يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. يحصل ساكن غزة على إذن بزيارة الأردن مدته شهر واحد. وإذا احتاج الزائر إلى زيارة سوريا، كما هو شأن أمي، فعليه أن يتوجه إلى السلطات الأردنية فتمنحه هذه وثيقة سفر مؤقتة ليدخل بها سوريا التي لا تتعامل مع أي وثائق صادرة عن إسرائيل أو ممهورة بأي ختم إسرائيلي. وما أن وصلت أمي إلى عمان حتى خفّ خالي نافذ إليها. ولأني صرت منذ أيلول/ سبتمبر 1970 ممنوعاً من دخول الأردن، فقد عجزت أن أخفّ أنا الآخر إلى المدينة التي صارت أمي فيها. وتوجب عليّ أن أنتظر طيلة الأيام التي احتاجتها إجراءات الحصول على الوثيقة الأردنية، وكان هذا أصعب انتظار.قبل أسابيع من مجيء البشارة بالزيارة المأمولة، تعرضت لمشكلة جديدة مع جهاز أمن سوري. وقتها، كنت قد ندمت على رضوخي لمشيئة ياسر عرفات وقبولي العمل مع عبد المحسن أبو ميزر مرؤوساً له واشتدت رغبتي في التفلت. وكانت مساهماتي في «السفير» قد أشهرتني كما لو أنني واحد من الكتاب المتفرغين للجريدة. ويبدو أن طلال سلمان المطلع بالطبع على معاناتي شاء أن يسعفني، فكرر عرضاً قديماً بأن ينشئ مكتباً لجريدته في دمشق إن قبلت أنا أن أتولى إدارته. ولما وجد طلال لدي ميلاً إلى القبول، جاء إلى دمشق لإنفاذ الفكرة. وصحبت أنا طلال في زيارة لصديقنا المشترك وزير الإعلام أحمد اسكندر. وقال أحمد إنه كان سيرشحني لهذه المهمة لو لم يهتد طلال إليّ بنفسه، وتعهد أن أظفر بموافقة وزارته في أقصر وقت. وبدأ، خلافاً لهواجسي، أن مسألة اعتمادي من قبل السلطات السوريا ستسير على ما يرام. لكني تلقيت بعد أيام استدعاءً لمراجعة فرع الأمن الخارجي في المخابرات السوريا. وكان هذا هو الفرع ذاته الذي حُقق معي فيه في العام 1968 بعد لقائي محمود درويش في صوفيا. وفي الموعد المحدد، بل قبله، قدّمت نفسي إلى موظف الاستقبال في الكوخ المنتصب على الرصيف أمام المبنى، وتلقيت الأمر بأن أنتظر على هذا الرصيف. وهناك، فيما أنا أتمشى والهواجس تتناوشني، وقعت عيني على رشاد أبو شاور على الرصيف ذاته. استدعي صاحبي هو الآخر لسبب ما. والتقى النظر بالنظر فتواطآ، فلم يكلم أحدنا الأخر. فلسانك يصير حصانك فعلاً في مثل هذا الموقف بالذات. وحين دعيت إلى الدخول، قادني حارس مستهين بي إلى مكتب رجل قدم لي نفسه على أنه أبو مهند، ولم يذكر رتبته أو منصبه، وبقي جالساً وراء مكتبه، ودعاني إلى الجلوس على كرسيّ قبالته.بدأ الرجل بداية غريبة هو بعثي، وعليّ أن أجاريه: «لسوريا عليّ أفضال كثيرة، علي وعلى غيري». ولم يفطن الرجل إلى مدلول عبارتي كما رميت إليه أنا، بل تابع بنبرة من تصور أنه طوقني بالفضل: «هذا يعني أن من واجبك رد الجميل». فقلت وقد بدأت أشتمّ مرمى الحديث محاولاً اجتذاب رجل المخابرات إلى الإفصاح عنه: «نعم، رد الجميل واجب...»، وأردت المتابعة، لكنه قاطعني بنبرة من استحوذ على بغيته وانتهى الأمر: «إذن، اتفقنا، نحن بحاجة إلى الاستفادة من خبرتك».كنت، إذن، إزاء رجل خفيف ومتعجل، فانحلّ تهيبي وأسعفتني أناتي: «أنا من الذين يحبّون تسمية الأشياء بأسمائها، فما الذي تريده منّي بالضبط ؟». فراح الرجل، وقد فطن على ما يبدو إلى أنه تعجل استدراجي، يلوك الكلام لوكاً : «أنت صحافي، ولك في منظمة التحرير مكانة، تقابل الزعماء والقادة، وترى صحافيين كثيرين وذوي شأن، و...»، ظل يلفّ ويدور دون أن يحدد ما يريد، فرميته رمياً بهذه العبارة : «تريدني مخبراً عندكم» وتعمدت أن تعكس نبرتي أشدّ الاستنكار. ومن حجرة الذي فشل في التفاهم معي، نقلت إلى حجرة أعلى واستقبلني رجل أعرف من هو. كان هذا هو الرائد علي خير بك، وكنيته أبو غزوان، وكان نائباً لرئيس فرع الأمن الخارجي، وكان يوصف بأنه من عظام الرقبة، أي من الذين يعتمد النظام عليهم ويتمتعون بالثقة. وقد استقبلني أبو غزوان بمودة وأظهر حرصاً على اللياقات، وأبلغ إليّ بعبارات فصيحة انه يعذرني ويحترمني، وقال إنه يتابع ما أكتب ويستفيد منه. وبنبرة اعتذارية، قال الرائد إني أسأت فهم ما عرضه أبو مهند، فأنا عندهم أكبر من مخبر، وما يحتاجون إليه مني هو الاستفادة من ملكة التحليل السياسي المتفوقة لدي: «أنت أستاذنا»، قالها أبو غزوان ظاناً على الأغلب أنه يوقعني بمديحه لي، ثم أضاف: «المخبرون عندنا كثيرون ونحن لا نريدك واحداً منهم، ولو كان من حقّي أن أطلعك على أسماء الكتاب والصحافيين الذين يعملون معنا لشاب شعر رأسك». تكرر الجدل، وتبسطت أنا فيه مراعياً محدثي معي. وفي المحصلة، بقي رجل المخابرات مصراً على استخدامي، وتشبثت أنا برفضي. وفي تبسطي مع الرجل، أو قل في سعيي إلى تجنّب اصطدام يؤذيني، عرضت على الرائد أن يزورني في أي وقت يشاء، في المنزل، أو المكتب، إن كان ما يتطلع إليه هو، حقاً، الاستفادة من تحليلاتي السياسية. وتذرع هو بأن زيارته لي قد تحرجني لأنه هو رجل مخابرات معروف. فرددت أنا بأني لا أتحرج، فأنا أقابل ناساً من شتى الأصناف كل يوم، وأنا لا أعقد معه اتفاقاً سرياً، وسأقول في حضوره ما أقوله في حضور غيره: «اسأل الذين عرفوني، أنا لا أتحدث بلغتين !». وأمام إصراري، خطا أبو غزوان خطوة أخرى، خطاها محاذراً في واقع الأمر: «لو كنت شخصاً آخر لضغطنا عليك، نحن نملك الوسائل، أنت تعرف، بيدنا أن نمنعك من العمل، أو نخرجك من البلد، أو ...»، فأوقفت استرساله، وتابعت بنفسي فكرته مجارياً نبرته: «أو أن نضعك في السجن، أعرف هذا وأحسب حسابه، لكني وطدت نفسي على أن لا أرضخ له». وعندما شرع الذي بدا لي أن صراحتي لا تسوؤه في قول شيء جديد، قاطعته ثانية أو قل إن ضيقي بهذا الحوار هو الذي قاطعه: «لك أن تعرف أني دخلت دمشق أول مرة حافياً، فإن طردت منها فسأخرج وفي قدميّ حذاء على الأقل، وإن سجنت فسأظفر بثلاث وجبات أنا الذي طالما جاع في حياته». ولأمر ما، لعله تأثر الرجل بصدق تشبثي بكرامتي، عادت النبرة الاعتذارية، وكرر أبو غزوان القول بأني أسأت الفهم مرة أخرى، فهمه هو هذه المرة، وأكّد على أنه لا يهددني بل يحذرني: «لدي طلب اعتمادك مراسلاً للجريدة اللبنانية، وعندنا قاعدة، لا نعتمد مراسلاً لصحيفة خارج القطر ما لم يعمل معنا، وأنا أريد أن أساعدك». وقبل أن أتفوه بشيء، قال هو : «لا تستعجل، فكر أكثر، وتذكر أننا نحترمك ونريد الاستفادة منك !».استدعاني أبو غزوان مرة أخرى. واستنجدت بعدها بعبد الله البرقاوي. أردت أن يساعدني مسئول مخابرات جيش التحرير الفلسطيني عند زميله السوري. وقابل عبد الله رئيس الفرع ذاته، وكان هذا رائداً آخر نسيت اسمه. وكرر عبد الله على مسامع زميله رفضي العمل مخبراً واستعدادي لاستقبال أي ضابط مخابرات علناً إن كان الهدف حقاً هو هذا الذي تحدث عنه أبو غزوان. وسمع عبد الله الرد : «أي تحليل ! أنا أحلل سياسة لربّ السماء، أريده مخبراً». وجاءني عبد الله وقد أسقط في يده: «لن يحلّوا عنك حتى لو طُويت مسألة مكتب الجريدة كلّها، فتدبر أمرك !». عندها، صار لا بد من الاستعانة بياسر عرفات، فتوجهت إلى بيروت واقتحمت خلوة فيها هو وأبو إياد ورويت ما وقع لي. أبو إياد قال : «بسيطة، سنقابل الرئيس الأسد بعد أيام ومن الممكن أن نفتح الموضوع معه». أما أبو عمار فوجد حلاً أبسط: «يكفي أن تقول لهم حين يستدعونك إنك أطلعتني على الأمر، هم يريدونك مخبراً لتتجسس علينا، فليعرفوا أننا عرفنا !». والواقع أني لم أُستدع مرة أخرى. فقد رويت واقعة حديثي مع أبي عمار وأبي إياد لواحد من زوار مكتبي أعرف أنه مخبر متستر وضمنت بهذا أن تصل الرسالة. ومع أن هواجسي بردت بعض الشيء فقد بقي ما يكفي لأن أظل متوجساً وأترقب ما يخيف. والحق أني كنت خائفاً. في هذا الجو، جاءت زيارة أمي. زيارة أمي هذه كانت موسم أعياد للأسرة. ولا شك في أن بناتي سعدن بالزيارة وأعيادها أكثر من أيما أحد. تحققت بناتي من أن جدتهن التي يسمعن عنها هي حقيقة ماثلة، واجتذبت الشخصية المتحررة من التزمت بناتي فلم يفارقن جدتهن إلا في أوقات الدراسة. وبحضور أمي، انضاف إلى جوّنا شيء جديد وبقي فيه: أغاني المسمية التي كنت أنا نفسي قد نسيتها. حفظت أمي حفيداتها الأغاني ودربتهن على أدائها وغنتها معهن. وما زالت بناتي حتى بعد أن كبرن وصرن سيدات تامات النضج يرددن ما حفظنه في تلك الزيارة. وليس من النادر إلى الآن أن تجبهني أي من بناتي، كلما شاءت أن تعبر عن رفضها لطلب مني بهذا المقطع ذي اللحن الحيوي: «سكرنا البيارة، سكتر يا ناطور !»، أي : أقفلنا البيارة، انقلع أيها الناطور ! الحفاوة والأفراح والولائم المتواترة لم تحجب عن عيني الزائرة النافذتين سوء أحوالنا. ألفت السيدة التي باعدت دروب المنفى بينها وبين ذويها أن تتباهى في غزة بمنجزات أقربائها في دمشق وتنسب إليهم جلائل الأعمال.وها أنا ذا أتذكر الحديث الذي كشف لي خيبة أمل أمي بأحوالنا. ساهرتها على الشرفة بعد أن نام الآخرون، وفتحت هي مخزونها: «نافذ يقترب من الخمسين ولم يتزوج، مسكنه شقة صغيرة بالأجرة بالرغم من أنه مسئول كبير قادر على أن يلعب بالمال لعباً. عمر الذي يدير مال الدولة يسكن في منزل عتيق يملكه أنسباؤه، منزل لا يسع ثلاث عنزات ولا تدخله الشمس. غالب فلتان لا يحلل ولا يحرم بالرغم من أنه كان الأول في الجامعة، وأنت... أكرمتني بخاروف أحلف أنك اشتريته بالدين، فماذا أقول. أنا زائرة لا يجوز أن أتدخل. لكني، يشهد الله، سأنفلق». قالت أمي هذا وكثيراً مما هو مثله، ثم صمتت لحظات، وبعد ذلك قالت بنبرة هازلة: «أحمد الله لأن اليهود لم يحتلّوا هذه البلاد، تصور لو أنهم احتلوها واتصل الناس بعضهم ببعض وعرف أهل غزة أحوالكم، تصور فضيحتي أمام نساء غزة !». الأعياد لا تدوم، ولو دامت لما صارت أيامها متميزة. وسرعان ما جاء اليوم الذي توجب فيه على الزائرة أن تغادرنا، فلو تجاوزت مدّة الإذن الممنوح لها لخسرت حقها في العودة إلى وطنها خسارة أبدية، فهذا هو قانون الاحتلال الإسرائيلي. هيأت لأمي مفاجأة توخيت أن توفر لها ما تتباهى به أمام صواحبها. سألت أمي عن تقديرها لعدد الصاحبات العزيزات عليها. وجلبت ثلاثين كنزة صوفية، أو بلوفر، هدية، واحدة لكل صاحبة. ولا شك في أن المفاجأة أبهجت أمي، لكنها أظهرت السخط إذ تصورت أني أضفت إلى ديوني ديناً جديداً. أهلي أشفقوا هم الآخرون عليّ غير أنهم أجازوا تصرفي. ولك أن تعرف أني حصلت على الكنزات الثلاثين دون أن أدفع قرشاً. ففؤاد قدري لا يخذل أصدقاءه. وهو الذي انتقى الكنزات من بين أجود النماذج التي يسوّقها وأصرّ على أن أبهج بها العائدة إلى غزّة وصاحباتها.مفاجأة جدّي كانت مما يتفق حقاً مع شخصية الرجل الذي لا يقرّ أبداً بأن أي حق من حقوقه في الوطن قد ضاع أو يمكن أن يضيع. استخرج جدّي من محفوظاته العزيزة الأوراق التي تبين علاقته مع باركليز بنك في يافا وحدد مطلبه من ابنته: على أمي أن تذهب إلى هذا البنك وتستقصي مصير حسابات جدّي فيه وترسل إليه ما بقي منها.كان جدي يعرف أن أملاك الفلسطينيين، حقولهم وعقاراتهم، ومشاريع عملهم، قد وضعت بعد تهجيرهم من وطنهم في تصرف مؤسسة أسمتها إسرائيل حارس أملاك العدوّ الغائب. وقد تابع جدّي كما تابع غيره مآل هذه الأملاك فعرف أن المؤسسة الإسرائيلية تتصرف بها استثماراً وتأجيراً، تقبض الريع وتفي بالالتزامات من ضرائب وغيرها وتحرص على أن يظهر في سجلاتها كل سنة أن الحصيلة صفر. وكان مغزى ما تفعله المؤسسة الإسرائيلية واضحاً لكل من تابعوا الأمر: تغييب إمكانية مطالبة أصحاب الأملاك بمداخيلها في أي وقت تغييباً كاملاً. لكن جدّي استخلص ما هدته إليه حاجته؛ فتصور أن لحقوله في المسمية وضعاً خاصاً يجعلها خارج سلطة المؤسسة الإسرائيلية المخادعة. فأنت تعرف أن جدّي رهن قبل سنة من هجرته حقوله لباركليز بنك مقابل القرض الذي موّل به مشروعه الكبير. ولأن البنك بريطاني والبريطانيون عند جدي هم المتحكمون بالعالم، فقد تصور صاحب الحقول المرهونة أن البنك احتفظ بسلطته عليها واستوفى من ريعها قرضه. ولأن لجدّي في البنك أصحاباً، فقد تصور أنهم حفظوا له في حسابه عندهم ما فاض بعد استيفاء القرض، وظل يهدهده الأمل بأن يحصل على ماله.حاججت أمي أباها، أرادت أن يدرك أن الزمن تبدل، قالت إن إسرائيل نهبت الأملاك وريعها وكل ما وقعت عليه يدها مما تركه أهل البلاد: «إنهم ينهبون أرض الناس وحقوقهم، الآن أيضاً، فكيف يعيدون ما نهبوه قبل سبع وعشرين سنة». غير أن جدي أسكت ابنته بحزم: «أنت لا تفهمين، الأرض لأصحابها، هذه أملاك شخصية، إسرائيل أو غيرها، الملك مِلك، والبنك إنجليزي، بريطانيا العظمى، والذين يعملون فيه أصحابي، أكلوا من زادي ولا ينسونني، وما عليك إلا أن تذهبي إليهم !». تابعت الجدل، وكنت بحاجة لإرادة عشرة أشخاص صلبي الإرادة كي أحجب أساي فلا يصدر عني ما يكسر أمل جدّي أو يجرح شعوره. وقلت لأمي مرتكناً إلى فطنتها: «اتبعي ما يطلبه أبوك، لن تخسري شيئاً، على الإنسان أن يجرّب !». فأخذت أمي الأوراق والتفويض الذي أعدّه الجد، ورضي جدّي. وعندما خلت أمي بي، أرادت أن تبقي الأوراق عندي: «الإسرائيليون يفتشون الداخلين ولا يجيزون إدخال أي ورقة. لا أريد أن يأخذوني إلى التحقيق ويتعبوني بأسئلتهم». وكنت صريحاً مع أمي : «يعزّ عليّ أن أتواطأ ضد جدّي، لن أحتفظ بأوراقه من وراء ظهره». عندها، بدا أن أمي فطنت لشيء فقالت متراجعة: «سآخذ الأوراق، التحايل على عكاريت المعبر ممكن، لست أقلّ من غيري». فهل فطنت أمي إلى أن أوراق أبيها تزودها بجديد تتباهى به، ضخامة الأملاك والحسابات التي في البنوك ؟ لم يكن ذلك مقاماً ملائماً أسأل فيه أمي عن شيء مثل هذا.جاءت الموافقة على العلاج وحصلت على تأشيرة الدخول، وفي الوقت ذاته، سميت عضواً في الوفد الفلسطيني الإعلامي إلى قمة عدم الانحياز. فعزمت على التوجه إلى كولومبو، عاصمة سيريلانكا، حيث سينعقد مؤتمر القمة والتوجه منها إلى عاصمة السوفييت. وهيأت نفسي لرحلة طويلة. الشخصي والعام، هكذا هو الأمر كلما أوليت الشخصي شيئاً من الاهتمام. تجمعنا في مطار دمشق، الوفد الإعلامي، زياد عبد الفتاح صديقي البعثيّ السابق مثلي وهو من كان المدير العام لوكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» وسيدة من معاونيه وأنا، وبعض أعضاء الوفد الرسمي، فاروق القدومي وعبد المحسن أبو ميزر وآخرون. وكان عبد الحليم خدام وزير خارجية سوريا ومرافقوه مسافرين على الطائرة ذاتها التي ستقلنا جميعاً إلى كراتشي ثم إلى كولومبو فتسنى لي أن ألقاه في صالة الشرف. ويبدو أن الرجل الذي لم أره منذ وقت طويل شاء أن يظهر أمام رفاق الرحلة أن له مونة عليّ فخصني بعنايته وخاطبني بنبرة تشي برفع الكلفة: «لم أرك منذ سنين، لماذا لا تزورني ؟». فسمع هو كما سمع الآخرون الإجابة التي ليس عندي غيرها: أتبع قاعدة، فحين يصير أي من أصحابي وزيراً أتوقف عن زيارته إلى أن تسقط الحكومة، فهل تتوقع أن أزورك في وقت قريب». وكان خدام يعرف أن حكومته لن تسقط فلم يُسقط في يده: «لن تحصل، إذن على جواز السفر الخاص الذي طلبته لك »م. ت. ف» إلا بعد عمر طويل. لن أوافق على الطلب ما لم تزرني». وكانت هذه، كما قد ينبغي أن تعرف، بداية مناسبة لرحلة أصحب فيها فاروق القدومي وعبد المحسن أبو ميزر كليهما. فاهتمام الوزير السوري بي وهو صديق لرئيسي السابق ورئيسي الحالي، جعل هذين اللذين يستثقلني كل منهما أقل جفاءً تجاهي وأكثر وداً. لن أحدّثك عن اكتشافاتي في كراتشي التي أمضينا فيها نهاراً وليلة، ولا في سيريلانكا، فهذا الجانب من آسيا عالم لا يحيط به حديث موجز. ولن أحدثك عن المؤتمر، فقد كان واحداً من المؤتمرات التي تُرى خطيرة عن بعد فإذا دنوت منها فكلام كثير يسيل بحساب وبغير حساب ثم لا يبقى من المؤتمر مما هو مهم إلا تأثير انعقاده ذاته. كما لن أحدثك عن أي معاناة مع زملاء الرحلة أو أي مسرات، فقد صرت تعرف جوّنا وما فيه مما هو مؤسٍ أو سارّ. شيء واحد يعنيني أن تعرفه وهو أن سمعة الثورة الفلسطينية بلغت حتى في هذا العالم النائي مرتبة القداسة. وقد كانت لياسر عرفات في كولومبو شهرة بين الناس لا تقل عن شهرته في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم.كان القدومي هو رئيس وفد «م. ت. ف» إلى اجتماع وزراء الخارجية الذي يسبق القمة. وكان من المفروض أن يجيء عرفات ليرأس وفد هذه القمة. وفيما نحن منشغلون باجتماعات وزراء الخارجية، اكتظت شوارع العاصمة السيريلانكية بالجمهور الذي يترقب وصول زعيم الثورة الفلسطينية. والذين وفدوا لهذه الغاية من خارج العاصمة ناموا في الشوارع . ولما لم يكن أحد على يقين مما إذا كان عرفات سيحضر أو لا يحضر المؤتمر بنفسه، فقد طلبت سلطات البلد أن نزودها بالخبر اليقين. واتصلنا بالزعيم الذي سبب اكتظاظ الشوارع بمترقبي قدومه مشكلة للسلطات، فعرفنا أنه لن يتمكن من الحضور. كانت بدايات الحرب اللبنانية الأهلية قد اتسعت في ذلك الوقت، وقد طرأ ما يرغم عرفات على البقاء في بيروت. وهكذا حلّ القدومي محل عرفات في رئاسة وفد القمة أيضاً.هنا، في سيريلانكا، تكشفت لي جوانب في شخصية فاروق القدومي لم أكن أعرفها. وهنا، أيضاً، أفضى هذا كما أفضى اطلاعه على نشاطي وأنا في إبان عمل كبير إلى تحسين صلتي بهذا الرجل. كنت آخذ على القدومي تأثر قراراته في الشأن العام بمزاجه الشخصي. وهذا مأخذ لم يسقطه سلوك الرجل لا في سيريلانكا ولا بعدها. ولو قلت لك إن عدد أعضاء الوفد الذي أحاط القدومي نفسه به كان مساوياً لعدد أعضاء وفد الصين وربما أكبر لعددت الأمر غريباً. لكن هذا الأمر كان فيه ما هو أغرب فمعظم الأعضاء أُلحق بالوفد لا لشيء إلا لأن الرجل يستطيب صحبته. وكان من هؤلاء ثلاثة أعرفهم يشركهم القدومي في أي وفد يرأسه وكل واحد من الثلاثة مدير لمكتب من مكاتب «م. ت. ف» في قارّة غير قارة آلآخر. والثلاثة كلهم كانوا أعضاء في حزب البعث في منظمة الكويت حين كان فاروق القدومي فيها ومرتبة كل منهم كانت في الحزب أعلى من مرتبته، وكلهم انتقل من البعث إلى «فتح» كما فعل هو. ويبدو أن الرجل الذي صار رئيساً لهؤلاء في «م. ت. ف» استطاب أن يستخدم سلطته ليجمعهم حوله، مرؤوسين له كلما أمكن ذلك. أما ما تكشف لي من شخصية الرجل وجذبني إليه فهو ظرفه حين يكون خارج زحمة العمل وولعه في التبسط مع جلسائه وقدرته على إشاعة الأنس دون تصنع. أتيح لي أن أعرف هذا بعد حادثة قد لا تكون ذات أهمية في حدّ ذاتها إلا أن دلالتها على حالنا هي التي لها أهمية. فقد حدث أن مراسلة لوكالة الصحافة الفرنسية لقيت واحداً تعرفه من المحيطين بالقدومي وطلبت أن يزودها الوفد بالأنباء. اسم هذه المراسلة دانيال وقد نسيت اسم عائلتها. وكانت لدانيال شهرة واسعة بالإضافة إلى شهرة وكالتها. وقد رأيت بنفسي كيف أوقف وزير خارجية الجزائر عبد العزيز بوتفليقة السيارة التي تقله في الشارع وهبط منها ليسلم على دانيال هذه ويتودد إليها. أما هذا الذي لقيته دانيال من أعضاء الوفد الفلسطيني فكان رجلاً سأسميه هنا نهّاز، ذلك أنه كان نهاز فرص لا يحلل ولا يحرم كلما تعلق الأمر بمنفعة يحصل عليها أو أذى يلحقه بخصم. وقد أحال نهاز هذا دانيال عليّ : «ستجدينه في المركز الصحافي أو مبنى المؤتمرات، ولك أن تعتمدي عليه !». ولم أشأ أن تعرف الفرنسية رأيي في نهاز، ولم أصحح انطباعها هي التي ظنت أنها تنقل إلي أمراً منه، بل اكتفيت بأن قلت لها إنها تستحق معاملة خاصة بتوجيه من نهاز أو بدونه. وأتبعتُ القول بخدمة فورية، فزودت المراسلة الفرنسية بنص كنت قد حصلت عليه للتو وكان هذا هو النص الذي اتفق وزراء الخارجية العرب جميعهم على أدراجه في البيان الختامي للمؤتمر. وفرحت دانيال بالسبق الصحافي وشكرتني.النص الذي أحدثك عنه حصلت عليه من أحد مرؤوسي القدومي، وهو واحد من ثلاثة يلعب رئيس الدائرة السياسية معهم لعبة «تريكس» الشهيرة. لاعب التريكس هذا هتف لي : «إياك أن يعرف أبو اللطف أني أنا الذي أعطاك النص !». ولما استقصيت سر الهلع الذي يرعش صوت المتحدث، جاء الإيضاح: «رئيس الدائرة ثائر لأنك أعطيت النص للصحافة، فتلق وعدك وحدك، ولا تفضحني !». التقت الفرنسية نهاز وامتدحتني أمامه ونوهت بما فعلته من أجلها. فاستاء نهاز الذي يسوؤه أن يُذكر أيما أحد بخير، وتوجه إلى القدومي بهيئة المحبط: «لنحزم حقائبنا ونرجع من حيث جئنا، خرّب فيصل ما عملناه لأنه أراد أن يتودد إلى امرأة !». وفي هذا النحو، أمعن نهاز في تحريض رئيسه علي، وقال إن نشر النص قبل اعتماده من القمة يوفر للأمبريالية فرصة الاطلاع عليه فيمكنها من العمل لمنع اعتماده، وهكذا: «ضاع جهدنا وضاعت القضية، كشفنا خطتنا أمام الامبريالية واستنفرناها ضدنا». ولم يكن لنميمة بهذا المنطق المتهافت أن تحرض أيما مسئول لو لم يكن المسئول هو هذا الذي أحدثك عنه. وقد استجاب القدومي للتحريض، وأغلب ظني أنه تصور فعلاً أن الأمبريالية صارت بالمرصاد وأني أنا الذي زودتها بما يمكنها من النجاح، فسخط عليّ، وثار، وهدد، وتوعد. وما أن عرفت هذه الحكاية حتى بادرت من جانبي إلى الاتصال بالقدومي: «الحمد لله، أنت حيّ ! إذن، لم تقض أمبريالية نهاز عليك». بدأت بهذا، فأرغمت الساخط عليّ على الإصغاء، وأمعنت في السخرية: «تصور ! عشرون وزير خارجية عرب يجتمعون في كولومبو فلا تعرف الأمبريالية ما الذي انتهوا إليه. تصور، الأمبريالية بجبروتها احتاجت إليّ لتعرف ما الذي جرى وتحبطه !». وبسخريتي: ملكت انتباه القدومي بكامله، وأضفت: «من الذي يجهل أن أمبريالية كل واحد من هؤلاء موجودة معه في جيبه حيث يمكن أن تسجل ما يقوله أو يسمعه». صورة الأمبريالية التي في جيب كل وزير خارجية ومعها آلة تسجيل أطربت القدومي فانحل سخطه وجلجلت ضحكته عبر السماعة: «لعنة الله عليك يا نهاز !». بعد تسوية المشكلة على هذا النحو، دعاني فاروق القدومي إلى حضور احتفاله بعيد ميلاده الذي حلّ أثناء انعقاد المؤتمر. وفي الاحتفال، تكشف لي الوجه الذي أجهله من شخصية الرجل. فقد ضمنا الجناح الذي يقيم فيه في الفندق الفاخر، وهو الجناح الذي كان مخصصاً لإقامة عرفات إلى جانب أجنحة رؤساء الدول. وبعد أن صفيتُ حسابي مع نهاز بحضور الجميع وسمع هذا مني ما يستحقه، أخرج فاروق القدومي شبابته «ناي القصب» من حقيبته الدبلوماسية، وعزف، وغنى، وارتجل رجزاً خص كل واحد منا بمقطع منه، فإذ أنا أمام رجل يعرف كيف يمرح ويجتذب جلساءه إلى المرح ويسعدهم. ومنذ ذلك الوقت، ظل يسعدني أن أظفر بالقدومي في أي مناسبة تظهر هذا الوجه من شخصيته.بعد انقضاء المؤتمر، جلت في أسواق كولومبو مع أمثالي من فقراء أعضاء الوفد. يومها اشتهر من أنباء التسوق أن السيدة جيهان زوجة الرئيس المصري أنور السادات اشترت جوهرة قيل إن ثمنها بلغ خمسة وسبعين ألف دولار. وفي معرض التهوين من دلالة المبلغ، قيل أيضاً إن هذه لم تكن أغلى جوهرة اشتراها المتسوقون العرب. أما أنا فاشتريتُ دمية ثمنها ثلاثة دولارات. وكانت هذه دمية خشبية لراقص سيريلانكي صُممت بحيث تتحرك تلقائياً كلما هززتها، فاشتهيت أن أفرح بها بناتي. ولأني أعتزم الذهاب إلى موسكو، وليس إلى دمشق، وقد أبقى طويلاً في موسكو، فقد جئت بالدمية إلى صديقي محمود الخالدي ممثل «م. ت. ف» في سوريا ليحملها معه إلى أسرتي. وكان محمود قد أتم حزم حقيبته وأقفلها وعندما فتحها اتضح أن لا مكان للدمية فيها. وشاء الرجل أن ينحي بعض حاجاته، فأبيت أنا. وفيما نحن نتجادل، وصل إلينا عبد المحسن أبو ميزر، فعرض دون تردد: «أنا آخذ الدمية». وفهمت أنا بالطبع أن رئيسي هذا يعرض حمل الدمية إلى أسرتي وفاجأتني أريحيته، وشكرته. غير أن مفاجأة أخرى ما لبث أن صدمتني. فقد تسلم عبد المحسن الدمية بعناية وتفحصها بأناة ثم أخرج حافظة نقوده وسألني: «كم ثمنها؟». عندها، فقط، أدركت أن الرجل يريد الدمية لابنته ولم يشغل باله أني اشتهيتها لصغيراتي. وقبل أن ينفجر حنقي أنا، انفجر محمود: «هذه دناءة». فلم يستح المستهدف بهذه الشتيمة، بل طوى حافظته وأعادها إلى جيبه وراح يراقب محمود وهو يعالج حقيبته كي تتسع للدمية، ولم يخف رغبته في أن تضيق الحقيبة بها.عندما خططت أن أتوجه إلى موسكو من كولومبو، لم أنتبه إلى أن خط الرحلة يعيدني إلى الشرق الأوسط، ولو انتبهت إلى هذا، رجعت مع أصحابي الى دمشق في رحلة الخطوط الجوية الباكستانية المريحة. إنني ضعيف في الجغرافيا، كنت وبقيت. وهكذا، توجب أن أنحشر في طائرة ايرفلوت السوفييتية المكتظة بالركاب والحوائج وأطير طيلة الليل، أنا الذي لا يستطيع أن ينام أثناء أي رحلة. وفي الصباح الباكر، وصلت إلى مطار موسكو مهدود القوى وقد برّحت بي آلام الظهر. وكنت أتوقع أن أجد سعيد مراد في انتظاري. إلا أني لم أجد أحداً.وفي الصباح التالي، استقبلني في وزارة الصحة الموظف الذي أحيل إليه طلب علاجي، وقال الرجل وهو ينتقي كلماته: «زكّاك محي الدينوف وأنا أعرفه واحترمه وأريد لك أن تظفر بأفضل علاج، فاسمعني جيداً !». فأصغيت بانتباه، فعرفت أنهم سيحيلونني إلى مكان للعلاج لا يحال إليه الأجانب في العادة، «وهو أفضل مكان لمعالجة مرضك». ولم أفهم لماذا يبدو محدثي متردداً ما دام الأمر كذلك، لكن سرّ تردده سرعان ما اتضح: «لن تكون إقامتك في هذا المكان مريحة، أما العلاج فأنا أضمنه، والقرار لك». استقبلتني طبيبة حفظت اسمها للتو ثم لم أنسه بعد ذلك أبداً على غير عادتي مع الأسماء. إنها ايدا بافلوفنا. وكانت هذه سيدة تخطت الأربعين ولها حضور قوي ولسان فصيح. درست الطبيبة أوراقي قبل أن أجيء إليها. وفي حجرة المعاينة، أجرت من بدا لي أنها مهتمة بحالتي فحصاً سريرياً متأنياً، ثم أكدت أن حالتي معروفة وكل ما في الأمر أني تأخرت طويلاً في علاجها: «لم أر قبل الآن مريضاً أهمل علاج داء بختييرف تسع عشرة سنة. إن هذا يجعل فرصة الشفاء متعذرة، لكني آمل في أن نتمكن من فعل شيء يوقف نمو المرض». ثم أجرت الطبيبة حواراً مع مرافقي لم يترجمه لي وبعدها وجهت خطابها إليّ : «معهدنا ليس مستشفى، والحجرات المخصصة للمرضى قليلة، وليس عندنا حجرة نخصصها لك وحدك، ستقيم عندنا في حجرة فيها ستة أسرة وهي مشغولة باستمرار، وأنا أخشى أن يضايقك هذا الوضع». فقلت محاولاً كسر الشكّ : «ليس المكان، بل هو العلاج ما يعنيني». ولم تؤخذ هي بقولي، بل أجابت: «كلهم يقول هذا في البداية، لكنك ستجيء إليّ وتشكو. أنا طبيبة وبهذه الصفة أقول لك: مكانك هنا، وقد قيل لي إنك صحافيّ، فأخشى أن تتصور أن بلادنا تفتقر إلى مستشفيات ملائمة، فاعرف، إذن، أن عندنا مستشفيات أفخم من الفنادق الفخمة، وهذه هي التي يأخذون إليها الأجانب». وأردت أن أقاطع المتدفقة في شرح لا لزوم له، غير أنها أشارت إلي أن اصمتْ، وأكملت: «لن أخفي عليك رأيي في أن الذين يفضلون العمل في تلك المستشفيات هم أطباء انتهازيون، هؤلاء يتعاملون مع المريض بما يريحه لا بما يوجبه الطب...».امتدّ الحديث على هذا النحو مع أن مراميه وضحت منذ بدايته. فقطعت حديث الشيوعية بفظاظة: «ليس من حقك أن تعديني في المترفين أو المفسدين، ولك أن تعرفي أني كنت حافياً وأنا في سنّ العاشرة». فتبدّلت نبرة محدثتي المتشككة: «هذا يكفي، ولك أنت أن تعرف أننا نعرف هنا حال شعبك ونتعاطف معه».أدركت طبيبتي التي ضمتني إلى حجرة الأسرّة الستة أني مريض صبور، ولاحظت أن ما أشكو منه فعلاً ليس سوء الإقامة في حجرة مكتظة بل طول أوقات الفراغ. ففقرات العلاج، وكله فيزيائي، رياضة، ومساجات، وطيف كهربائي، وما إلى ذلك، كانت خمس فقرات أو ستّاً كل يوم، وكانت كلها تنتهي في الواحدة أو الثانية بعد الظهر، ثم يمتد وقت فراغ إلى الصباح التالي. ولم أجد بين المرضى أو الممرضات من يتحدث غير الروسية التي لا أعرف منها سوى ثلاث كلمات: سباسيبا، وخرشو، وبلوخا، أي : شكراً، وحسن، وسييء. وقد حلّت إيدا بافلوفنا بعض المشكلة بأن هدتني إلى قاعة المطالعة في المكتبة. وجلب سعيد كتباً. فصار بإمكاني أن أقرأ حتى السادسة مساءً موعد إقفال هذه المكتبة. تم حلّت السيدة المتفهمة بقية المشكلة فأعطتني مفتاح حجرة مكتبها لأستخدمها متى أشاء بعد انصرافها. فصار بإمكاني أن أواصل المطالعة أو أكتب دون إزعاج. وفي هذه الحجرة، كتبت مسودات الفصول الأولى من روايتي الثانية: «بير الشوم» حفزني على كتابتها الأحاديث التي كنت أتبادلها مع ايدا بافلوفنا، كلما تسنى لنا مترجم وتسنى لها هي وقت فراغ، عن حال الشعب الفلسطيني. أما مشكلة الحوار مع نزلاء المعهد من المرضى، هذا الحوار الذي تتيسر لهم فرصه بين فقرات العلاج وفي استراحة الغداء وفي يومي العطلة الأسبوعية، السبت والأحد، فلم تلبث هي الأخرى أن ظفرت بحلٍ لها، وما كان أحسنه من حلّ ! ففي أول يوم أحد تلا دخولي المعهد، كنت أتشمس في الحديقة حين تقدم اثنان من المرضى ناحيتي، سيّدة شابّة لها وجه جميل وفي نظراتها وعود، ورجل متوسط العمر لوجهه ملامح مستقرة تشي بقوة شخصية وقامة عملاق. أدرك الاثنان أني أجنبي لا يعرف لغة البلد فاتخذا المبادرة إلى التعارف، وكانا كلاهما يتحدثان الإنجليزية. قالت السيدة: «أنا اليانورا أدرّس اللغة الإنجليزية في مدرسة مسائية. وقال الرجل : «أنا بيوتر، أمثّل البيروقراطية السوفييتية التي أتمنى أن لا تكون لديك فكرة عنها حتى لا ترفض صحبتي». وكان هذا موظفاً في قسم العلاقات العامة في وزارة التجارة الخارجية. وبوجود اليانورا وبيوتر وتعاونهما أو تناوبهما على مساعدتي، انفكّت عزلتي ووجدت طريقي إلى المرضى الآخرين وانهمكت في همومهم ومساراتهم، وكم كان هذا كلّه ممتعاً !في هذه الأثناء، وصل خالد بكداش إلى موسكو وهتف لي : «بودي أن أزورك، لكن بماذا تنفعك الزيارة، أنا أفكر بشيء أفضل، فترقب مفاجأة!». ولم يطل ترقبي. ففيما المرضى على وشك أن يبرحوا الحديقة ليعدوا أنفسهم لتناول العشاء، عبرت بوابة الدار الكبيرة سيارة تشايكا سوداء، وهبط منها رجل عليه مهابة ذوي السلطة. وفيما المرضى يتبادلون الآراء حول سر زيارة السيارة الرسمية والرجل ذي المهابة، فوجئ الجميع وأولهم بيوتر واليانورا بظهور سكرتيرة المديرة العامة للمعهد في الحديقة واصطحابها إياي إلى حجرة رئيستها. أما حين رآني هؤلاء أرجع ليس إليهم بل إلى السيارة فلا بد من أن هذه المفاجأة أذهلتهم. وفي فندق الحزب الشيوعي حيث يقيم خالد بكداش، ظفرت بصحبة الرجل الكبير وكرم روحه وحفاوته، كما ظفرت بالوجبة التي انتقى هو أطباقها ومشروباتها فاشتملت على ما لا يقع مثلي عليه إلا في هذا المكان. وقد سألني بكداش عما إذا كنت بحاجة إلى مساعدته. ولما أجبت بأني لا أريد أن أتعبه، قال الرجل الفطن : «أعرف البيروقراطية السوفييتية أكثر منك، وأعرف تعقيداتها، فإن كانت لديك مشكلة فحدثني عنها، لا تتردد !». وكانت ثمة في الواقع مشكلة. فقد كنت بحاجة إلى مصح فيه مياه معدنية أستكمل فيه العلاج الذي بدأ في المستشفى. وأفضل مصحات المياه المعدنية موجود في الجنوب على شاطئ البحر الأسود في مدينة سوتشي. وكانت طبيبتي قد أنبأتني بأنهم لم يفلحوا بعد في حجز سرير لي هناك. رويت هذا للمحتفي بي، فقال هو : «أنا أذهب أيضاً إلى سوتشي حين أحتاج إلى علاج. الطلب شديد على المصحات، لكن لا تقلق !».