يتحدث الكاتب الفلسطيني فيصل حوراني في كتابه الذي ننشره على حلقات «دروب المنفى ـ 5» عن فترة مهمة من تاريخ العمل السياسي الفلسطيني في لبنان وسوريا، وهي الفترة التي تلت حرب الايام الستة عام 1967 وما كان لهزيمة العرب القاسية فيها من تأثير على عمل المنظمات الفلسطينية. يتميز هذا الكتاب بأسلوب مؤلفه المشوق وثراء معلوماته وقد سبق لفيصل حوراني المقيم الآن في العاصمة النمساوية فيينا ان نشر الاجزاء الاربعة الاولى من هذا الكتاب والذي تحدث فيها عن مراحل سابقة لتلك التي يتعرض لها في هذا الجزء. إذا بمقدور ياسر عرفات أن يواجه جبهة الرفض ويهمل تأثير العراق الرافض للتسوية، فإنه لم يستطع تجاهل الموقف السوري وتأثيره كما لم يستطع مجاراة الموقف المصري بعد أن أظهر السادات تهاوناً غير مسبوق وتضاءلت شعبيته بين الفلسطينيين. وقد أدرك عرفات أن معركته داخل الساحة الفلسطينية هي معركة مقاومة التأثير العربي غير المواتي لسياسته فيها. ولما كان من المتعذر تنمية هذا التأثير، فقد صار لابدّ من اجتذاب المرتكنين إليه إلى هوامش مشتركة مع «فتح» وحلفائها. والحقيقة أن عرفات استثمر إلى أبعد الحدود ميل جمهور الأرض المحتلة نحو التسوية ليضغط على معارضيها في الخارج. ومن هنا، أحاط عرفات المبعدين الثمانية برعاية غير مسبوقة وعمل على تكريسهم متحدثين باسم هذا الجمهور وقادة له ليستفيد من هذه المكانة. وفي سياق الاستثمار المقصود، نظمت للمبعدين جولات متصلة أشرف عرفات بنفسه على إعداد تفاصيلها وأُتيح لهم أن يواجهوا مجموعات الشتات الفلسطينية في كل مكان أمكن الوصول إليه ويحاوروها. كما نظمت للمبعدين زيارات رسمية لعدد من العواصم العربية ليحاوروا المسئولين وقادة الرأي فيها. ثم جاء وقت تتويج جهود المبعدين بزيارة إلى مصر. وقتها، رنّ الهاتف المبكر: «الختيار يدعوك إلى الفطور». وقال أبو عمار في خلوتنا كلاماً موجزاً ومستقيماً : «مصر هي أهم محطة في جولة المبعدين، وأنت تعرف مصر جيداً، ولك فيها صلات مؤثرة، فلا بدّ من أن ترافقهم !». وعندما قرأ عرفات في ردّ فعلي ترددي، ظن أني أستصغر المهمة. وكان هذا الظن في الواقع صحيحاً، فقال قاطعاً عليّ طريق الاعتراض: «أنت عندي أهم من أي واحد منهم، وأنت لا تهتم بالشكليات. نريد أن نكسب الإعلام المصري، ولا أجد لهذه المهمة من هو أكفأ منك إلا واحداً هو ابن عمك عبد الله وقد عرضتها عليه فرضها لأنه يهتم بالشكليات، فلم يبق سواك». ووضعت شرطاً وحيداً: ألا يتدخل أحد فيما ما سأفعله لجعل الزيارة ناجحة. فأصدر عرفات تعليماته بأن أكون أنا المسئول عن زيارة الثمانية إلى القاهرة وتنظيم برنامج الزيارة، وطلب إبلاغ التعليمات إلى قيادة إقليم «فتح» في مصر كي تقوم بما يلزم لتسهيل المهمة. وقتها، كان صديقي أبو الهول قد ترك هذا الإقليم وصار معتمداً لإقليم «فتح» في لبنان قبل أن يصير عضواً في اللجنة المركزية وحلّ محله في القاهرة معتمد لا تربطني به إلا معرفة بعيدة. ويبدو أن إيلائي، أنا غير الفتحاوي، مسئولية الزيارة قد ساء هذا المعتمد. فعندما وصلنا إلى مطار القاهرة ، لم نجد في استقبالنا إلا بعض معاوني المعتمد الثانويين. أما من المصريين فكان في استقبالنا في المطار المسئول عن الشأن الفلسطيني في المخابرات العسكرية العقيد إبراهيم الدخاخني. وكان من السهل أن أستخلص سبب هذا المستوى غير اللائق من الاستقبال: غاب معتمد «فتح» لأنه مستاء، وأبلغ إلى الجهات الرسمية نبأ الزيارة بما يقلل من شأن الزوار. ثم اتضح أن مكتب «فتح» لم يفعل أي شيء عدا هذا، فلم يحجز فندقاً ولا أحضر سيارات ولا أبلغ نبأ الزيارة إلى أي جهة سياسية. وهكذا، توجب علي أن أباشر كل شيء بنفسي وأبدأ من الصفر.كنت أعرف مصر حقاً معرفة جيدة وكنت أعرف، أيضاً، ربعي. وما أسهل ما عوّضت بعض قصور الذين تعمدوا التقصير إلى أن أرغمتهم على تدارك ما بقي منه. تدبرت أمر الفندق وأنا بعد في المطار. وجلب العقيد الدخاخني سيارات من إدارته القريبة فحملتنا إليه. وما أن حللنا في الفندق وذهب أصحابي إلى استلام حجراتهم حتى اتصلت بإحسان بكر محرر الشئون الفلسطينية في «الأهرام»، فخفّ الصديق المصري الذي يعُدّ نفسه فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين إليّ. وفي الصباح التالي، صدرت جريدة «الأهرام» التي يقرؤها أكثر من مليون مصري وفيها نصف صفحة كاملة عن الزوار والزيارة وأهميتهم وأهميتها. فتراكض صحافيو مختلف المؤسسات الإعلامية إلى الفندق، ولم يبق علي إلا أن أختار الذين يستحقون مقابلة زعماء الأرض المحتلّة وأذبّ الآخرين. كانت «الأهرام» دولة للصحافة وحماسها للزيارة تحمست لها الدولة المصرية كلها. وهكذا، ازدحم البرنامج : لقاءات مع رئيس مجلس الأمة الدكتور سيد مرعي وأعضاء الحكومة الرئيسيين كلهم وقادة المنابر السياسية، واجتماعات عمل مع مختصين، وحوارات مع مفكرين، وموائد تكريم، ومقابلات مع الصحف والإذاعات والتلفزيون، وما إلى ذلك، اهتمام. وحفاوة وتغطيات إخبارية لهذا النشاط كله مثيرة ووافية.وفي هذه الأثناء، تحدد موعد اللقاء الذي طلبناه مع الرئيس السادات. سأتعبك كثيراً لو رويت التفاصيل. ولكني سأروي وقائع اللقاء مع ممدوح سالم وهو من كان آنذاك نائباً لرئيس الحكومة ووزيراً للداخلية، وصار بعد ذلك رئيساً للحكومة. كانت وزارة الداخلية منهمكة في الصراع المديد مع طلبة جامعات مصر المعارضين للسلطة الساخطين على ما يعدّونه تهاوناً منها إزاء إسرائيل وتبعية للولايات المتحدة. وكان لعضو مجموعتنا عبد الجواد صالح ابن، هو صالح، يدرس في القاهرة وقد انهمك في نشاطات الطلاب ضد السلطة، فأبعدته وزارة الداخلية عن مصر. وشاء عبد الجواد أن يراجع الوزير بشأن ابنه ليظفر للابن بإذن بالقدوم إلى مصر ليؤدي امتحانات الجامعة. وآثرت أنا الانتظار إلى أن تلتقي المجموعة كلها الوزير حيث من الأفضل أن يطرق الموضوع واحد منها غير الأب. والواقع أن ممدوح سالم لم يحوجنا إلى أي مناورة، فهو الذي طرق الموضوع بنفسه : «إزيّك يا أبو صالح، وازّي صالح»، فرد عبد الجواد بنبرة برمة : «صالح زي أبوه. أبعدت إسرائيل الأب، وأبعدت مصر الابن». وكانت هذه مقارنة من شأنها أن تسخط أي مسئول، غير أن الوزير المصري ابتسم ابتسامة المتفهم: «صالح ولد جدع، بس هو زوّدها حبتين، وعلى كل حال حقك وحقّه علينا». قال ممدوح سالم هذا ثم أبلغ إلينا أنه وقّع لتوه على قرار يأذن لصالح بالعودة إلى مصر وتأدية الامتحانات. وفي الليلة التي سبقت لقاءنا مع السادات، وصل ياسر عرفات إلى القاهرة، فخففنا إليه واحتشدنا حوله في الشقة الصغيرة. كان أصحابي مبهورين بالاستقبالات التي حظوا بها في مصر، فكانت أساريرهم منبسطة وأمزجتهم رائقة، ولم يفتهم أن ينوّهوا بجهودي. وشاء عبد المحسن أن يسجل نقطة لصالحي ما عددته أنا بمثابة رشوة قد أطالب منه بما يقابلها، فقال أمام عرفات: «بذل فيصل جهداً مشكوراً»، وهمّ بإضافة شيء، غير أن عرفات قاطعه : «جهد مشكور ؟ بس ! حصلتم على اهتمام لا أحصل أنا نفسي عليه، وتقول مشكور، بس !». وبمعرفتي بعرفات، أدركت أن عبارته هذه تنطوي على شيء من السخط، فكأنه أراد أن يقول إني ذهبت إلى أبعد من المطلوب. وما أعجب شأن عرفات حين يتعلق الأمر بأضواء الإعلام، فها هو الشأن الفلسطيني قد ظفر باهتمام إعلاميّ استثنائي تمّ بمعنى ما، بناءً على طلبه فلا بد أن يسعد به وأغلب ظني أنه سعد به حقاً، وها هو بالرغم من هذا ساخط لأن الاهتمام تركز على سواه ! في الفندق، قلت لأصحابي إن نتائج اللقاء مع السادات هي التي ستقرر ما إذا كنتم قادة يتحدثون باسم الأرض المحتلة أو مجرد زوار يجيئون إلى القصر الجمهوري للتحية. وأرغمت أصحابي إرغاماً على وضع خطة مفصلة لسلوكهم في اللقاء. وقد اتفقنا على أن يشرح عبد الجواد صالح الوضع في الأرض المحتلة وما تتعرض له على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي وما تتوق إليه وتنشده من مساندة مصرية. كما اتفقنا على أن يتسلم عبد المحسن الكلام بعد عبد الجواد فيوجز التصور الفلسطيني لبنود التسوية السياسية المقبولة : انسحاب إسرائيل من الضفة والقطاع والحمة المحتلة وممرات تصل المناطق الثلاث هذه بعضها ببعض، والدولة المستقلة، وعودة اللاجئين والتعويض. وخططنا أن يختم عربي عواد الحديث فيأتي إلى ما يأخذه جمهور الأرض المحتلة على السياسة المصرية وتوجهها نحو استرضاء الولايات المتحدة واستبعاد الاتحاد السوفييتي وما إلى ذلك مما صرت تعرفه. وتوقفنا طويلاً عند العبارة التي ينبغي أن يستخدمها عبد الجواد صالح في مفتتح الكلام وما توجبه طبيعة اللقاء من مجاملات. وانتهينا إلى الاتفاق على نص العبارة. وقد احتفظت ذاكرتي بهذا النص لطول ما تناقشنا حوله وكثرة ما رددته مع عبد الجواد وقتها حتى يحفظه عن ظهر قلب فلا ينقص منه ولا يزيد عليه : «جمهور الأرض المحتلة يثمن تضحيات الشعب المصري وبطولة جيشه الذي عبر القناة بقيادتكم». كان علينا أن نجيء إلى مقرّ إقامة الرئيس السادات في الجيزة في العاشرة صباحاً. وكان معتمد «فتح» قد تعهد إحضار السيارات التي ستنقلنا. لكن الموعد أزف دون أن تحضر السيارات أو يظهر أي معتمد. فصار لا بدّ أن أبادر. وهكذا، وصلنا المقرّ الرئاسي في قافلة من ثلاث تاكسيات. وتوجب أن نقدم إيضاحات كثيرة لحراس الحاجز الأمني الذي يسدّ مدخل الشارع القصير المفضي إلى المقر. فأذن لنا أن نعبر الحاجز على أن نتوجه إلى المحرس القائم قبيل مبنى المقر مشياً على الأقدام. وهكذا، بدونا من أول أمرنا مراجعين وافتقدنا المهابة اللازمة للزوار ذوي الأهمية. وعند المحرس، استوقفنا حرّاس آخرون وتكررت الأسئلة والإيضاحات. وقبل أن نبلغ مدخل المبنى الذي يقصده استوقفنا رجال أمن بملابس مدنية يشغلون ما يشبه أن يكون مكتب دخول، وأصر هؤلاء على أن نشرب الشاي بصحبتهم، واحتفوا بنا. نحن الفلسطينيين الجدعان حسب تعبيراتهم، بأن رفعوا الكلفة. وعندما أمكن أن نلج أخيراً مدخل القصر الذي يقيم فيه الرئيس اقتادنا موظفو مراسم إلى حجرة منعزلة وأحضروا مزيداً من الشاي. وهنا، توجب أيضاً أن ننتظر ولم نتسقط أي نأمة تشي بأننا سنظفر باللقاء الموعود. وكنّا نشرب الدورة الثالثة أو الرابعة من أكواب الشاي حين التقطت آذاننا جرس حركة هابطة نحونا من الدور العلوي للقصر وميّزنا صوت عرفات وصوت السادات. فتعجل أصحابي تنحية أكواب الشاي التي لم يتموا شربها ووقفوا كما يقف جنود أقبل عليهم جمع جنرالات، وتهيئوا للقاء، وانصبت نظرات العيون على مدخل الحجرة، فيما سكن الصمت والترقب جوّها. وعندما دنت الخطى واشتد اللغط، اشتد التنبه واشتد معه تصلب الأجساد المنتصبة وتحسست الأنامل أزرار السترات. وفي اللحظة التي لاحت فيها أمام العيون قامة السادات ومعه أبو عمار، اندفع أصحابي ناحية باب الحجرة. غير أن الزعيمين لم يتوقفا، بل تابعا سيرهما الوئيد في الممر، وأخذ وقع الخطى يتلاشى إلى أن غاب. بالرغم من هذا، بقي أصحابي واقفين. وفيما هم أسرى خليط المشاعر المسيطرة، دخل الحجرة موظف مراسم ووراءه خادم يحمل دورة جديدة من أكواب الشاي. فدعا الموظف الواقفين إلى الجلوس وطمأنهم : «حتشوفوا الريس قريب، بإذن الله». ودار الخادم بالأكواب على الجالسين. لم يكن لأي خطة أن تبقى في البال بعد معاملة كهذه المعاملة وقلق بهذه الشدة التي اتسم بها قلق أصحابي. وقد توجست أن ينسى هؤلاء ما اتفقنا عليه، فذكّرت به هامساً، فتلقيت إجابة موافقة أومأت لها النظرات، إلا أنها كانت واهنة. وفي داخلي، أدركت مغزى الموقف : زعيم الفلسطينيين عند السادات هو واحد وهو ياسر عرفات، وللآخرين منزلة الرعايا، ولا داعي لتصعيب فرص الضغط عليهم بإكثار عدد الزعماء. وفي خلفية هذه المعاملة، كمنت حقيقة أن السادات لم يكن مرتاحاً لمواقف ممثلي الأرض المحتلة ولا للانتفاضة التي تشوش مساعيه إلى التفاهم مع الأميركيين والإسرائيليين. وهؤلاء القادمون من الأرض المحتلة إما فتحاوي قد يقبل التوجه إلى التسوية لكن ليس عبر استرضاء أميركا والتساهل مع إسرائيل، وإما شيوعي، أو بعثي، أو قومي عربي، أو أي من هؤلاء الذين يضيق رئيس مصر بهم وبمواقفهم المتشددة. وكان أصحابي قد أوضحوا عن هذه المواقف في وسائل الإعلام ولقاءاتهم مع المسئولين. وكان عربي عواد قد جهر صراحة بأن السادات أساء للمصالح العربية حين أدار الظهر للسوفييت ولسوريا وتوجه نحو الأميركيين والإسرائيليين. وكان عبد الجواد صالح قد حضر قبل ثلاثة أيام أمسية احتفالية نظمها له طلبة مصريون يساريون من أصدقاء ابنه صالح وقال في الأمسية عن السادات ما يقوله هؤلاء عنه ووافق على رأيهم حين وصموا السادات بالخيانة. ورد هذا كله في بالي وأنا أنتظر مع المنتظرين في الحجرة المنعزلة. وسطعت في ذهني حقيقة أخرى نبهني إليها وجود عرفات مع السادات: هذا هو، إذن، ما توخاه الزعيم الفلسطيني من زيارة المجموعة إلى مصر، أن يستمع المصريون إلى أنصار التسوية المتشددين فيستعين هو بالتشدد أو يحتج به في مساوماته مع السادات وتليين الضغوط التي يصبّها الرئيس المصري عليه. وأغلب الظن أن السادات أدرك هدف عرفات هذا أو وجد من نبهه إليه. وأياً ما كان عليه الأمر، فقد جاء من دعانا إلى التوجه إلى مقابلة الرئيس. واقتادنا موظف مراسم إلى قاعة فسيحة يقف السادات في صدرها وعرفات بجانبه. وما أن ولج أصحابي مدخل القاعة حتى انطلقوا ناحية الرئيس بغير نظام، فتزاحموا وتدافعوا، بل قل إنهم تسابقوا إليه وتحقق السبق لاثنين منهم هما عبد المحسن أبو ميزر وجريس قواس. وتدافع هذان الاثنان أمام الرئيس وغلب عبد المحسن منافسه فكان أول من حظي بالمصافحة. وتصادف أن كان عبد المحسن وجريس كلاهما يلبسان سترتين متماثلتين اشترياهما معاً من محل واحد في دمشق. ولأمر ما ليس من الصعب استخلاص دلالته، أرسلت الرئاسة إلى الصحف صورة الرئيس مع هذين الشخصين وحدهما ونبأ استقباله للوفد. وبنشر الصورة. بدا كأن الرئيس استقبل وفداً يلبس زيّاً موحداً كما هو شأن الكشافة، مثلاً.بعد استكمال المصافحات، ضمت الجميع حلقة انعقدت في ركن يتوسط القاعة. ووقتها أتيح لي أن أتأمل السادات عن قرب. وعلي أن أقول لك إن هذا اللقاء مع السادات جرى بعد يومين أو ثلاثة من فكّ الحصار الإسرائيلي عن الجيش الثالث المصري. فلم يكن غريباً، إذن، أن يتسربل السادات بزهو فاق ما يسربله في العادة. لقد كان أمامي رجل شديد الازدهاء بنفسه، مفرطاً في إحساسه بعظمة ذاته، يلبس زيّاً عسكرياً فُصل له من الغبردين الفاخر، وقد قيل لي إن الباريسي بيير كاردان هو الذي فصله، ويُتوج رأسه بقبعة مزينة بشارات المارشالية المذهبة، ويحتضن تحت إبطه عصا المارشال أو يلوح بها بيده حسب الأحوال ويوجه إلى جلسائه نظرة تحطّ عليهم من علٍ، وتظل النظرة هي ذاتها إن كان يتحدث أو إن كان يصغي، إن نظر إليهم مواجهة أو مجانبة، ولا تتبدل إلا حين يشرد، إذ أنها تتوجه مع الشرود إلى أعلى. وفكرت، مستحضراً آراء أصحابي المصريين: هذا رئيس جمهورية يرى نفسه فرعوناً ويجتهد كي يعامله الناس على هذا الأساس.لست أظن أن أياً من أصحابي قد انتبه إلى ما انتبهت أنا إليه أو شغلته الهواجس التي شغلتني. بل يبدو أن ما أثار ضيقي بهذا الفرعون هو ما يبهر أصحابي وجعل معظمهم يتطامن في حضرته. وقد نسي هؤلاء، إلا واحد منهم، ما اتفقنا عليه. وبدل العبارة التي حفّظناها لعبد الجواد عن ظهر قلب، افتتح أبو صالح الحديث بهذه العبارة : «في الأرض المحتلة يلهج الناس بذكرك ويقولون إن صلاح الدين الأيوبي قد عاد». وها أنا ذا أتذكر النظرة الحارقة التي وجهها أبو عمار إليّ خطفاً عندما فاه عبد الجواد بعبارته، فقد حملت النظرة اتهاماً لي بالتقصير في إعداد أصحابي للقاء. ولم أكن في وضع يأذن بالدفاع عن نفسي. فاكتفيت بحركة من يديّ قالت للائمي إني بذلت جهدي ولا ذنب لي إن كان أصحابي ممن لا يُركن إليهم. وإذا كان عبد الجواد وهو المشهود له بالجرأة قد قال هذا الذي قاله فبإمكانك أن تتصور دون عناء ما الذي قاله عبد المحسن وهو المشهور له بأنه يملق أي صاحب نفوذ. وحده عربي عواد لم يخرق الاتفاق، بل إنه أخذ على عاتقه أن يقول ما لم يقله زميلاه. لم يفت عربي أن يردد في مطلع حديثه العبارة التي اتفقنا عليها، غير أنه دخل بعدها إلى موضوعه: «لا أخفي عليك يا سيادة الرئيس أن الجماهير في الأرض المحتلة قلقانة». تحدث عربي باللهجة التي تجعل القاف كافاً وبيّن أسباب القلق وأفاض في التحذير من مخاطر التساهل مع إسرائيل ورهن التسوية بإرادة الولايات المتحدة واستبعاد السوفييت. لكن صراحة عربي، وقد تحدث بعد المبهورين بالسادات، أظهرته صوتاً ناشزاً داخل السرب. السادات تحدث، تحدث طويلاً في واقع الأمر، ولكنه كان حديثاً مرسلاً يشبه حديث صاحب مضافة ريفيّة لزوار مضافته العابرين، شتم السادات السوفييت في مطلع حديثه: «طردتهم من مصر»، قالها بنبرة مباهية، نبرة من طرد محتلّين من أرض وطنه، ثم أضاف : «بالجزمة»، أي بالحذاء، وكرر الرجل شتائمه للسوفييت في ثنايا حديثه كلّه. وحظي البعثيون بشتائم وافرة من الرئيس، سماهم البعثيين العيال، أي الأطفال، وأمطرهم بشتائمه وكرر تحذيره لعرفات من الاعتماد عليهم. ثم تحدث السادات عن التسوية المنشودة، عن مساعيه مع الأميركيين؛ تحدث بنبرة الأب الذي يواطئ أولاده على تفويض الأمر له والثقة به وبقدرته على تحقيق العجائب: «الورق كله في يديّ، وأنا أناور. العيال البعثيون يظنون أني أفاوض لافك الارتباط مع الإسرائيليين، هؤلاء عيال ليس لهم في السياسة، فافهموني أنتم، أنا أفاوض لأفك الارتباط بين أميركا وبين إسرائيل. ثقوا بي ولا تتعبوني !». قال السادات هذا وكثيراً مما هو في السياق ذاته، وظل ينظر بين مقطع وآخر ناحية عرفات ويكرر: «اسمع يا أبو عمار، لا تقل لي رفض وما رفضش، حبش والعيال البعثيين. أعطوني أنتم ورقكم وسيبوني أناور». في ثنايا حديثه المرسل واستطراداته الكثيرة، بسط السادات تصوره لبرنامج التسوية السياسية مع إسرائيل وحصة الفلسطينيين فيها : «حرب ؟ لا حرب بعد هذه الحرب. قلت هذا علناً وها أنا ذا أكرره بيني وبينك: «الولايات المتحدة تحارب مع إسرائيل وأنا لا قدرة لي على محاربة أميركا، فأنا أفاوض». ورسم السادات جدولاً للخطوات التي رأى أنها ستتعاقب نتيجة المفاوضات: فتح قناة السويس للملاحة الدولية مقابل انسحاب إسرائيل من سيناء، إنهاء حالة العداء بين مصر وإسرائيل مقابل الانسحاب من الأرض العربية التي احتلت في العام 1967 كلّها وإقرار إسرائيل بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. أما الاعتراف المصري بإسرائيل وتبادل التمثيل الدبلوماسي فيجيء عند قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في قطاع غزّة والضفة، وقال ان هذا هو ما يقدر عليه جيلنا أما البقية فتحققها الأجيال القادمة. فصل السادات هذه البنود واحداً واحداً مواصلاً شتمه السوفييت والبعثيين ومطالبة الفلسطينيين بأن يكفّوا عن مضايقته أو تكبيل يديه: «سيبوني أناور !». أصغى عرفات إلى حديث السادات دون مقاطعة مطرقاً برأسه معظم الوقت؛ لا شك في أنه سمع هذه الوعود أكثر من مرة ولا شك في أنه لم يطمئن إليها كل الاطمئنان. سيقول عرفات لي بعد سنوات في معرض تفسيره لعلاقته بالسادات ومقارنتها بعلاقته مع حافظ الأسد : «السادات كذّاب أعرفه، فمن السهل أن أتعامل معه». أما أصحابي فقد غادروا المقرّ الرئاسي وهم ما زالوا مبهورين. وأما أنا فما أن بلغنا الفندق حتى انفجرت: «جعلتم اللقاء جلسة لمقايضة النفاق بالأكاذيب، بهركم زي المارشالية والكلام المعسول فنسيتم أنكم قادة وجلستم أمام الرجل مثل تلاميذ في حضرة معلم جديد». لم أنبهر بالسادات، ليس لأني أشدّ حصانة من غيري، بل لأني أعرف أنه تحدث أمامنا بلغة مختلفة عن لغة حديثه مع الأميركيين. كان صديقي مكرم محمد أحمد، وهو الصحافي النافذ في «الأهرام» قد حصل من مقرّ الرئاسة على محضر لقاء ضمّ السادات وهنري كيسنجر وأطلعني عليه فاستخلصت أن رئيس مصر متشبث بضرورة انسحاب إسرائيل من سيناء ومتساهل في أي شأن آخر. حتى عندما اقترح السادات على كيسنجر أن يلتقي عرفات ولو سراً، زيّن الرئيس المصري لرئيس الدبلوماسية الأميركية فوائد اللقاء على أساس أن عرفات رجل معتدل يقبل المساومات ومن السهل التفاهم معه. وعندما رفض كيسنجر الاقتراح، لم يتشبث السادات به. لكن السادات ظل يمنيّ عرفات بإمكانية عقد اللقاء. أما لماذا رفض كيسنجر الالتقاء بعرفات أو كيف سوغ رفضه، ففي هذا أيضاً وفي رد فعل السادات عليه ما عزز اعتقادي أن السادات مستعد للتساهل في الشأن الفلسطيني إلى أقصى حد. فقد قال كيسنجر إن الرأي العام الأميركي يعدّ عرفات رمزاً للإرهاب وأنا لا أستطيع الاجتماع به. وعرض كيسنجر من جانبه على السادات أن يستخدم نفوذه لإقناع عرفات بالكفّ عن العمل المسلح، وتبديل طبيعة المجلس الوطني الفلسطيني من مجلس فصائل مسلحة إلى مجلس شعب، وما إلى ذلك مما هو مثله. وتعهد السادات أن يبذل جهده في هذا المجال. وما أكثر الضغط الذي مارسه السادات على الفلسطينيين ليستجيبوا لمطالب كيسنجر ! كان هذا كلّه في بالي وأنا أصغي للرئيس، ثم وأنا ألوم أصحابي، «رافقتكم بوصفكم قادة لانتفاضة الأرض المحتلة. أما وقد تصرفتم في نحو مختلف، فأنا أعدّ مهمتي معكم منتهية». وغادرت الفندق وأقمت مع أخويّ في شقتهما. نقلت إلى إحسان بكر ما دار في اللقاء مع السادات وبحت له بشكوكي وهواجسي. ونقل إحسان ما رويته له إلى رئيس التحرير محمد حسنين هيكل. وقتها، كنا في أواخر يناير 1974، وكانت علاقة هيكل بالسادات قد انحدرت إلى أسوأ قاع. ولعلك تعرف أن هيكل ساند بعد وفاة عبد الناصر كل مساعي السادات للاستئثار بالسلطة والتخلص من منافسيه. والواقع أن هيكل سخّر خبرته وبراعاته كما سخر «الأهرام» لصالح السادات. تصرف هيكل مع السادات بروح الحليف صاحب الرأي المستقل ومهندس السياسات وليس بروح التابع. ويبدو أن الصحافي الكبير بدا متطلباً أو أن السادات لم يطق استقلال رأيه. ولم يلبث أن وقعت الواقعة بين الاثنين بعد تفرد السادات بالسلطة وانقلب التحالف خصومة. وقد اتضح أن هيكل يشكّ في وعود السادات للفلسطينيين أكثر مما يشك فيها أي إنسان آخر. وعندما نُقل إلى هيكل ما قاله السادات لنا، شاء المطلع على تفاصيل السياسة المصرية أن يحرج الرئيس الذي يتحدث بلغتين فأمر بأن تنشر قصة لقائه مع القادة الفلسطينيين وتعهداته لهم خبراً أول في صدر صفحة «الأهرام» الأولى مع مانشيتات كبيرة. وبعد بضعة أيام، زرت تحسين بشير أحد موظفي الخارجية المصرية الذين ألحقهم السادات بهيئة مستشاريه. وكنا غارقين في حديث اللقاء مع السادات وما تنطوي عيه وعوده من ختل حين رن جرس الهاتف، فسمع تحسين نبأً تبدلت معه سحنته، ونقله إليّ: وقع الرئيس السادات الآن قرار تنحية هيكل عن «الأهرام».في هذه الزيارة لمصر، زرت الشريط المحرر من سيناء. استجاب المشير أحمد إسماعيل وزير الدفاع حين قابلته مجموعتنا لطلبنا. فكنّا بين أوائل المدنيين الذين زاروا المنطقة بعد فكّ الحصار عن الجيش الثالث. وفي هذه الزيارة، صحبنا عقيد المخابرات إبراهيم الدخاخني. ولأن الرجل الذي عمل مع الفلسطينيين طويلاً يعرف شدّة فضولهم فقد وضع شرطاً صريحاً: «ستقابلون عسكريين، فلا حديث في السياسة ولا أسئلة حول الموضوعات الحساسة !». ثم لم يفلتنا العقيد من رقابته هو الذي كان على كل حال دمثاً، بل تدخل بسفور كلما تصور أن الحديث قد يقود إلى المحظورات. مع هذا، وبالرغم منه، حرصت على أن لا تفوتني دلالة ما نراه أو نسمعه ووطدت نفسي على اختراق محظورات العقيد كلما تسنى لي اختراقها. وفي الطريق إلى مدينة السويس، توقف سائق الحافلة التي تقلنا ليلتقط عسكرياً ماشياً. فعل السائق هذا دون أن يستأذن عقيده. وتيسر لي أن أسمع الحديث العفوي الذي فاض على لسان العسكري. كان هذا جندياً محترفاً خاض حرب 1967 وشهد حرب الاستنزاف واشترك في الحرب الأخيرة. وأول ما لفت نظري أن الجندي الذي وجد نفسه فجأة بين مجموعة من الشخصيات ذوي الشأن فيها عقيد ذو مهابة لم يتهيب لا في حديثه ولا في قعدته ولا في حركاته. وحين سأل عبد الجواد الجندي عن مشاعره، قال هذا ما بدا أنه كان على رأس لسانه: «الآن، رجعت إلينا الروح»، ثم أضاف قبل أن يوقفه تدخل العقيد: «بس يا ريت خلّونا نكمل !».وفي مكتب ضابط كبير في مدينة السويس، عرفت تفاصيل المعركة التي دارت هنا حين وسع الإسرائيليون ثغرتهم ووصلوا إلى أطراف هذه المدينة. فهنا بالذات توقف مدّ الثغرة. وبوجود عقيد المخابرات وتدخله، لم يفصح الضابط عن رأيه في الذين أوقفوا المقاومة، لكن رأيه هذا تجلى في عرضه للوقائع: «ظللنا نقاوم إلى أن جاء الأمر بوقف إطلاق النار». وعندما حاول عبد المحسن اختراقه تحفّظ الضابط، تدخل العقيد بنبرة صارمة : «قلنا ما فيش أسئلة في المواضيع الحساسة». وقال الضابط الكبير: «رويت لكم الذي أعرفه، والبقية يعرفها حضرة العقيد»، وقرن القول بنظرة متبرمة.على الطرف الآخر، في سيناء، زرنا واحدة من عُقد خط بارليف الذي اخترقه المصريون. كنّا قد صرنا حشداً كبيراً بعد أن انضم الينا مرافقون من عسكريي المدينة، ولم يعد بمقدور العقيد أن يحيط برتابته الجميع. فانفلت من الحشد وباريتُ الرائد المصري الذي استولت وحدته على العقدة، وقلت للشاب الذي له قامة فارس وصلابتها: «أخذتوها إزاي، العقدة المنيعة دي؟». استخدمت اللهجة المصرية حتى لا يتحفظ الرائد، ولست أدري ما إذا كان قد عرف أني من الضيوف أو تصور أني مصري. وقد رد الرائد على كل حال بعجلة ممن أراد أن يتفرغ للضيوف: «دول حريم يا بيه» أي أن المدافعين عن العقدة فرّوا. وباريتُ الرائد مرة أخرى ونحن نتجول في الموقع الحصين «كان من المنطق أن تستمروا في الهجوم ما دامت المقاومة الإسرائيلية قد انهارت، فما الذي أوقف اندفاعتكم». وقبل أن يتفوه الرائد بكلمة، وصل العقيد: «اتفقنا على أن لا أسئلة». أثناء انشغالي بالمبعدين وجولاتهم، انشغل طلال سلمان بالمشروع الذي نقله من مرتبة الصحافيين الذين يتدبرون معيشتهم بالكاد إلى مرتبة أصحاب الصحف الأغنياء. فخلال عمله مع آل فريحة محرراً للشئون العربية في «الصياد»، أنشأ صديقي اللبناني الطموح علاقات نافعة لآل فريحة وله مع رئيس ليبيا العقيد معمر القذافي وغيره من معاونيه. كان طلال كما تعرف ناصرياً وكان هؤلاء يعدّون أنفسهم ناصريين أيضاً. فكان من اليسير، إذن، أن تنشأ العلاقة. وعبر طلال، قدمت ليبيا معونات كثيرة لدار الصياد. وكان من المفروض أن يحصل طلال على نسبة من المعونات، إلا أن أصحاب الدار خاتلوه ولم يعطوه إلا ما يشبه الفتات. وهكذا، اندفع طلال في مشروع لحسابه الخاص وحده. وجاء يوم فاتحنا صديقنا فيه بما توصل إليه: عرض ليبي بتمويل جريدة يومية تصدر في بيروت ويكون طلال صاحبها ورئيس تحريرها وسياستها عربية قومية فيها فسحة للتعبير عن الآراء المختلفة. وأظهر طلال حرصه على استشارتنا نحن أصدقاءه، فظفر بتأييد أغلبيتنا وتشجيعنا له. وتعهدنا أن نكتب للجريدة ونعمل ما نقدر عليه لدعمها. وهكذا، صدرت «السفير» «صوت الذين لا صوت لهم»، وفق العبارة التي اعتمدها طلال شعاراً للجريدة واحتلت مكانة متقدمة في الصحافة اللبنانية فور صدورها. وكان هذا إنجازاً إن موّله حكام ليبيا فقد حققه طموح طلال وجلده والعون المثابر، التطوعي وغير التطوعي، الذي وفره للجريدة عشرات الفنانين والصحافيين من أصدقاء طلال ومعارفه في دنيا العرب كلها. وكان طبيعياً أن أصير من كتاب «السفير»، أنا الذي لم أكن عند صدورها مرتبطاً بأي صحيفة.صدور «السفير» وفّر لي منذ مارس 1974 منبراً مسموعاً أنشر فيه آرائي. والحق أني ظفرت بهذا المنبر في وقت اشتدت فيه حاجتي إليه. ذلك أن الجدل بين مؤيدي التسوية السياسية ورافضيها كان في إبّانه، وكان من الطبيعي أن أنهمك فيه بكليتي مدافعاً عن التسوية ومهاجماً رافضيها. وما أكثر ما توجب على طلال أن يحتمل بسببي، فهو نفسه كان في الرافضين، والمموّلون كانوا كذلك، بل كانوا من المحرضين المثابرين ضد أي تسوية سياسية من أي نوع. ثم إن تيارات الرفض الفلسطينية كانت في لبنان قوية وصلاتها بزعماء ليبيا متينة. بالرغم من هذا، لم يتدخل طلال فيما أكتب ولم يمنع نشر أي مقال كتبته إلا فيما ندر. وهكذا، أطلقت لقلمي العنان على آخره. وانضاف ما أكتبه إلى ما يفيض به لساني في المجالس. وما أكثر ما قلت شفاهة وكتابة ! وقتها، وجهت هجماتي ضد جهتين: جبهة الرفض التي أصف سياستها بأنها مغامرة، وجبهة التهاون التي أصف سياستها بأنها استسلامية. وطال السادات نصيب وافر مما كتبته ضد الاستسلام.