يعكس الشكل الذي جاء عليه رد فعل رئيس الوزراء على تقرير مجلس الامن القومي، والذي كان رفع له يوم الاربعاء الماضي، بشكل لا نظير له في جلائه الاخفاق الأساسي في ادارة شئون الدولة، والذي تشير اليه الوثيقة: فاريئيل شارون أبلغ الصحافيين بأنه لا يعتزم البحث في التقرير وأنه في كل الاحوال لا يعتزم الأخذ بتوصياته. هكذا يقول رئيس الوزراء على وثيقة انكب عليها طاقم غير صغير من الاشخاص لأكثر من سنة، اندرجت مهمة اعدادها في قرار حكومي اتخذ في 7 مارس 1999 والقاضي بانشاء مجلس للأمن القومي، وبالتالي فان مضمونها جدير على الأقل بالاطلاع والبحث ان لم يكن بالاحترام. لقد عقب شارون كمن يرى في التقرير عملية تخريبية كبرى، وليس تحديا فكريا واداريا لسياقات اتخاذ القرارات في قيادة الدولة، وهذا ليس مفاجئا، ذلك ان الوثيقة ترسم أنماط عمل رؤساء الوزراء وتضع أمامهم نموذجا آخر ليس مريحا لهم وغير معتادين عليه. ودون ان تقال الامور صراحة في التقرير يتبين منه عادة ادارية، يتشارك فيها معظم رؤساء الوزراء، تقوم على أساس الحدس، الاعتماد على انفسهم، الاستناد المتفرد على استخبارات أمنية دون نتائج تقويمية سياسية واجتماعية واقتصادية، تفضيل الادارة الجارية على القرارات الحاسمة المبدئية، وايلاء اهتمام أساسي للبقاء السياسي. وعمليا يصل رؤساء الوزراء الى منصبهم دون ان تكون لهم خطة مركزية، صحيح انهم مفعمون بثقل المسئولية الملقاة على عاتقهم ولكنهم يمتنعون عن اشراك غيرهم في تردداتهم حول الشكل الذي يتعين عليهم اتخاذ خطواتهم فيه. فالخوف من انكشاف ضعفهم يدفع رؤساء الوزراء الى ادارة شئون الدولة بشكل مركزي متطرف، حين يوفر المجلس الوزاري والحكومة الزينة لطريقة الحكم السليم المزعوم، فرؤساء الوزراء لا يعرضون على المجلس الوزاري برنامجا للبحث بل صيغ للقرار، فيما تكون وجهتهم هي ضمان حكمهم. وضد طريقة الادارة هذه تقف بالتحدي الوثيقة التي وضعها عوزي ديان الذي يوشك على الاستقالة بعد نحو اسبوعين من رئاسة مجلس الامن القومي، ودون الانشغال هنا بجوهر توصيات ديان - فان هناك من سيرى فيها اقتراحات عبثية وهناك من سيعتقدون بأنها مظهر نادر لحكمة قوتها في بساطتها - تشخيصاته الأساسية هي المقررة، ويسعى طاقم ديان الى اجبار رئيس الوزراء واعضاء الحكومة على النظر الى الدولة واحتياجاتها من زاوية نظر شاملة، واجراء تكامل للقرارات الموضعية التي يتخذونها والى الفهم بأن كل واحد منها يؤثر على غيره، ان «تقويم وضع الامن القومي» يذكر القيادة السياسية بوجود تأثير متبادل بين الوضع الامني، السياسي، الاقتصادي والاجتماعي، وهو يدعو الوزراء الى هجر عادتهم في معالجة المشاكل الملحة من زاوية نظر قطاعية أو شخصية، والاعتياد على توصيف المشاكل الأساسية للدولة، وتشخيص أهدافها، وتحديد سلم أولويات وبلورة خطة عمل لتحقيقها. ولغرض تجسيد الامر بالملموس، فان التقرير يوصي بحسم النزاع مع الفلسطينيين على أساس الاعتراف بوجوب الحفاظ على الهوية الصهيونية للدولة، وترسيم حدودها الآن ومراعاة موازين القوى الديمغرافية بين اليهود والعرب في المنطقة الواقعة ما بين النهر والبحر. ديان وطاقمه (مع واضعي التقرير يندرج مندوبون عن وزارات حكومية غير قليلة وكذا مستشارون اكاديميون، ومن الخدمة العامة ومن القطاع الخاص) يحذران من اقتراح حل معين للمواجهة مع الفلسطينيين، ولكنهما يحثان رئيس الوزراء وزملائه على التفكير في المشكلة بتعابير الحسم بين البدائل الأساسية، وشارون لا يستطيب التقرير وليس فقط لانه يثور ضد اساليب عمله بل وايضا لانه يحثه على الحسم في مسائل يتملص من حسمها منذ انتخابه. ان القرارات المصيرية التي اتخذها رؤساء الوزراء في اسرائيل في الثلاثين سنة الاخيرة ـ من حرب 1973 وحتى اقامة جدار الفصل ـ انبعثت بالاسلوب القائم، والنتائج العسيرة للكثير منها تجعل رد فعل شارون المستخف بالتقرير مثابة الوقاحة. عن «هآرتس»
