التي تناوبتها المصائب الخاصة والعامة، ممن قد تهدهم مصيبة جديدة. غير أن تأثر المضطرة إلى المفارقة بحال أبيها كان عميقاً، وكذلك كان أساها، وهذا ما كاشفتني به دون مواربة: «لا يعرف الإنسان متى يأخذ الله أمانته، ولكن أبي مصابحٌ مماسٍ، وعلي أنا أن أرجع إلى غزّة فما من هذا بد ويحزّ في نفسي أن يموت أبي ولا أشهد عزاءه». بعد سفر أمي، سيطرت على جدّي رغبة راح يكرر الإفصاح عنها بإلحاح لا يلين: «أريد أن أرى المسمية قبل أن أموت». وفي البداية، لم يول أي منا هذا المطلب اهتماماً خاصاً، فقد عددناه من ملموسات المرض. غير أن الجدّ أقدم على شيء خطير فأرغم الجميع على الاهتمام برغبته الطاغية. فذات صباح، غافل الجدّ زوجته المنشغلة بشئون المطبخ، وانحدر عن سريره، وزحف باتجاه باب الشقة، وعبر الباب وتابع زحفه ناحية درج المبنى، وذلك، كما قال هو وهو يقرعنا، كي يذهب بالرغم منا إلى فلسطين ويتوجه إلى مسميته التي نحظر نحن عليه الذهاب إليها. كان من حسن الحظ أن أحداً ما أدرك الجدّ قبل أن يتحطم جسده على الدرج الحجري. لكن المغامرة التي شرع فيها ونجاحه في تحدّي قيود المرض أججا رغبة جدي في العودة إلى مسقط رأسه ومهوى فؤاده وزادا إلحاحه، حتى لكأن رغبات حياته جميعها قد تكثفت في هذه الرغبة: «أريد أن أرى المسمية قبل أن أموت». ولم تنفع أي شروح، فالرغبة صارت هاجساً: «أريد أن أرى المسمية قبل أن أموت»، وصارت العبارة تتكرر في أي فترة صحو بين إغماءتين، وتظهر كم يتعذب المريض. وصار لا بد من عمل شيء ما لإطفاء الهاجس المعذّب. وتذكر خالي عمر قرية حرّان العواميد التي تقع على طرف غوطة دمشق الشرقية في البرّ الذي يلي بساتين الغوطة، وكانت هذه قرية تبدو للناظر إليها من بعيد كأنها المسمية. وحمل أخوالي الكبار أباهم في سيارة أخذتهم إلى محيط حران العواميد. وفي مكان ترى منه القرية، أشار هؤلاء إليها وقالوا لأبيهم: «بإمكانك أن ترى !». ولما بدا أن الحيلة جازت على المريض، قال أخوالي: «لا نستطيع أن ندخل المسمية لأن الإسرائيليين يحتلونها». ولئن لم يعد جدي إلى المسمية لا في واقع الأمر ولا في الوهم، فقد رحل عن دنيانا وهو مؤمن بحقه في العودة إليها واثق من أن البلاد تظل لأهلها وليس للغرباء وسيعود أهل البلاد إلى بلادهم ذات يوم لا محالة. أقفلت الدائرة صباح الثالث والعشرين من أكتوبر 1978. وقتها كنت في طريقي إلى بيروت عاصمة الحرب والفواجع، وما أن بلغتها حتى أرجعني إلى دمشق هاتف ملحاح، فجئت مباشرة إلى حيث احتشد الناس أمام بناية القاري في زقاق مكتب عنبر.سرت مع أخوالي في مقدمة الجنازة كما تتوجب التقاليد. تعاقدت أذرعنا ووحّدت فاجعة فقد رب الأسرة مشاعرنا وسرنا خلف نعشه صامتين. وأُخذ الجثمان إلى الجامع الأموي، إلى المكان الذي ألفه الجدّ وأحبّه. وحضرت الذكريات، ففي كل متر مربع في الجامع ثمة ذكرى ما، تخصني، ولكم صحبت جدي إلى هذا المكان وأنا طفل ! وقد صُلي على جثمان جدي في الركن من الجامع الذي ألف هو على مدى ثلاثين سنة أن يعقد فيه مجلسه اليومي ويؤدي الصلوات، فما أكثر ما حضرني من ذكريات هذا المجلس ! وما أشدّ الأسى الذي جلّل وجوه شركاء المجلس الذين شهدوا صلاة الوداع، هذه ! ومن الجامع في الاتجاه إلى مقبرة الدحداح، عبرنا شبكة الأزقة الطافحة بعبق التاريخ وثقل الحاضر. فكل من يسكن بيتاً في هذه الأزقة أو يشغل حانوتاً يعرف الجد، يعرفه ذوو الشأن كما يعرفه العوام، كبار الأغنياء وصغار الكسبة، العاملون والعاطلون عن العمل. ولم يصعب على أحد من هؤلاء أن يتعرف على صاحب الجثمان المسجّى في النعش المقفل. ومن الذي لن يعرفه حين يرانا، نحن أبناءه كلنا، ونحن نتقدم الجنازة. وكانت التعليقات المتأسية تتوالى : «الله يرحمك يا أبا نافذ، عشت وخلفت !». وفي مقبرة الدحداح، في المكان الذي أعرفه معرفة تامة منذ عشت بجواره مع الأسرة قبل خمس وعشرين سنة وألفت أن أقرأ القرآن على أرواح الثاوين فيه وأظفر ببعض القروش، في هذا المكان، شهدت المشهد الأخير في مشوار جدي على سطح الأرض، ورأيت كيف أنزلوا جثمانه في حفرة القبر ثم واروه بترابها. دُفن جدّي، إذن في دمشق، وليس في المسمية كما تمنى طيلة عمره. لكنه إن لم يعد إلى المسمية فإن مكوثه منفياً عنها ثلاثين سنة لم يوهن توقه إلى العودة إليها ولم يزعزع إيمانه بحق العودة. وما أظن أن إيمان جدّي بحقه في العودة كان سيهن لو امتد أمد منفاه ثلاثين سنة أخرى. وما أكثر ما حدثنا الجد عن حياته في المسمية وأملاكه فيها حديث الواثق من أن هذا يخصه ولا أهمية بما فعله الغزاة. فالغزاة طارئون والبلاد تظل لأصحابها. وكم أوصى جدي أولاده وكرر الوصية بشأن الميراث الذي سيؤول إليهم من أملاكه في المسمية. من أعماق حزني، استخلصت مخزوني، وجلوته، وأعدت تثبيته في الذاكرة كأني خشيت أن يبرحها بعد أن رحل جدّي. وأنا أكتب هذه السطور الأخيرة بعد عقدين انقضيا منذ رحيل جدّي. ولقد شهدت في العقدين أحداثاً أخرى وعرفت ناساً أكثر فيما واصلت التطوح على دروب المنفى دون توقف أو خلاص. ولا شك في أن بإمكاني أن أروي لك الكثير زيادة على ما رويت. غير أني أخشى أن لا أضيف الى ما تعرفه جديداً. فقد كان كل ما شهدته أنا بعد العام 1978 استطراداً للمرحلة التي تبلورت منذ ذلك العام عندما توجه أغلب الفلسطينيين إلى القبول بالتسوية السياسية وصاغ المجلس الوطني مطلب إقامة دولتهم المستقلّة على أرض الضفة والقطاع. لقد أسمعتك جلّ ما عندي، وربما أكثره أهمية، فدعني أسمع منك بل دعني أرى مثلك أيضاً، وإذا لم يسعف العمر فليسمع منك وير الآتون بعدي ! والباقي من حكاية المنفى ما يزال، كما أراه طويلاً، تماماً كما كان المنقضي منها. ودروب المنفى التي تطوحت أنا عليها ما تزال ممتدة. ومن يدري فقد تتشعب أيضاً وينشأ من كل درب دروب جديدة. إن بقية الحكاية عندك. تأليف : فيصل حوراني