«المحسنة» أو «السبيل» عبارة عن مبنى له مواصفات خاصة ظهر في الحواض والمدن خاصة منها تلك التي كانت على مدار العصور المختلفة مراكز تجارية يتوافد اليها الناس من الضواحي والقرى والمدن أو البلدان الأخرى وتوجد في صنعاء القديمة وحدها ما يريد على خمس واربعين «محسنة» وعلى الرغم من ان مثل هذه المباني هي مبان وقفية او حبسية يحظر التصرف بها إلا ان الكثير منها يتعرض للاهمال وتحويلها الى اغراض غير الاغراض التي انشئت لاجلها لفتحها إما دكاكين او اماكن لنشاطات اخرى بل والادهى من ذلك ان الاهمال لهذه المباني التاريخية حول بعضها الى بيارات لتصريف المياه العادمة بعد ان كانت أباراً لمياه الشرب. ويقول المهندس جمال الكشيح وكيل الهيئة العامة للمحافظة على مدينة صنعاء القديمة: المحاسن نشأت في عهد الحضارة الاسلامية ويصعب الجزم ان تكون قد وجدت قبل ذلك كما يصعب النفي لذلك الوجود ولهذا هذه المباني من حيث طرازها كمبان اسلامية وقد ظهرت في الاسواق الرئيسية في المدن العريقة او في الطريق المؤدي الى تلك المدن من اجل توفير المياه للمسافرين والعابرين والتزود بها خلال ترحالهم وفي حالة صنعاء المعروف انها على مر التاريخ كانت ومازالت سوقاً رئيسيا او ما يسمى ببندر يقصده الكثيرون من البوادي والقرى والمناطق البعيدة لغرض التسوق ونظرا لعدم وجود المياه وتوافرها حيث كانت موجات الجفاف تعم من حين الى اخر وايضا هناك فقراء. ولهذا انتشرت هذه المحاسن على الشوارع الرئيسية التي تمتاز بعرضها حيث صممت تلك المحاسن في مثل هذه الشوارع التي تسمح بمرور بعيرين وعندما اقول بعيدين فإن ذلك يعني جملا محملا لان لفظ جمل يعني بدون حمولة ولهذا فتلك الشوارع العريضة كانت مصممة للسماح بمرور البعيرين عند تقابلها في ذلك الشارع وهذه الشوارع اليوم تسمح بمرور سيارة او شاحنة. ويستطرد وكيل الهيئة موضحا ان هذه المحاسن عادة ما تكون موجودة بقرب المساجد بحيث توفر المياه للمساجد لاغراض الصلاة وللمارة والمسافرين ومبنية عادة على هيئة عقود في داخلها بركة مصنوعة من القضاض لان هذه المادة معروفة بتحملها لبقاء المياه فيها لمدد طويلة وتكون على المحسنة قبة وهذه القبة هي عبارة عن علامة تدلل على انها جزء من التراث المعماري الاسلامي بالاضافة الى ذلك نجد ان بعض المحاسن اخذت طابعاً خاصاً وعلى سبيل المثال المحاسن التي عملها العثمانيون في اليمن لها مميزات. وهناك محسنة الابهر وهي تشكل تحفة معمارية فريدة مطرزة ومنقشة بنقوش اسلامية توحي بأنها تعود الى الفترة العثمانية في اليمن إذ كل النمنمات والزخرفيات الموجودة على واجهاتها هي نمنمات عثمانية ويوجد في صنعاء القديمة كم هائل من المحاسن تقدر بما بين الاربعين الى الخمسين محسنة والهيئة الآن تقوم بترميم البعض منها وعندما كنت مديرة للمشاريع قمت بتصميم احدى هذه المحاسن في حي الفليحي وفقا للنموذج الذي كانت عليه بعد ان اهملت حتى كادت تتلاشي كل معالمها ولهذا قمت باعادة تصميمها وفق النموذج الذي كانت عليه من أجل العمل على اعادة تأهيلها والهيئة الآن بصدد وضع خطة لتأهيل هذه المحاسن بكافة مرافقها مثل المرافع وهي عبارة عن الروافع التي تعلق عليها البكرات وتمتد في ممر طويل غالبا ما يكون منحدراً يسهل انسياب الحمير او البغال والخيول عندما تجر الدلو الممتليء بالماء في البئر. جمال مهمل ويواصل جمال الكشيح حديثه عن المحاسن بمرارة وألم اذ يقول الابار الموجودة في هذه المحاسن عبارة عن آية في الجمال اذ انها مغلفة بالحجارة من اعلى فوهتها حتى قعرها وتوجد فيها درج من الحجارة توصل الى قعر البئر لكن المؤسف ان هذه الابار اهملت وللأسف ان بعض الناس الجهلة الذين لا يحترمون تراثهم المعماري ولا يقدرون الاخطار التي تشوه هذا الفن العريق قاموا بتحويل تلك الابار الى بيارات لتصريف المياه العادمة والاسنة وبدون علمنا لكن بعد ان عرفنا بالأمر مؤخراً قمنا بمنعهم واتخاذ الاجراءات الكفيلة بتنفيذ ذلك المنع لأن ذلك يتسبب في تلويث حوض المياه للمدينة طبعا للآبار التي اردمت بشكل مقصود او نتيجة للاهمال وتراكم الاشياء الملقاة داخل تلك الابار نظرا لعدم الاحتياج اليها بعد ان اصبح الماء موصلا الى المنازل دون كبير عناء وبطبيعة الحال مثل تلك الابار ليست مقتصرة على المحاسن بل الكثير من بيوت صنعاء القديمة فيها أبار مياه كانت في الماضي تزود اصحاب تلك البيوت بالمياه التي يحتاجونها كما ان هناك محاولات متكررة للسطو على المرافع التابعة للمحاسن لأن بعض هذه المرافع عبارة عن انفاق بمساحات واسعة كما هو الشأن بمرفع الحميدي الذي هو واسع جدا ويمكن ان تمر به سيارتان في آن واحد. ويخلص الكشيح الى القول ان المحافظة على عالم صنعاء القديمة عامة والمحاسن بصفة خاصة ينبغي ان يساهم الجميع بها وليس الهيئة وحدها فبدون تعاون الاهالي والسكان والابلاغ عن حالات السطو وتغيير معالم الاثر التاريخي ودون تعاون وسائل الاعلام والصحافة لا يمكن حماية صنعاء القديمة من طمع الطامعين ونزواتهم. والهيئة لوحدها ستظل عاجزة عن متابعة التجاوزات والمخالفات التي تحدث وقد اتخذت في الأونة الاخيرة قرارا يقضي بمنع أي استحداث لمبان جديدة ولن تسمح بأي تجاوزات او اخلال بأي معلم من معالم المدينة التقليدية لاسيما ان صنعاء تستعد اليوم لان تكون عاصمة للثقافة العربية عام 2004م وهي بصدد تفعيل دورها خاصة بعد رصد مخصصات مالية لعملها تفوق ما كان مرصوداً لها في السابق. ويقول محمد شبرين احد سكان صنعاء القديمة هذه المحاسن جزء من التاريخ الاسلامي والمحافظة عليها مسئولية الجميع لأن الطامعين في استثمار هذه المحاسن كثيرون وعلى سبيل المثال محسنة حويدر هذه التي تعتبر تحفة معمارية بقبتها وعقودها هناك محاولات لهدمها وتحويلها الى محلات تجارية حيث جاء شخص في الايام الاخيرة يزعم انه استأجرها من الاوقاف وينبغي تحويلها الى محال تجارية وهذا لا يتناسب لامع ضيق الحي ولا مع جمالية المعالم الاثرية فيها. واضاف ان على الهيئة العامة للمحافظة ان تضطلع بدورها للحد في هذه التجاوزات والمخالفات لاسيما ان مثل تلك المخالفات سبق وان ارتكبت في المقاشم اذ حول بعضها الى اسواق من قبل شخص يدعي الزفيف ويشاطره في ذلك وكيل الهيئة الذي اوضح ان هذا الشخصى يقوم هو وشخص آخر يدعى سيلان بالاعتداء على بعض المعالم وتلك الاعتداءات حدثت من قبل وليس في عهدنا لكننا الآن احكمنا التضييق عليهم ومحاصرتهم حيث كان يقوم بشراء بعض المباني ويقوم باهمالها من الداخل واخذ اخشابها حتى تغدو متهالكة ليتسنى له تحويلها الى اغراض اخرى لكن اليوم هذا الاسلوب اصبح مكشوفا ولن نسمح به مطلقا واذا كان هناك استحداثات تجارية ستبقى محصورة في الاسواق وبضوابط، أما ان تستحدث محلات تجارية في احياء سكنية فهذا مرفوض على الاطلاق. العابثون شخصيات نافذة ويحكي الحاج عبدالله طاهر قصة بناء محسنة الحويدر وما يمثله هذا المعلم من اثر تاريخي للمدينة بقوله ينبغي ان الايطال العبث مثل هذه المعالم التاريخية فهذه المحسنة انشئت عندما كنت طفلا واليوم انا في الستين من عمري واذكر ان الوصي على اموال المحسن حويدر كان يدعى سويد وعندما كان يقوم ببنائها مر الامام يحيى حينها وسأل عمن يبنيها فرد عليه الحاضرون انها تبنى من اموال حويدر فطلب الامام ان يشارك المحسن عمله كي ينال الاجر لكن الوصي رد عليه ان المنفق على البناء هو من اصحاب الاموال الكثيرة ويقدر على اتمامها بنفسه فاستحسن الامام الامر ومضى ويضيف قائلا الذي بناها اوقفها وليس لاحد ان يتصرف بالوقف لاسيما ان اموال الرجل من الفضة والذهب قد اتى عليها نهب صنعاء في عام 1942م واعقابه اصبح جميعهم في عداد الفقراء. اجمالا يمكن القول ان وضع صنعاء القديمة والتجاوزات التي تطال العبث بمعالمها اصبحت مرتبطة بشخصيات نافذة ومتسلطة اذا ما ترك لها العنان ستعمل ماتشاء عندما تشاء وبالطريقة التي تشاء وهنا لابد من الجهات والفعاليات المعنية بالمحافظة على التراث المعماري ان تلعب دورها ليس على صعيد المنع والزجر للمتطاولين على تلك المعالم بل ايضا على صعيد نشر الوعي والتثقيف بأهمية هذا الارث التاريخي العريق الذي يقول عنه المهندس جمال الكشيح انه ارث يضاهي ويتفوق على معايير الالفية الثالثة من حيث الفضاءات المفتوحة التي تصل في داخل المدينة القديمة الى حوالي 30% من اجمالي المساحة الكلية لها تتوزع هذه النسبة على الساحات والمحاسن والمقاشم والشوارع والازقة. على ان من يساهم في تعرض المعالم التاريخية للسطو والتشويه بعض الجهات الحكومية التي تقوم بايجار بعضها لاشخاص يسعون لاستغلالها تجاريا كما هو الحال بالنسبة لمحسنة الحويدري التي استأجرها خمسة اشخاص من الملاك ومن الاوقاف وحسب بعض المواطنين فان هؤلاء الخمسة هم الحاشدي محمد النصيف، علي احمد الذيب، محمد حسين دودة، صالح الحاشدي وهذا ما يزيد الامور تعقيدا.