عداء الغرب للإسلام والمسلمين تزايد بصورة ملحوظة فى أعقاب أحداث سبتمبر التى شهدتها الولايات المتحدة الأميركية فى العام الماضى، ويؤكد بعض خبراء السياسة ان الغرب ينفذ الآن خطة قديمة ـ كانت حبيسة الأدراج ـ تستهدف القضاء على كل مقومات القوة فى العالم الإسلامى ولم يكن غريبا ان يعلن الرئيس بوش انه سيخوض حربا صليبية جديدة وهو بالفعل يخوض هذه الحرب ويواجه العالم الإسلامى دولة بعد أخرى. وهذا العداء تؤكده أيضا المصطلحات والمفاهيم التى تهيمن الآن على الخطاب الغربى مثل صراع الحضارات ونهاية التاريخ والقطب الأوحد والقوة الأعظم وتحقير الحضارات الآخرى والإدعاء ان الحضارة الغربية هى الحضارة الوحيدة فى العالم ولن تكون هناك حضارات بعدها بجانب محاولات الغرب المستمرة لفرض ثقافته وقيمه وتقاليده على دول العالم. ويتزايد حجم المخاطر التى يتعرض لها العالم الإسلامى فى ظل حالة الضعف والإسترخاء التى تخيم على البلاد الإسلامية فى مواجهة تلك التحديات مما يجعله فريسة سهلة للغرب. فى الحوار التالى مع الدكتور محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر نناقش تلك القضية ونتعرف على رؤيته لكيفية مواجهة العالم الإسلامى لتلك التحديات. ـ تلاحظون العداء الغربى غير المسبوق للإسلام والمسلمين الذى ظهر واضحا وبدون رتوش منذ أحداث سبتمبر التى شهدتها الولايات المتحدة الأميركية فلماذا كل هذا العداء؟ ـ فى الواقع القضية التى بين الشرق والغرب أو بين المسلمين من جهة وأوروبا وأميركا من جهة أخرى ترجع إلى ميزان القوة والضعف نحن نعلم ان القوة هى التى تحكم فى كل فترات التاريخ سواء كانت قوة خيرة أو شريرة فقد اقتضت حكمة الله ـ عز وجل ـ ان القوة هى التى تسود سواء كان هدفها خير الإنسانية أوغير ذلك وهذا أمر واضح فى التاريخ الذى يحكي الحضارات الإنسانية فى كثير من العصور والمشكلة فى صراع العرب مع اسرائيل والغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة أن هذه القضية لن تحل اطلاقا إلا اذا تعادل الميزان وقويت الكفة التى فيها الجانب العربى والقوة معروفة فهى فى كل فترات التاريخ اما عسكرية أو اقتصادية وفى العالم الذى نعيش فيه القوة لها جوانب متعددة قوة عسكرية وقوة السلاح وقوة العلم وقوة الحضارة وقوة الإقتصاد وهذه أمور تتحكم فى قوة الدولة أو ضعفها واعتقد انه لن تحل قضية فلسطين ولن تحل القضايا المعلقة بين العرب وغيرهم مطلقا سواء كانت تلك القضايا بينهم وبين اسرائيل او بينهم وبين الدول الأخرى إلا بالتقدم العلمى فى العلوم المختلفة فى صناعة الأسلحة وفى الكيمياء والبيولوجيا وفى كل المجالات وهذا مطلب جوهرى فى كل العصور فالمسلمون سادوا العالم فى العصور الأولى بأخذهم بأسباب القوة ولا يمكن لأية أمة ان تسود إلا بالقوة وليس غريبا فى هذا الصدد ان نجد القرآن الكريم يوصينا بإعداد القوة وكان من الممكن ان يتركنا الله ـ عز وجل ـ لإرادته ومساعدته لنا دون ان يطالبنا بأن نعد القوة لكنه أمرنا بإعداد هذه القوة يقول تعالى: واعدوا لهم ما استطعتم من قوة... فلابد من القوة والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اهتم بتوفير كل أسباب القوة فهو لم يحارب اطلاقا إلا وهو على أتم الإستعداد وهو يدرك ان امكاناته تساعده على خوض المعركة مع الأعداء ولو كان يعتقد أنه لن ينتصر لما اتخذ قرار الحرب وبالتالى القوة هى أس من أسس التفوق ان لم تكن هى الأس الوحيد واعتقد ان المشكلة لو حلت فى نطاق التقدم العلمى والتكنولوجى الذى يتفوق فيه الغرب فإنه يمكننا حل قضايانا أما أن نكون ضعفاء ونستجدى العالم ليحل لنا مشاكلنا فلن تحل تلك المشاكل فالعالم الآن وفى كل فترات التاريخ تحكمه المصالح فكل دولة لها مصلحة وهذا ما يجعل العالم صامتا ساكنا لا يتحرك من أجل إنهاء المأساة التى يعيشها الشعب الفلسطينى وكأن شيئا لا يحدث رغم انه لو كانت هناك معركة بين حيوانات يتفوق فيها الوحوش على غيرهم لتحرك العالم فما بالنا الآن ونحن نرى الوحوش الآدمية ممثلة فى الصهاينة وهى تنتهك كل الحرمات من سفك الدماء وانتهاك المقدسات وترتكب ما نتصوره وما لا نتصوره من وحشية وبربرية لا يمكن ان نتصورها إلا من تتار القرن العشرين ومع ذلك لا يحرك العالم ساكنا وكأنه يتفرج على تمثيلية مسلية وهذا يرجع إلى تعارض المصالح فكل دولة لها مصلحة متعلقة باميركا واسرائيل واميركا نفسها تجعل من اسرائيل ولاية من ولاياتها ويمكن ان تجعل منها قاعدة عسكرية تضرب من خلالها أية دولة من دول المنطقة ولذلك تعمل أميركا على حماية اسرائيل وتحرص على أن تكون أقوى دولة فى المنطقة رغم ان لأميركا مصالح لدى الدول العربية المحيطة بإسرائيل لكنها واثقة من ان الدول العربية لن تهدد المصالح الأميركية لأن المصلحة الأساسية تتمثل فى البترول والدول العربية تريد بيع البترول ولن يصل بها التقدم العلمى إلى درجة الإستغناء عن بيع البترول أو ان تصنعه وتبيعه فى صورة منتجات مختلفة لدول العالم. العلم ـ كيف نستطيع اذن مواجهة هذه التحديات فى ظل العداء الغربى والإنحياز الأميركى للصهاينة؟ ـ نطالب الدول الإسلامية ان تجعل العلم الأساس الأول لأية تنمية فى هذه الدول فكل طالب فى مدرسته أو كليته عليه ان يسعى للتفوق سواء فى الطب والهندسة والعلوم المختلفة فنحن لابد ان نتفوق فى كل المجالات للأسف نحن عالة على الغرب فى كثير مما نحتاج إليه حتى فى السلاح فالغرب لا يعطينا إلا الأسلحة القديمة التى لا تسمح لنا بتحقيق النصر على أعدائنا مشكلتنا الأساسية وتكاد تكون الوحيدة تتمثل فى التقدم العلمى والتقنى. ـ العالم الإسلامى يمتلك أسباب القوة ولا نستطيع ان نجرده من كل عوامل القوة الموجودة بحيازته لكنه لا يقوم بالحد الأدنى لنصرة اخوانه فى فلسطين أو غيرها ولا يبذل الحد الأدنى من الجهد لحل مشكلاته فما اسباب ذلك من وجهة نظركم؟ التقدم العلمى لا يحتاج إلى امكانيات فقط وانما يحتاج أيضا الى علماء وامكانات مادية وكثير من العلماء الموجودين فى العالم الإسلامى يبررون عدم تحقيق التقدم العلمى فى البلاد الإسلامية بغياب الإمكانات المادية رغم ان هذه الإمكانات موجودة لكن المشكلة ان الإمكانات المادية منفصلة عن التجارب العلمية نحن نتهم العلماء الماديين بالخمول وعدم النهوض لمواكبة العالم الغربى ـ هم يجعلون الماديات هى السبب ـ لذلك يمكن ان تقوم الدول الإسلامية ببناء قاعدة علمية مشتركة بحيث تقوم الدول الغنية بالتمويل والدول التى يوجد فيها علماء تساهم بتلك الخبرات والكوادر ولو أريد لقاعدة علمية أن تنشأ فسوف نجد الأساس الأول للعلماء الذين يمهدون لغيرهم تحقيق التفوق العلمى لكن لابد من دعم الدول الغنية ويجب ان تتكاتف الدول الإسلامية والعربية وان تجعل هذه القضية قضية مصير وان تتوحد جهودها العلمية فبعض الدول التى تفوقت فى مجال الذرة مثلا يمكن ان تساعد الدول الأخرى واذا كان المجتمع الدولى سوف يقاوم ويحاول منع ذلك إلا ان الدول التى تصر على تقوية نفسها لن تعبأ بمثل هذه المقاومة كما حدث بالنسبة لباكستان على سبيل المثال فهى لم تحصل على القوة النووية برضا الغرب ولابد من التكاتف العلمى والمادى الذى يسهم ويساعد فى التقدم العلمى فى العالم الإسلامى والعربى وبذلك يمكن ان نأمل فى يوم من الأيام ان نقف ندا للغرب أما فى الوقت الحاضر ونحن فى هذا المستوى من القوة بل من الضعف فإن الأمل ضعيف فى الحصول على الحد الأدنى من حقوقنا. الفاعلية ـ ما يدعو للدهشة انه رغم ضعف العالم الإسلامى وهيمنة الغرب عليه بل يستنزف الغرب موارد وامكانات البلاد الإسلامية وهذا كله لم يمنع وجود عداء من جانب الغرب للعالم الإسلامى فإذا كان الغرب يحصل على ما يريد فلماذا كل هذا العداء للمسلمين؟ ـ لو كان للدول الإسلامية فاعلية أو تستطيع الوقوف فى وجه المصالح الغربية لما كان الغرب يستطيع ألا يبالى بالدول الإسلامية والعربية فالغرب على يقين بأن مصالحه لن تمس او تهدد وبالتالى لا يأبه كثيرا بكراهية العرب والمسلمين للغرب عامة ولو شعر الغرب بوجود تهديد حقيقى لمصالحه لراجع نفسه ولغير من سياساته تجاه الدول العربية ولأصبحت سياساته على الأقل متوازنة بين اسرائيل والعرب فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. سيطرة الغرب الغرب أيضا هو الذى يطرح مفاهيم الصراع كالصراع بين الحضارات والثقافات فلماذا يفرض الغرب الصراع ويمنحه مساحة كبيرة على حساب الحوار والتفاهم والتعايش؟ ـ الغرب هو المسيطر ونحن لا نعيب على الغرب محاولته لفرض ثقافته وتطلعاته ومصالحه لأن كل دولة تنظر إلى مصالحها من منظورها الخاص فالغرب يعمل لمصلحته لكن مصلحته تتعارض مع مصالحنا كمسلمين وكعرب اذن العيب فينا نحن لأننا لا نعمل لمصلحتنا فوسيلة الحفاظ على المصالح هى القوة ونحن لسنا أقوياء والذين يتحملون المسئولية فى ذلك هم العلماء التجريبيون لأنهم قصروا بالفعل وهذا التقصير غير موجود بنفس الصورة فى المجالات الأخرى لأن الثقافة فى العالم العربى بألوانها المختلفة متقدمة وتكاد تكون الناحية الثقافية عندنا أرقى فى كثير من الحالات من العالم الغربى خاصة فى الجانب الإنسانى والعلوم الإجتماعية وكذلك فى الجانب التقنى الشرعى فالعالم الإسلامى لم يتأخر مطلقا فى الناحية العلمية الشرعية فجهود علماء المسلمين لم تتأخر حتى فى عصور الإنحطاط والتأخر فلم يتأخر الفكر الإسلامى فى تلك العصور وانما كان دائما يضيف جديدا فى كل عصر من العصور لكن المشكلة فى العلماء التجريبيين فهم مطالبون بالعمل على النهوض بأممهم ولابد ان تساعدهم الدول الغنية فى تجاربهم وتطلعاتهم إلى القوة والتفوق. القرار السياسى ـ رغم ان العالم الإسلامى يتبنى فكرة الحوار بين الأديان والحضارات والثقافات إلا ان هذا الحوار ثبت فشله خاصة فى تلك الفترة العصيبة التى نمر بها فهل تعتقدون ان للحوار أدنى فاعلية فى الوقت الحاضر؟ ـ القضايا التى يناقشها المثقفون لا يكون لها تأثير فى القرار السياسى فحوار الحضارات عقدت بشأنه الكثير من اللقاءات والندوات وتناولته وسائل الإعلام وهناك كتابات كثيرة فى الصحافة حول هذا النشاط ،رغم أهميته فهو قاصر على طبقة المثقفين وهؤلاء لا يملكون التأثير فى القرار لأن القرار السياسى فى الدول عامة يعتمد على مستشارين سياسيين أما المثقفون والمفكرون فنشاطهم أقرب إلى المثل العليا لكن لا تأثير له فى الغالب واذا كان الحكام يتأثرون بالرأى العام إلا ان التأثير ضعيف فى هذه الناحية ورغم الحوارات التى تمت بين المسلمين وغيرهم فيما يعرف بحوار الحضارات لكن ليس لذلك كله تأثير على الاطلاق ولم يغير شيئا. تعسف مرفوض ـ الغرب يؤمن بأن المسلمين يريدون ان يحصلوا منه على التقدم التكنولوجى أما الجوانب الثقافية وانماط الحياة الغربية فيرفضونها فى حين يريد الغرب ان ننقل حضارته بكل ما فيها حتى نتحول إلى نسخة مكررة له وهذا أحد أسباب كراهية الغرب للمسلمين فما ردكم على ذلك؟ ـ هذا تعسف مرفوض لأن الحضارات تتلاقى ويأخذ كل من الآخر ما يتفق مع بيئته وطبيعة الناس الذين يعيشون فى تلك المنطقة بما فى ذلك التقاليد والأعراف والموروثات ومن أهم الموروثات عندنا الدين ولا نتصور اطلاقا ان نأخذ من الغرب ثقافته فى شتى مناحى الحياة لأن بعض هذه الجوانب تتصادم مع ثوابتنا الدينية ومع قيمنا وعاداتنا وأعرافنا وأحكام الشريعة التى ندين بها ولا يمكن ان نتخيل ان الثقافة الغربية بكل مجالاتها يمكن ان تسود عندنا وهى تسمح بالشذوذ والتزاوج بين أبناء الجنس الواحد فهذه أمور مرفوضة عندنا بشدة لكنها فى دول الغرب تنظمها قوانين ومثل هذه الثقافات غير ملائمة لنا بالطبع. المقاومة ـ ما الذى يدفع الغرب للإصرار على ان يفرض علينا كل المنظومة الغربية بحلوها ومرها؟ ـ من مصلحة كل دولة تؤمن بأعراف وقيم وتقاليد أن تسود هذه التقاليد وأن تنتشر ثقافتها فى دول العالم وعلى مدار التاريخ كل الدول التى نشأت حاولت ان تجعل ثقافتها هى السائدة فكل دولة تطمح ان تسود ثقافتها العالم وكل المجتمعات الأخرى وهذا ليس عيبا لكن المقاومة يجب ان تكون منا نحن فهذه الثقافة التى لا تتفق مع تراثنا وديننا وأعرافنا وتقاليدنا نرفضها ونقاومها لأن التبادل بين الحضارات يكون فيما يؤدى إلى التقدم والرقى فى أمور لا تتصادم مع الموروثات لكل مجتمع ولا مانع عندنا فى ان نستفيد من الحضارات الأخرى فقد استفاد المسلمون الأوائل من الحضارات الأخرى خاصة فى العصر العباسى حيث نشطت حركة الترجمة من الثقافات الآخرى وهضم العلماء المسلمون هذه العلوم التى ترجموها وأضافوا إليها فلا مانع من التقاء الحضارات والثقافات بحيث نأخذ فقط ما يتفق مع ديننا وقيمنا. ـ معنى ذلك انه يجب علينا عدم الإستجابة للضغوط التى تمارس علينا من أجل فرض الثقافة الغربية فى بلادنا أليس كذلك؟ ـ يجب ان نقاوم كل الألوان الثقافية التى تتصادم مع كل ما نؤمن به من مثل وقيم وأحكام دينية لكن كون الغرب أو غيره يريد ان يفرض علينا ثقافته فهذا شيء طبيعى لا ننكره لأننا نحن فى نظر الغرب نريد ان نفرض ثقافتنا ليس هذا عيبا لكن العيب فى أى مجتمع سواء كان عربيا أو غير عربى ان يأخذ من ثقافات الآخرين ما لا يتلاءم مع قيمه ومثله التى يؤمن بها.