المصباح.. رفيق الإنسان وعينه الثالثة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تعرف الإنسان إلى المصباح:" Lamp "، بعد اكتشافه النار التي تعد مع الصاعقة، من أولى الظواهر الطبيعيّة المنتجة للضوء، عدا عن أهميتها وضرورتها لحياته، إذ أدت ولا تزال، مهام عديدة حيوية، منها: الإضاءة، تجهيز الطعام، تسخين المياه، التدفئة، التخلص من بعض الفضلات، توليد الطاقة متعددة الوظائف.

 أخذ المصباح الكثير من المسميات، منها: السراج (الذي يعني لغوياً المصباح الزاهر)، الفتيلة الموقودة، الشمس، القنديل (وهو مصباح من زجاج يشبه الكوب، فيه فتيل يُضاء بالزيت وغيره). وورد ذكر المصباح في القرآن الكريم للدلالة على منبع أو مصدر ضوئي. استخدم الإنسان، المصباح، مبكراً، في تأمين الإضاءة ليلاً.

أو في الأماكن المظلمة نهاراً، وحصل على الإضاءة في البداية من عملية حرق الحطب، ثم تطورت عملية تأمينها، فحصل عليها من الشعلة بإحراق عيدان الخشب المغمسة بمواد شحميّة أو زيتيّة نباتيّة وحيوانيّة، لإدامتها أطول مدة ممكنة. وبعدها اكتشف المصباح، والسراج والفانوس والكاز، باستخدام أوعية من الزجاج أو المعدن أو الحجارة أو الخزف، مزودة بفتيل مغموس بزيت سائل قابل للاحتراق، وبالتالي توليد الضوء المطلوب.

رموز ودلالات

مع مرور الزمن، اكتشف الإنسان أهمية المصباح في حياته، مختبراً ماهية الآفاق العلميّة والثقافيّة التي فتحها في عالمه ومستقبله، خاصة عندما قام بإسعافه في إضاءة مسكنه ليلاً، وإسعافه في السفر، وممارسة بعض المهام الليليّة كالزراعة والسقايّة والحراسة، واكتشاف الدهاليز والمغائر والمناجم المظلمة، ومن ثم مساعدته على تحصيل المعرفة..

وهكذا تحوّل إلى رفيق حميمي وصديق وفي، وغدا عيناً ثالثة لطلاب المدارس والباحثين والفلاسفة والعلماء والكتّاب والفنانين، في ليالي التحصيل والدراسة واجتراح فعل الإبداع، متعدد الأشكال والوسائل، الأمر الذي جعله يتحوّل من مجرد وسيلة بدائيّة بسيطة، للإضاءة وكشح العتمة من مرافق عديدة في حياة الإنسان، إلى رمز للفكر والمعرفة والارتقاء والتقدم والاكتشاف والإبداع، ما دفع الإغريق والعديد من الشعوب الأخرى، لاتخاذه شعاراً ورمزاً للفكر والتقدم. كما ارتبط بحكايا وأساطير عديدة، منها:

حكاية علاء الدين والفانوس السحري ولأن المصباح أو القنديل، يحمل كل هذه المعاني والدلالات، اتخذ من قبل العديد من الجهات والمؤسسات العلميّة والفكريّة والإبداعيّة، في أيامنا هذه، رمزاً أو شعاراً لها، ومنها جامعة دمشق في شعارها والذي قام بتصميمه في سبعينيات القرن الماضي، الفنان التشكيلي السوري الرائد، محمود حمّاد، وهو مشكّل من دائرتين: صغيرة وتحوي قنديلاً مشعاً يوزّع النور في الاتجاهات كافة، وكبيرة تضم اسم الجامعة. وكان الكاتب المصري حلمي مراد قد اتخذ من القنديل الإغريقي شعاراً لدار نشره التي أطلق عليها اسم (كتابي).

وثمة شواهد وأمثلة كثيرة، على اعتماد المصباح، رمزاً وشعاراً للعديد من الفعاليات والمؤسسات الفكريّة والإبداعيّة والتنويريّة والعلميّة. كما شكّل مادة لإبداعات متلونة كالقصص القصيرة والقصائد الشعرية والأعمال الفنيّة التشكيليّة والغنائية والموسيقيّة والروايات. ونذكر منها: (قنديل أم هاشم) للكاتب المصري يحيى حقي، (المصابيح الزرق) للروائي السوري حنا مينة، أوبريت (الليل والقنديل) لفيروز والأخوين رحباني.

 نقلة نوعيّة

استمر المصباح أو القنديل أو" الكاز" أو "اللوكس"، في أداء مهامه كمصدر للإضاءة الرئيسة في حياة الإنسان (إضافة إلى الشموع)، حتى منتصف القرن التاسع عشر، لدى بعض الشعوب، وحتى منتصف القرن العشرين لدى شعوب أخرى.

أي حتى قبيل دخول الكهرباء إلى حياتها التي غمرتها بفيض من الضياء، إذ قلبها رأساً على عقب. فمع الكهرباء، انتقل الإنسان إلى عصر جديد مدهش، حفل بالكثير من الاختراعات التي ولدت من رحمها، مشكّلة نقلة نوعيّة في حياة البشريّة. لأنه، ومع اختراع الكهرباء، بدأت الولادة الفعليّة لعصر الآلة التي سرعان ما سيطرت على مرافق حياة الإنسان، مانحةً إياها كل هذا التقدم العلمي والتكنولوجي المدهش، وفي الوقت نفسه، أغرقتها بالبرودة والرتابة والتكرار، وجعلت الإنسان يعيش معها حالة من العطالة الجسديّة والفكريّة.

وبعض هذه الاختراعات (كالقنابل الذريّة والنترونيّة والصواريخ العابرة للقارات)، جعلته غير آمن على مستقبله ومستقبل الكوكب الذي يعيش فوقه، إذ مع اختراع الكهرباء، والتطور التقاني المذهل، تطورت أيضاًً، وسائل قتل الإنسان وتدمير الحياة، وإقصاء العوامل التي كانت تمنحه الفرح النقي والسعادة الحقيقيّة والعافية الجسديّة والفكريّة، من حياته.

 لمحة تاريخيّة

بعد أن اهتدى الإنسان إلى مصدر الإضاءة البسيطة المتمثل بحرق الحطب، ومن ثم إلى الشعلة المشكّلة من عيدان الخشب المبلولة بمواد شحميّة أو زيتيّة، متعددة المصادر، اكتشف الشموع والسراج والفانوس والكاز والمصباح والقنديل و"اللوكس"، مستخدماً مشتقات البترول والكحول والغاز، في عملية الاحتراق وتوليد الضوء، بوساطة فتيل موضوع في وعاء حجري أو زجاجي أو معدني أوخزفي، كان يشتعل مباشرة في الهواء، الذي كان يُلوثه برائحة الاحتراق، وكانت الإضاءة التي تولدها مثل هذه الوسائل محدودة.

بعدها اهتدى الإنسان إلى إحاطة الفتيل المحترق بوعاء زجاجي خاص، زاد من مقدرته على توزيع الإضاءة، وخفف، في الوقت نفسه، من الروائح التي كانت تصدر من عملية احتراق المادة البتروليّة. وبعدها جاء اللوكس الذي أخذ شكل أسطوانة تملأ بالكاز، وتُحقن بالهواء، بحيث يتم تسخين مجموعة الأنابيب الخارجة من الأسطوانة.

وتبخر سائل الكاز (الكيروسين) المضغوط واشتعال بخاره أو غازه (حيث استعمل فيما بعد الغاز في إشعال اللوكس) ضمن قميص حريري محاط بالزجاج الذي يقيه من التيارات الهوائيّة ويساعده في بعثرة ضيائه في المكان الموجود فيه. وبعد المصباح، والقنديل واللوكس، اخترع المصباح الكهربائي المتوهج، الذي ينسب إلى توماس ألفا إديسون، في عام 1879، وذلك باستخدام سلك رفيع ملفوف، منفذ من الكربون، مرر فيه تيار كهربائي، فتوهج السلك واحمّر.

وكما هي الحال في المصباح أو اللوكس، قام بإحاطته بواقيّة زجاجيّة مفرغة من الهواء لمنع تأكسده. وشيئاً فشيئاً، تطور المصباح الكهربائي، آخذاً طرزاً وأنواعاً وأشكالاً لا تُحصى، ومهام ووظائف عديدة، منها: إضاءة المنازل الشوارع ، إضاءة وسائل النقل والمنارات، وإنارة الأبراج.

أما عمليّة تصنيع المصابيح الكهربائيّة وآلية عملها وتوزيعها، فأصبحت علماً معقداً يُدرّس في الجامعات والمعاهد والمدارس، وهو في حالة دائمة من التطور، بحيث أصبح لكل مجال في حياة الإنسان المعاصر، إضاءته الخاصة به.

إذ إن إضاءة غرف الجلوس، تختلف عن إضاءة غرف النوم أو المطابخ. وإضاءة المحال التجاريّة تختلف عن إضاءة المطاعم ونوادي الليل والمكاتب وصالات العرض والشوارع والأنفاق ووسائل النقل، وأمام الإنسان، بعد، المزيد من الإضافات التي يمكن أن يحدثها على هذا الصعيد.

كما طال المصابيح ووسائل الإضاءة المختلفة، تحسينات جماليّة وفنيّة عديدة. إذ تبارى الفنانون والمصممون في تزويقها وزخرفتها، وفي ابتكار أشكال جديدة منها، ارتبط بعضها، وبشكل وثيق، بالعصر الذي وُلدت فيه، بحيث وثّقت للذوق الذي ساد في ذلك العصر.

إضافات دائمة

شهدت المصابيح الكهربائيّة خلال العقود القليلة الماضية، تطورات مدهشة، بحيث أصبحت أنواعاً وأشكالاً وطرزاً لا تُحصى ولا تُعد، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: مصابيح الصوديوم ذات الضغط العالي، مصابيح التفريغ عالي الكثافة. وهذه تتفرع إلى مصابيح ميتال هاليد بقطب إقلاع، ومصابيح الإقلاع النبضي، ومصابيح ميتال هاليد الخزفيّة.

ولهذا أصبحت الإضاءة الناجحة والمتوائمة مع المكان، بحاجة إلى متخصص بالإضاءة نفسها، وآخر بالعمارة الداخليّة والخارجيّة، إذ صار لكل منشأة (معامل، مكاتب، منازل، مسارح، مطارات، محطات، مشافي، قاعات عرض واستقبال، شوارع)، طريقة ووسيلة إضاءة مختلفة عن الأخرى، في شكلها ولونها وشدة الضوء الذي تصدره.

يضاف إلى ذلك، وجود مصابيح خاصة كالمصابيح المتوهجة التي يستخدم بعضها في طرد الحشرات، وفي الأفران الحراريّة والبرادات وآلات الخياطة.

ومصابيح الفلورسنت التي تستخدم في أحواض السمك ومكافحة التلوث والطب. ومصابيح ميتال هاليد التي تستخدم في الزينون النبضي والأبنية، ومصابيح الهالوجين المنتشرة في المسارح واستوديوهات التصوير الضوئي والسينمائي، والأشعة تحت الحمراء، والحراريّة، والإسقاط الضوئي، والفيديو، والأجهزة الطبيّة العينيّة.

والمصابيح التحريضيّة المتميزة بعملها لساعات طويلة، تصل إلى ما يربو على 6000 ساعة.

والمصابيح الاقتصاديّة، أو ما يُعرف اليوم بمصابيح توفير الطاقة، وهي على هيئات وأشكال مختلفة.

 

طباعة Email