عندما غادرت منصبي كان بامكاني ان اترك لخليفتي وثيقة واحدة فقط موضوعة في خزنة مجلس الامن الوطني: نسخة غير سرية من اتفاق كامب ديفيد، هذا ما قاله روبرت هانتر المسئول عن الأمن القومي في ادارة جيمي كارتر. هانتر أراد تفسير جوهر تبدل الحكم في الادارات الأميركية من خلال ذلك، اذا انتهى الحكم - فستنتهي السياسة المتبعة. كونداليزا رايس في المقابل لا تستطيع ان توجه انتقادات لأي أحد واتهامه بفقدان الذاكرة السياسي. مستشارة الامن القومي كانت من ضمن طاقم مجلس الامن القومي في عهد جورج بوش الأب إبان حرب الخليج قبل استقالتها وانتقالها للعمل في مناصب اخرى من بينها رئيسة مجلس ادارة شركة النفط شبرون. وحتى اذا كانت قد التفت في فترة خدمتها في وظيفتها السابقة على دراسة الفصل المسمى العراق كانت مسئولة عن شئون الاتحاد السوفييتي وروسيا، فقد كان بامكانها الاستعانة بخدمات برنت سكوكروفت، مستشار الامن القومي، المعطاءة في عهد بوش الأب. سكوكروفت حذر في الاسبوع الماضي من الهجوم على العراق لان ذلك قد يتسبب بحرب ياجوج وماجوج على المستوى الاقليمي، كما يقول. ولسنا مضطرين للتأثر بنصائح مستشار الامن القومي السابق، ولكن ليس من نافل القول استذكار الامور التي قالها قبل ثلاث سنوات في مقابلة مع صحيفة الشرق الاوسط العربية: علينا ان نكون أكثر صبرا في ردود فعلنا على صدام، من الأفضل ان نتذكر انه رغم كونه طرفا خانقا وعكرا يتسبب في احباط الجميع، الا انه لم يعد يشكل تهديدا جوهريا على أمن المنطقة. طالما ضمنا عدم استطاعته تسليح جيشه خصوصا بسلاح الابادة الجماعية فاننا نكون قد حققنا هدفنا. المسألة ليست اذا كان سكوكروفت قد صدق في قوله أم لا، سابقا وحاليا، وانما في عملية اتخاذ القرارات في الادارة الأميركية.الحركة الداعية لشن الحرب على صدام لم تبدأ في الاسابيع الاخيرة. فمنذ حرب افغانستان ووزير الدفاع الأميركي يتحدث عن ان العراق هو التالي، وبعد طرح بوش على العالم مصطلح محور الشر الذي وضع فيه ايران وكوريا الشمالية مع العراق في رزمة واحدة لدرجة بدا فيها انه رئيس يمسك في قبضته ببطاقات الدخول لمدينة الملاهي ويقوم في كل مرة بفحص الألعاب التي لم يقفز اليها بعد. ولم يعد من الممكن الآن ان نعرف اذا كانت الحرب ضد العراق ستشن لان بغداد متهمة بالضلوع في الارهاب «الاتهام الذي لم يعد البيت الابيض حتى يردده» أم لانه يملك سلاح الابادة الجماعية» «ادعاء يوجد انقسام في الآراء حوله» أو لاسباب اخلاقية - بسبب طغيان صدام ضد أبناء شعبه كما تقول رايس الآن. من المحتمل ألا يكون الجواب الحقيقي على هذا التساؤل غير موجود بالمرة في هذه الاسباب المذكورة، وانما في ان الولايات المتحدة قد حبست نفسها في الاشهر الاخيرة في معركة حول شرفها ومكانتها الاعتبارية. اذ كم هي الفترة التي يمكن للرئيس فيها ان يبشر ويحذر ويسرب ويعد الجمهور للحرب وألا يخرج اليها في نهاية المطاف؟ اذا كان طرد صدام هو مسألة حرجة الى هذا الحد فلماذا انتظر بوش حتى الآن، ولماذا بدأ البيت الابيض يتحدث الآن عن الخريف القريب باعتباره موعدا محتملا؟، واذا كان التهديد الصدامي غير كبير الى هذا الحد فربما كان من الأفضل البحث عن طرق اخرى؟ أوليست محاولات ابعاد صدام قائمة منذ 12 سنة، فما الذي يدفع للاستعجال الآن؟ هل المسألة عبارة عن فرصة ضائعة للادارة الأميركية أم ان هذه الحرب مسجلة، ببساطة، في دفتر المواعيد؟ لقد كان من الجيد طبعا لو ان صدام سيرحل من نفسه أو سيقوم أحد بترحيله. والحكم في اسرائيل ايضا ليس دائما محببا لقلب الادارة الاميركية، واذا كانت الادارة الامريكية تعاني من طاقة زائدة قتالية فلماذا لا توجه لصنع السلام في المنطقة مثلا؟ أوليس من الصحيح التقدير ان السلام بين اسرائيل والدول العربية سيضعف من تهديد صدام أو يعزز مكانة واشنطن على الأقل في المنطقة التي لم يبق لها فيها أصدقاء كثيرون حتى لمناوشة عدو مشترك مثل صدام حسين؟ عن «هآرتس»