بعضهم يرى تلاشيها بداية ضياع الموروث الشعبي

ملابس المصريين ..هوية تتخبط في متاهات الأجناس الخليطة

صورة

لكل شعب زي وطني يعرف به ويتباهى، إلا المصريين، إذ ترى في شوارعهم مزيجا متنافرا من الأذواق، سواء للرجال أو النساء أو الأطفال، فمنهم من يرتدي الثياب الإفرنجية، وآخر تأثر بعمله في دول الخليج، وصار- من الرجال والنساء- يرتدي الثياب الخليجية( على اختلاف هوياتها الست). كما بات يختلف شكل الجلباب المصري في الريف، من قرية إلى أخرى، وحتى حجاب النساء غدا بأشكال عديدة: الباكستاني، الأفغاني. وكذا العباءات.

 

عرفت كل منطقة في مصر، بنمط ثياب محدد، شكل روح هويتها الثقافية في اللباس. ونجد في هذا الصدد، ان ثياب المرأة في الصعيد، غير ثيابها في الوجه البحري، ومختلفة عن ثيابها في المحافظات الساحلية.. بينما من الغريب أن ترى مصريا يسير مرتديا ثياب أجداده الفراعنة.. فهل اندثرت هوية الثياب لدى المصريين؟

 

خطر مهدد

 

بداية، يوضح الدكتور أحمد مرسي، أستاذ الأدب الشعبي في كلية الآداب - جامعة القاهرة، أنه لا يمكن الجزم بضياع هوية الثقافة المصرية في الملابس، وإنما نستطيع القول بأنها تتلاشى؛ لأن مكونات الروح المصرية ومكنوناتها التي تشكلت، عبر الاف السنين، ولا تزال تتقبل كل جديد، وستظل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ويضيف:» إن الأزياء الشعبية تنقل لنا معاني رمزية مختبئة وراء الزخارف والتطريز لحياة الإنسان وبيئته، وهي تعتبر مرآة لوجوده الإنساني في مكان ما. ويعد ملبس الأمة مفتاحا من مفاتيح شخصيتها ودليلاً على حضارتها، ولعل الملبس هو أول مفتاح لهذه الشخصية، وأسبق دليل عليها؛ لأن العين تقع عليه قبل أن تصغي الأذن إلى لغة الأمة، وقبل أن يتفهم العقل ثقافتها وحضارتها».

كما يؤكد أستاذ الأدب الشعبي، على ضرورة حفظ المأثورات الشعبية المصرية، بعفويتها وتلقائيتها، في هذه الآونة من العصر، والتي تشهد محاولات مستميتة لطمس هويات الشعوب وانتزاع خصوصيتها وتعميم ملامحها، محذرا من أن تلاشي هوية الملابس لدى أي مجتمع، ليست بشيء قليل، وإنما هي عملية تشكل بداية طريق ضياع الموروث الشعبي لهذا المجتمع، وهو الموروث الذي يشمل عادات الشعوب وتقاليدهم وطقوسهم وأساطيرهم والفنون الخاصة بهم، وأغانيهم وملابسهم.

 

دلالات

يشير مرسي إلى أن تقليد العرب الأعمى للغرب، أفرز تحولات جمة، انتجت ضياع هويتنا الثقافية - ليس فقط في طريقة الملابس، وإنما أيضا في أغانينا ورواياتنا وأفلامنا ومسلسلاتنا وغير ذلك، مشبهًا ذلك بالعبارة التي تقول «ولما استولى علينا حب التقليد الأعمى للأجنبي في الخير والشر، كان ما ابتلينا به أننا أصبحنا لا نعجب بأثر من آثارنا ولا عادة من عاداتنا.

ويتابع:» لو رجعنا إلى الوراء قليلاً، لرأينا أن تنوع الأزياء الشعبية في ربوع مصر، كان صاحب أكبر رسالة لتأصيل هوية الملابس لدى المصريين، حيث كان لكل بيئة طابع خاص وزي مختلف، إلى درجة أنه كانت السيدات يتنافسن في كل منطقة، على الابتكار والتحديث للملابس الشعبية، لكي تتواكب مع العصر.

ففي النوبة جنوب مصر، كانت المرأة ترتدي ملابس مطرزة بالخرز، بينما يلبس الرجال دائما (الطاقية)، وفي الشرقية ترتدي المرأة عباءة مشغولة تسمى (بروان)، في الوقت الذي تشتهر فيه سيدات الوجه القبلي (الصعيد عموما)، بارتداء العباءات الواسعة ويطلق عليها (الملس)، وفي الغالب يتم ارتداؤها فوق الثياب العادية، بالإضافة إلى ارتداء الطرحة على الرأس. و

في واحة سيوة، يلبس الرجال جلبابا قصيرا، وتحته سروال، وعليه (صدرية) وطاقية على الرأس، بينما تختلف ملابس المرأة المتزوجة عن الفتاة العذراء وغير ذلك، وفي القاهرة والإسكندرية اشتهرت الملاية اللف السوداء.. وكانت دليلاً على بنت البلد الشهمة».

ويشرح مرسي مدلولات ذلك: «هكذا، وعبر هذه الاشكال والطرز من اللباس، عكست ربوع مصر المعتقدات والمفاهيم الشعبية لطبيعة البيئة، والتي يمكن من خلالها تقسيم مصر، مناطق تراثية وثقافية عديدة».

من جهتها، تلمح الدكتوره، إيناس عبد الحميد عوض، أستاذ علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية، إلى ضياع هوية ثقافة الملابس عند المصريات، موضحة أنه بعد أن كانت المرأة الصعيدية صاحبة زي محدد.. والمرأة الفلاحة لديها زي آخر ..

والمرأة البدوية تملك زيا مغايرا.. وكذا المرأة الإسكندرانية تتميز بزي يختلف، أصبح الجميع متشابها في ملابسه. وتسوق إحصاءات وبيانات تحليلية في هذا الصدد:« المرجع الاساسي للعباءة السوداء، على سبيل المثال، والتي تحتل ما نسبته 90 بالمئة من ملابس السيدات المصريات، دول الخليج العربي.

ولكنها، فعليا، أصبحت أحد أهم الملابس المصرية، على مدار الثلاثين عاما الأخيرة.. وأما الفتيات ما تحت سن الثلاثين، فوجهة النظر لديهن مختلفة في الملابس، حيث يتفنن في التقليد الأعمى للملابس الغربية من باب لفت الانتباه، ما يؤدي إلى ضياع هوية الملابس أيضا، لدى المصريات.

وتشدّد إيناس على ضرورة زرع التربية «الملبسية» في نفوس الأطفال وعقولهم، منذ الصغر، عن طريق حثهم على اختيار ما يناسبهم من ملابس وألوان؛ لأن ذلك بدوره يقوم بتدريب الطفل داخليا، على الشعور بالثقة بالنفس، والتي من شأنها تعزيز احترامه لبلده وتاريخه وثقافاته وهويته العربية، عموما، ولوطنه: مصر، خاصة «.

 

أين؟

يرى الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، أننا معنيون، وقبل أن نسأل : أين الملابس المصرية المتعارف عليها؟ بالبحث والتقصي المعمقين، حول حيثية أسباب وتداعيات غياب مشهد بيوت الطين التي كانت امتدادا حيا لطمي النيل، والخضرة الممتدة.. وكذلك الترعة النقية.

ويتابع: «.. وأين البط الذي يسبح فيها وأين الديك ...؟ إذا عرفنا أين ذهبت هذه الأشياء سنعلم أين ملابس الفلاحة الفضفاضة المزركشة وأين ملابس الصعيدية السوداء.. كذا الملابس البدوية المطرزة، والتي كانت مصر رائدة في صناعتها في وقت ما...».

ويتابع حجازي: «تعالوا ننظر إلى الثقافة التي قامت عليها مصر الفرعونية، وأنا لا أقول بالطبع إن الفراعنة أقاموا نظما ديمقراطية، لكني أقول، أنا وعلماء الدنيا جميعا، إنهم أقاموا حضارة شامخة انتصر فيها الخير على الشر والطمي على الرمل والوادي على الصحراء، فنتجت عنها حضارة موجودة إلى الآن.

ومن ضمن حضارتهم الملابس الفرعونية القليلة التي كانت تغطي ما هو لا بد من أن يغطى. وفي الوقت ذاته، كانوا يعملون ويكتبون ويسمعون الموسيقى ويعزفونها، كل هذه ثقافات أسسوها وبنوا فوقها، لتخلد ثقافتهم، حتى بعد سبعة آلاف عام».

ويضيف حجازي: «لا بد أن نعرف أن أهم ما يحدد تاريخ الشعوب، الأيديولوجية، والتي من أهم عناصرها وحدة اللغة ووحدة التاريخ الذي يحدد من الملابس والتراث، وقيل من قبل، إن القومية هي انتماء جماعة لوطن واحد بشرط أن يجمعهم تاريخ مشترك ولغة مشتركة ومصادر تأثير روحي نابعة من الدين والتراث الثقافي الذي تدخل فيه «الملابس والعادات والتقاليد»..

وهذا ما يميز الشعوب عن بعضها, لهذا أحب أن أقول إن ضياع هويتنا القومية والثقافية أدى إلى ضياع هويتنا في الملابس وفي اللغة وفي الفن وفي كل الأشياء، وإذا أردنا أن تعود هويتنا في الملابس لابد أن نبدأ مع الجيل الصغير لتعريفه بالهوية المصرية، وبثقافة الملابس التي هي سفير لصاحبها ولبلده، وأقول أخيرًا.. عودوا إلى القومية المصرية لتعود إليكم هوية الملابس المصرية.

 

 

 

لا عجب !

 

يشير الدكتور أحمد مرسي، أستاذ الادب الشعبي في كلية الاداب في جامعة القاهرة، إلى أن تقليد العرب الأعمى للغرب، أفرز تحولات جمة، انتجت ضياع هويتنا الثقافية - ليس فقط في طريقة الملابس، وإنما أيضا في أغانينا ورواياتنا وأفلامنا ومسلسلاتنا وغير ذلك، مشبها ذلك بالعبارة التي تقول «ولما استولى علينا حب التقليد الأعمى للأجنبي في الخير والشر، كان ما ابتلينا به أننا أصبحنا لا نعجب بأثر من آثارنا، ولا عادة من عاداتنا».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات