قرأنا وتعلمنا عن ابناء شعوب دخلوا مسار الخراب فقضوا على أنفسهم. فالتمرد العظيم في روما الذي أدى الى خراب الهيكل، وتمرد بار كوخبا ـ رابي عكيفا الذي أدى الى خراب غزة، هما مثالان على الدمار الذاتي في تاريخ شعب اسرائيل. ويخيل لي أننا نوجد اليوم في مسار مشابه. فالاستثمارات الكبرى في مشروع الاستيطان، والاندماج المطروح للجماعات القومية والدينية والاصولية الساعية الى دولة عدوانية وتوسعية على أساس فقهي، والتأثير المدمر للقوة العسكرية العاملة في محيط مدني ـ تثني العمود الفقري الاخلاقي، وتدفع الى التدهور القوة الاقتصادية والعسكرية للمجتمع الاسرائيلي، وستؤدي في النهاية الى سياق ضياع الدولة. وكلي أمل بألا نكون قد وصلنا بعد الى نقطة اللاعودة، حيث سيضاعف ذوو النزعة القومية ـ الدينية قوتهم الانتخابية، فيما يصوت جمهور العلمانيين بأقدامهم. وهذه دعوة الى الجمهور العلماني ـ ولا سيما لزعمائه: بيتنا يميل الى السقوط، فانهضوا لانقاذه. لقد بدأت مسيرة السخافة الاسرائيلية على ما يبدو إثر انتصارها في يونيو 1967، والذي في أعقابه بدأ الاستيطان في الاراضي المحتلة. وكل الحكومات، من اليمين ومن اليسار، عملت على تشجيع الاستيطان الذي استوجب استمرار الاحتلال وسياسة القمع والقوة، وقد نجح المستوطنون بمنهاجية في فرض فكرة الاستيطان ونيل الدعم العلني أو الصامت من أغلبية الجمهور الاسرائيلي. لقد كانت حرب العام 1967 نقطة انعطافة في الجانب الديني ايضا. فمحافل دينية ـ قومية رأت انتصار اسرائيل من منظور مسيحاني بصفته «بداية الخلاص» وفرصة لتحقيق حلم «ارض اسرائيل الكاملة». والأهم من ذلك بتقديري هو الثورة التي جرت في المباديء والتفسيرات الدينية الفقهية كما تكشفت في المقالات وفي الفتاوى منذ العام 1967. فمفاهيم دينية تبلورت على مدى مئات السنين تلقي اليوم معاني جديدة، وفي أحايين كثيرة معان عنيفة وعنصرية. ومفهوم «شعب مختار» يعد تصريحا له بالتصرف كما يحلو له. أما «شعب وحده يسكن ولا يراعي الأغيار» صار الهاما فقهيا للتصرف خلافا لكل معايير مقبولة. ان التطورات الهدامة والمخاطر على اسرائيل تبدو اليوم ملموسة جدا. فالمستوطنون تحولوا من حركة تتمتع بدعم حكومي خفي أو ظاهر الى جزء من الحكومة. والجيل الثاني من المستوطنين، الذي نشأ وترعرع في المناطق، بات أكثر شراسة من الجيل الاول. وايديولوجيا هذه الحركات تطورت باتجاهات أخطر بأضعاف. فمن الاستيطان والضم للضفة الغربية الى التوسع الاقليمي الى حدود «ارض الميعاد»، من التعايش مع الفلسطينيين الى سياسة الطرد، من التسامح الديني الى اقامة المعبد وهدم المسجدين، ومن دولة ديمقراطية حرة الى دولة شريعة تحت سلطة حاخامية. على هذه الخلفية فان من المهم والحيوي فهم المثل التي توجه خطى محافل وصفوف اليمين وذلك منعا لدمار اسرائيل. فالمستوطنات هي جزء من المشكلة وينبغي وقف سياسة الاستيطان ومساعدة سكان المستوطنات في العودة الى الديار. ان التطرف الايديولوجي لليمين سيؤدي الى الشرخ بين الاسرائيليين العلمانيين والقوى القومية ـ الدينية. والاحتلال الذي سيغدو عنيفا أكثر فأكثر، والتطرف الديني والتدهور الاقتصادي ستؤدي جميعها الى الهجرة المضادة من اسرائيل للعلمانيين والى ارتفاع القوة السياسية للعناصر المتطرفة حتى تحقيق أغلبية ائتلافية في الكنيست. وسيكون لسيطرة الائتلاف القومي ـ الديني ـ الاصولي آثار تدميرية: اسرائيل ستكون الدولة الوحيدة في العالم ذات سياسة توسع معلنة وقوة عسكرية لازمة لتحقيقها. وستبدأ الدول العربية في سباق للتسلح، والعالم سيرى في اسرائيل دولة تعرض السلام العالمي للخطر وسيفرض عليها العقوبات الاقتصادية والعسكرية. ان اسرائيل تحت السيطرة القومية ـ الدينية ستعلق في خليط مدمر من النفقات الامنية والاستيطان الواسع والازمة الاقتصادية ستحتدم. ان التدهور في القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية لاسرائيل سيؤدي الى الانهيار السريع على نحو يشبه انهيار الاتحاد السوفييتي في نهاية القرن العشرين.ينبغي السعي على وجه السرعة الى اقامة مجموعة اسرائيلية مركزية بقيادة ذات رؤية صهيونية، تدمج بين الرؤية الواعية والواقعية بالمفهوم الاجتماعي الاقتصادي الانساني فتجتذب اليها اغلبية الشعب وتقف في وجه التطورات التدميرية من اليمين. هذا هو الوقت للعمل قبل فوات الأوان. عن «هآرتس»