حي شبرا المصري يتوغل في التاريخ مئتي عام

في السبعينيات من القرن الماضي كان حي شبرا قد وصل الى ذروة الزحام والتكدس لدرجة أن كلمة شبرا وحدها كانت كفيلة بأن تجعل أي سائق تاكسي يختفي من أمامك في لحظة، واستمرت معاناة سكان حي شبرا أحد أكبر أحياء القاهرة، سنوات ، مع الزحام وصعوبة المواصلات حتى مد اليه في التسعينيات خط مترو الانفاق تبعه ازالة خط الترام من شارع شبرا واعادة التخطيط لخطوط سير العربات وقد ساعدت هذه الخطوات على تخفيف حدة الزحام وتزامن ذلك مع تحول حي شبرا الى منطقة طرد سكاني جعلت الهدوء يعود إليه نسبيا، ويتميز حي شبرا بتركيبة سكانية شديدة الخصوصية تمتزج فيها العادات والتقاليد بين الأسر المسلمة والمسيحية في منطقة تعتبر من أهم مراكز التجمع للمسيحيين بالقاهرة وفي هذا الحي تغلب الصبغة الشعبية على معظم السكان وان كانت هناك شريحة أخرى غير قليلة من الطبقتين البرجوازية والارستقراطية تتركز في منطقتي اغاخان وطوسون، ورغم أن شبرا من المناطق الحديثة نسبيا. اذ أن عمرها لا يتعدى مئتي عام الا انها تنامت واكتملت خلال فترة وجيزة وأصبحت من الاحياء المهمة بالقاهرة. ويعود انشاء حي شبرا الى عصر محمد علي الذي شهد نهضة كبيرة على جميع المستويات، وفيما يتعلق بالعمران فقد كانت شبرا من المناطق التي حظيت باهتمام والي مصر محمد علي الذي بنى قصرا له بقرية شبرا الخيمة شمال فم ترعة الاسماعيلية ووجد ان الطريق المؤدي الى القصر من القاهرة يصلح لانشاء مدينة جديدة فبدأ في شق شارع شبرا عام 1808 ليكون نواة لانشاء مدينة شبرا التي عرفت وقتها باسم «شبرا مصر»، وغرست أشجار اللبخ والجميز وكان هذا الطريق يعرف وقت انشائه بجسر شبرا، وقد انشأ محمد علي مصنعا لتبييض المنسوجات التي كانت تصنع في معامل النسيج المصرية، وكان هذا المصنع ملاصقا لسراي الأمير طوسون بن سعيد باشا وهي السراي التي انشئت عام 1869، على أفخم طراز معماري وتشغلها الآن مدرسة شبرا الثانوية ولا يزال هذا المكان يعرف باسم المبيضة بمنطقة روض الفرج، أما الجزء الواقع خلف السراي أو المدرسة فعرف بمنطقة طوسون. الترام الى شبرا وتذكر كتب التاريخ أن جزءاً كبيراً من حي شبرا كان ضمن بستان الجيوش الذي انشأه الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الدين الجمالي وكان يمتد شمالا شرقي الخليج المصري حتى الوايلي وغربا حتى منية السيرج «الجزء الشمالي الشرقي من حي شبرا الآن» كما انشأ الأفضل منظرة رائعة عرفت بمنظرة البعل وكان للفاطميين شمال منظرة «البعل» منظرتان الأولى عرفت «بالتاج» والثانية بمنظرة «الخمسة وجوه» وهو مايبرر تسمية بعض الشوارع والميادين بهذه الاسماء حتى الآن فمن شارع الترعة البولاقية أحد أهم شوارع شبرا تتفرع شوارع «المنظرة» و«الوجود» و«الجيوشي»، وفي الشوارع الخلفية المتفرعة من الجانب الأيمن لشارع الترعة يوجد ميدان صغير يسمى ميدان «الأفضل»، وظلت منطقة شبرا مجرد منطقة زراعية وبساتين حتى شق محمد علي جسر شبرا فكان ذلك ايذانا بدخول هذه المنطقة نطاق العمران فأقبل الأمراء على بناء القصور الفاخرة فيها وكان قصر سعيد باشا أحد أهم القصور في مدينة شبرا فقد شيده عام 1858 على الشارع الرئيسي وتحول فيما بعد الى المدرسة التوفيقية الثانوية. وازداد العمران بعد ذلك في مدينة شبرا بعد ان مد خط الترام اليها ليسير في شارع شبرا عام 1902 وليصل الى منطقة روض الفرج وساحل روض الفرج عام 1903 فانشأ الاثرياء وكبار الموظفين والتجار قصورا فخمة وبساتين زاهرة على جانبي شارع شبرا، واقيمت به المقاهي والنوادي التي كان يقصدها أهل القاهرة للتنزه، وكان وصول الترام الى شبرا من أهم عوامل تحول مدينة شبرا الى السكنى بعد كانت منتجعا ومنتزها للاثرياء ووجد فيها أهالي القاهرة بديلا عن قلب المدينة المزدحمة والمكتظة بالسكان فتحولت جميع البساتين والاراضي الزراعية الواقعة على جانبي شارع شبرا الى اراض للبناء اقيمت عليها العمارات الشاهقة، وشهدت الفترة التالية للحرب العالمية الثانية زحفا كبيرا الى هذا الحي فلم تترك فيه أرض فضاء الا استغلت للمباني وازداد العمران فيه حتى اتصلت مدينة شبرا بقرية شبرا الخيمة التي كثر فيها انشاء المصانع والمعامل والمخازن تمشيا مع تقدم الصناعة في مصر، واستتبع وجود هذا الحي الناشئ اقامة معاهد العلم والمساجد والكنائس والمستشفيات ومراكز رعاية الطفل، وانتشرت في شوارعها المحال التجارية العامرة بكل مايحتاج اليه السكان، واحتل ساحل روض الفرج مكانة خاصة للترفيه حيث انشئت به الملاهي والمسارح قبل أن تنتقل الحركة الفنية الى شارع عماد الدين بوسط القاهرة. توسعة شارع شبرا وكان لحي شبرا حظ وافر بعد ثورة يوليو حيث دخلت ضمن خطة كبرى لتطوير القاهرة على يد عبداللطيف البغدادي وزير شئون البلدية والقروية حيث قام بتوسعة شارع شبرا الى 40 مترا ونقل الترام الى وسط الشارع، كما مد شارع الترعة البولاقية ليصل الى عمق شبرا بعد ردم الجزء المتبقي من الترعة، كما انشأ محطة نهائية لوقوف أتوبيسات الوجه البحري القادمة الى القاهرة. ومع التوسع الشديد في العمران بشبرا كانت هناك ضرورة لتقسيمها اداريا بحيث أصبح الجزء الواقع منها بداية من ميدان أحمد حلمي حتى ميدان المظلات تابعا للقاهرة، أما الجزء المتبقي منها بداية من ميدان المؤسسة وهو المعروف بشبرا الخيمة فهو تابع لمحافظة القليوبية وقد تم تقسيمه الى قسمي أول وثاني شبرا الخيمة، أما الجزء التابع للقاهرة فيقع في نطاق أربعة أقسام للشرطة وهي أقسام أول وثاني شبرا وقسم الساحل وقسم روض الفرج، ويعتبر شارع شبرا أحد أطول شوارع القاهرة وأهمها من الناحية التجارية، ويعد أقدم شوارع شبرا على الاطلاق اذ يقترب عمره الآن من مئتي عام، يتمتع شارع شبرا الذي يبدأ من ناحية القللي حتى ميدان المظلات بنشاط تجاري واسع المجال وخاصة في منطقة «الدوران» وقد ارتفعت أسعار المحال التجارية بعد افتتاح المرحلة الثانية من مترو الانفاق لتصل الى نصف مليون جنيه للمحل الصغير الذي لا تزيد مساحته على عشرة أمتار لتصل الى خمسة ملايين في بعض الأحيان وخاصة في المواقع القريبة من محطات «مسرة» و«روض الفرج» و«سانت تريزا». وتعتبر مدرسة التوفيقية أحد أهم معالم شارع شبرا والتي كانت في الأصل قصرا شيده سعيد باشا عام 1858 وقد تخرج في هذه المدرسة عدد كبير من رواد مصر أمثال الشاعر ابراهيم ناجي ود.نجيب محفوظ باشا راند طب النساء في مصر والذي سمى باسم الأديب نجيب محفوظ ود.علي لطفي رئيس وزراء مصر الأسبق،، ويعتبر جامع الخازندارة أيضا أحد أهم معالم الشارع وأقدمها وكذلك كنيسة «ماري مرقص» بمنية السيرج وتطل على شارع شبرا وهي أكبر كنائس شبرا وهي للأقباط الأرثوذوكس وكنيسة «سانت تريزا» للكاثوليك وقد أطلق اسم الكنيسة على ثالث محطات مترو الانفاق المتجه الى شبرا بعد محطة مبارك أو «رمسيس» وتعتبر أيضا مدرسة الراعي الصالح من أقدم وأهم المدارس بشارع شبرا وأحد أهم المعالم الهامة بسورها الأثري ويرجع انشاء المدرسة الى أكثر من مئة عام وملحق بها كنيسة ومستشفى وقد اقيم مؤخرا سوق تجاري ضخم بجانبها أطلق عليه سوق «الراعي الصالح» ويشبه الى حد كبير سوق «وكالة البلح» الشهير ويصل السوق الى شارع شبرا من جهة وشارع الترعة البولاقية من الجهة الاخرى من خلال ممر تجاري ضيق يضم داخله مئات المحلات الصغيرة، ونظرا لما يتمتع به شارع شبرا من رواج تجاري فقد حققت بعض المحلات شهرة واسعة وخاصة في منطقة الدوران تعد محلات أسماك الأمير أحد أهم المحلات التجارية هناك وأكبرها على مستوى محال الأسماك بالقاهرة كما تعتبر محلات الشربيني وعمر أفندي والتوحيد والنور من أكبر وأشهر المحلات هناك وتسببت في الرواج والزحام المستمر بالشارع وبعد السيولة المرورية التي حققها مترو الانفاق افتتحت فروع لها لاستغلال هذا الرواج منها محلات مؤمن للوجبات الجاهزة والسريعة وكنتاكي وماكدونالدز وحلواني «لارين» وقصر الاليزيه، كما انتشر الباعة المتجولون على الأرصفة بشكل مكثف، وبالشارع دارا عرض أحدهما بأوله وهي سينما دولي التي سميت باسم فريد شوقي والثاني في ناحية المظلات وهي سينما مودرن وتضم سوقا تجاريا. اغان في حي شبرا وقد اكتسبت شوارع شبرا الفرعية والرئيسية شهرة واسعة تعدت نطاق الحي نفسه الى انحاء القاهرة لأن حي شبرا من الاحياء التي يتردد عليها أهالي القاهرة كثيرا، وربما لأن الحي يتمتع بجاذبية شديدة، وقد وصل الأمر الى تغني بعض المطربين بحي شبرا بداية من شعبان عبدالرحيم الذي عدد اسماء شوارع شبرا في اغنية شهيرة كانت سببا في ذيوع صيته منذ حوالي 15 سنة اسمها «أحمد حلمي» قال فيها «أحمد حلمي أتجوز عايدة، كتب الكتاب الشيخ رمضان، وكان شاهد العسال وجابو الشمع من العطار». وكلها اسماء شوارع بحي شبرا باستثناء «مزلقان عايدة» وهو الأشهر في حي شبرا، واذا كان شعبان عبدالرحيم قد تغنى بحي شبرا بأسلوبه الشعبي، فإن محرم فؤاد تغنى بها من منطلق الدعوة للوحدة الوطنية بين ابناء حي شبرا تحت عنوان «باحبك ياشبرا» تقول بعض كلماتها، باحبك ياشبرا باحبك صحيح، ياموال واوبرا وعامي وفصيح، ياجامعة محمد وعبدالمسيح. ويعتبر شارع أحمد حلمي من أهم شوارع شبرا وهو مواز لشارعي الترعة البولاقية وشبرا وهو الى جانب كونه شريانا هاما لحركة المرور بحي شبرا الا انه اكتسب شهرته واهميته باعتباره طريقا للسفر والعودة بين القاهرة والوجه البحري، وحتى وقت قريب كان موقف أحمد حلمي أحد أهم مواقف السيارات الاجرة وأتوبيسات الوجه البحري قبل نقلها الى موقف عبود، وقد سمى الموقف والشارع على اسم المناضل الوطني أحمد حلمي رفيق الكفاح مع الزعيم مصطفى كامل لمدة سبع سنوات وقد اشتغل بالصحافة وكتب في صحف «اللواء» و«الشعب» والعلم ثم تركها وعمل بالزراعة ونجح في هذا المجال واشترى ارضا واسعة في شبرا وبنى عمارة ضخمة في مدخل شبرا من ناحية الشارع الذي حمل اسمه بعد وفاته في عام 1936، وربما لا يتذكر الناس دوره الوطني ولكنهم يتذكرون جيدا موقف وميدان وشارع أحمد حلمي جد الشاعر ورسام الكاريكاتير الراحل صلاح جاهين! ولا يقل شارع الترعة البولاقية أهمية عن شارعي شبرا الرئيسي وشارع أحمد حلمي فالشوارع الثالثة تمتد بالتوازي لتقطع حي شبرا طولا وبينها شوارع كثيرة متقاطعة معها أشهرها جميعا شارع خلوصي الذي يربط مابين شارعي الترعة البولاقية وشبرا وهو أحد أهم الشوارع التجارية بها وشارع أحمد بدوي الذي يصل بين أحمد حلمي والترعة البولاقية وشبرا وترجع تسمية الشارع لوجود ترعة قديمة كانت تربط بين حي بولاق أبوالعلا وشبرا ولذلك سمى الشارع باسم الترعة البولاقية ومازال جزء من الشارع يقع حتى الآن بحي بولاق من ناحية السبتية والقللي، ويشتهر شارع الترعة بوجود عدد كبير من محلات قطع غيار واكسسوارات السيارات وفي هذا الشارع يوجد ميدان «فيكتوريا» أحدث وأشهر ميادين شبرا وتتفرع منه شوارع أخرى شهيرة مثل العطار والعسال وشيكولاني والمحمودي وبالشارع سينما قديمة اسمها «شبرا بالاس» وهي من سينمات الدرجة الثانية وتشتهر بتقديم الأفلام الهندية فقط. واذا كان شارع شبرا هو أقدم شوارع الحي ويصل عمره بعد ست سنوات الى مئتي عام فإن منطقة جزيرة بدران تعد أقدم المناطق بحي شبرا وكانت تتميز بوجود القصور والفيللات منذ زمن بعيد ولكن أغلبها هدم ليحل محله عمارات وأبراج وتعتبر منطقة جزيرة بدران هي حدود شبرا مع حي بولاق العريق من ناحية «مزلقان النجيلي» المطل على شارع السبتية وتفصل قضبان القطار المتجه جنوبا الى الصعيد مابين حي بولاق وحي شبرا ويمتد عمق جزيرة بدران حتى أول شبرا من ناحية ميدان أحمد حلمي ويعد شارع «ابن الرشيد» هو الشارع الرئيسي بجزيرة بدران كما تعد مدرسة «رقي المعارف» أقدم المدارس هناك، وتعتبر منطقة ميدان الخلفاوي من أحدث المناطق في حي شبرا وكذلك أرض أغاخان وهما من المناطق الراقية التي تسكنها الطبقة البرجوازية والارستقراطية، وتتجاور منطقة الخلفاوي مع كل من الشيخ رمضان وفيكتوريا وتربطها شوارع شهيرة مثل عبدالحميد الديب ومحمد الخلفاوي أما أغاخان فتظل على النيل من ناحية المظلات.

تعليقات

تعليقات