إطلالة بهية وساحرة ترسمها خيوط جاذبية «سيدي بوسعيد» في تونس، عنوانها غنى المظهر والجوهر، في آن معا، بفعل ما تنبض به من روحية تشويق وجذب، تصوغهما فرادة طابعها ومقوماتها، إذ باتت تعد، في ظل ذلك، من أهم الوجهات المفضلة لدى السياح في العالم، خصوصا مع ما تشتمل عليه من مفردات تاريخية وسياحية، يتقدمها قصر «دار النجمة الزهراء»، بما يحتوي عليه من قطع ومقتنيات وقصص، ترسم صورة أخاذة لمشهد جمالي وتوثيقي متكامل، عن الاسنان والمكان. علاوة على دوره الراهن، في حفظ هوية الموسيقى العربية، وتطويرها.
مزيج نادر وعذب يذكي بريق دار النجمة الزهراء، مصدره المنظر الخلاب لاسترخاء سيدي بوسعيد، على ضفة خليج تونس، علاوة على محتوياته والادوار التي يقوم بها. وكذلك السمات المعمارية لبنائه ولشتى الابنية الاخرى في المدينة، التي تضم مختلف ألوان الفنون المعمارية العربية والإسلامية، في قالب تميز وإتقان تحليه أنماط الزخارف الطبيعية، ومناظر نبتة الجهنمية ذات اللون الأحمر.
وهي تكسو جدران الابنية وزواياها المتنوعة.. وليكتمل المشهد، أيضا، مع توزع خطوط لوحة انسيابية ترسمها أزقة بو سيعد وتفرعاتها، لتظهر وكأنها متدلية من هضبة تشرف على الضفة الجنوبية للمتوسط.
خطوط البدايات
قصص كثيرة وجماليات عديدة مختزنة في زوايا قصر دار النجمة الزهراء والذي يشكل نتاجا حيويا لما جسدته مدينة سيدي بوسعيد التونسية، في بداية القرن العشرين، كمكان مفضل لدى الفنانين والمثقفين، من مختلف دول العالم، والذين جذبتهم بأجوائها الساحرة، فاختاروها مقراً لسكناهم ولأنشطتهم الإبداعية، ومن تم تبعهم في هذا النهج، الكتاب والمهندسون والرسامون. وكان من بين هؤلاء، البارون الفرنسي رودولف ديرلانجي، سليل الأسرة الفرنسية المعروفة، ذات الأصول الالمانية، والتي اشتهرت بثرائها الواسع.
وقد كان ديرلانجي، يعاني اعتلالا صحيا، فجاء الى رابية جبل المنار( مقر تموضع بوسعيد)، باحثا عن دفء المناخ وعن الهواء النقي، كي يستعيد عافيته. وعلى هذا الأساس، وقع، خلال تلك الزيارة، في غرام بوسعيد، إذ جذبته فيها روح عبقها التاريخي وتميز إطلالتها ومقوماتها.
وذلك خاصة مع ما وجده وعاينه فيها، من وفرة في مكنون بوحها بعصارات ثقافية تراثية تنبئ عن حقيقة مكنون ودرر الحضارة العربية، والتي كان مأخوذا بها ومتعلقا بمفرداتها، وتحديدا بمخزونها التراثي الموسيقي، إلى أبعد الحدود.
اهتمام شامل ومعمق
انعكست قصص وأشكال وله البارون ديرلانجي، وايضا جهود إبداعه وتجديده وتوثيقه، في مجالات الفنون( كان رساما بارعا، ينتمي الى المدرسة الاستشراقية)، على بنية محتويات مقر اقامته في سيدي بوسعيد.
وأفرزت طبيعة اهتمامه بالبحث المعمق في مجال التراث الموسيقي، تنوع مقتنياته التاريخية، في مكان سكنه( قصر دار النجمة الزهراء). وعرف عنه، أنه انشغل بحماية وحفظ قيمة الموسيقى العربية الاصيلة، كما كان قلقا كثيرا، على مصيرها بعد أن أدخلت بعض عناصر المنظومة الموسيقية الغربية فيها.
لا تتشكل أو تتبدى اهمية قصر دار النجمة الزهراء، من كونه فقط، معلما تاريخيا يوثق لانماط الفنون، فقيمته لا تقف عند حدود التوثيق الجمالي، بل إنه أسهم فعليا، بفضل جهود ومبادرات صاحبه البارون رودولف ديرلانجي، في ظهور دراسات معمقة حول الموسيقى العربية التقليدية، ومن ضمنها كتاب الأغاني التونسية للباحث الصادق الرزقي. وكذلك كتاب ديرلانجي نفسه:
الموسيقى العربية.. أساليبها وتاريخها، والذي صدر في ستة أجزاء، عن دار بول غوتنر للنشر في باريس. وبفضل هذا المؤلف الفريد، شهد قصر دار النجمة الزهراء، ولادة أبحاث ونصوص فلسفية كبرى حول الموسيقى العربية، تناولت نماذج ابداعات واعمال :
الفارابي والكندي، وغيرهما. وهكذا احتضنت جنبات النجمة الزهراء، صدى أبحاث ومعزوفات، تراثية ومجددة، لنغمات وضعها وعزفها، موسيقيون تونسيون أفذاذ، مثل : احمد الوافي ومحمد غانم. وغيرهما الكثير من مشاهير ورواد فن المالوف التونسي.
وكانت جهود ديرلانجي تلك، وكذا فعاليات النجمة الزهراء، كفيلة بصنع شهرة كبيرة للقصر وصاحبه، على مستوى الوطن العربي والعالم، في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. وهو ما كان سبب تكليف البارون بالإعداد والتنسيق للمؤتمر الخاص بدراسة مشاكل الموسيقى العربية، بشكل علمي وجوهري( للمرة الاولى حينها)، والذي انعقد في القاهرة، في شهر ابريل سنة 1932، بإيعاز من ملك مصر، حينها، الملك فؤاد الأول.
درة فنية متكاملة
يمثل قصر دار النجمة الزهراء، في سيدي بوسعيد التونسية، درة حيوية، من مختلف الجوانب، إذ يتميز بأهمية مقتنياتـــه، من لوحات وادوات موسيقية تؤرخ للموسيقـى العربية. كما انه يمثل نموذجا نادرا للعمارة العربية والإسلامية في تونس، إذ جمعت في تصاميمها الهندسية، بين خصائص وسمات المعمار التونسي الأصل، وعناصر الزخرفة والنقش، الأندلسية وكذا المغربية.
وكان ردولف ديرلانجي، استقر في عام 1911، في منزل صغير، ذي قبة بيضاء، ومبني على ارض كان البارون اشتراها في عام 1909، خلال إحدى زيارته لتونس. إذ باشر عقبها في بناء قصره النجمة الزهراء فوق هضبة جبل المنار في سيدي بوسعيد، المشرفة على خليج مدينة تونس. واستغرق العمل فيه فترة زمنية تزيد على 10 سنوات، من عام 1912، والى عام 1922.
ولم يرض ردولف ديرلانجي، خلال بناء القصر(من عام 1912 والى عام 1922م)، إلا ان يقوم هو شخصيا، بتصميم القصر، وكان حريصا، في اثنائها، على جعله يبدو وفـــق منظر ومظهــــر جــاذب وساحر، لكن دون أن يكون في نمط فاره أو نخبوي، أي بشكل يجعله متناسق ومتناغـــم مع الابنيــــة التي تحيط به في سيدي بوسعيد.
إلا ان ديرلانجي، ومع حرصه ذاك، اعتنى في تصميم القصر، بأن يطلق العنان لفنه المعماري، فيضفـــي عليه رونـــق جماليات خاصة، وتحديدا في داخل المبنى، ليجعل منه تحفة معمارية إسلامية مثالية، في نقوشها وزخارفها.
وذلك إلى جانب، توسعته بشكل مدروس ومنظم، ليمتد على مساحة مهمـــة، تقارب ال3300 متر مربع، وتضم مجموعـــة حدائق بديعة تحيط به من كل جانب تنتشر فيها الأشجار المختلفة، مثل: السرو والصبار والبرتقال.
مركز موسيقي
شهد العام 1991، تحويل قصر النجمة الزهراء في تونس، إلى مركز للموسيقى العربية والمتوسطية، وليكون بمثابة مجمع ثقافي متعدد التخصصات، إذ يعني بالموسيقى في مختلف مجالاتها، وتنصب جهوده ومساقات عمله على حفظ التراث الموسيقي ونشره. كما يجمع بين النشاط العلمي والمتحفي، إلى جانب تنظيم الحفلات والاهتمام بالتقاليد الموسيقية في تونس والوطن العربي ومنطقة البحر الأبيض المتوسط عموما.
تحف فريدة
يتيح متحف ديرلنجي لزواره فرصة اكتشاف الأجنحة الفخمة من القصر: الصالون، المكتبة، المرسم، الغرف الخاصة. ويوفر لهم بذلك، إمكانية التعرف على أجواء وطقوس مفردات حياة البارون ديرلنجي وعائلته. وكذلك التمتع بمشاهدة القطع الفنية النادرة التي جمعها،.
وذلك من قطع خزف ولوحات فنية ومخطوطات عربية يعود أقدمها إلى القرن الثاني عشر. وايضا زرابي وأثاث وغيرها من التحف. وقدر عدد القطع التي تشكل مكون التصميم والتأثيث الداخلي في القصر، بما يناهز ال 2200 تحفة.
معرض للالات الموسيقية
استحدث القسم المخصص لمعرض الآلات الموسيقية، في القصر، في جناح الخدمات. ويتوزع هذا المعرض إلى قاعتين: قاعة احمد الوافي، قاعة المنوبي السنوسي. ويضم مجموعة من الآلات الموسيقية المتداولة في تونس، بالإضافة إلى المجموعة الخاصة بالبارون ديرلانجي.
ويضاف إلى ذلك المكتبة المتعددة التي تسعى إلى أن تكون مرآة تعكس ما يجري في عالم الموسيقى المتحول والمتغير باستمرار، والتي تعمل على تكوين قاعدة رصيد من الكتب والدوريات والمدونات والتسجيلات الموسيقية والوثائق السمعية. وهناك قسم الدراسات والبحوث الذي يتولى مسؤوليات النهوض بالابحاث المتخصصة، وتطويرها.
وحدة جمالية
يعد القصر- المتحف، وحدة جمالية وبحثية موسيقية متكاملة، إذ لا تقتصر وظائفه وطبيعة محتوياته ومهامه، على طابع العرض والأرشفة، بل يعنى بتعميق البحث، وتنظيم عملية التدريب والتأهيل في حقول الموسيقى العربية وأشكالها.
كما يضم ورشة لصنع الآلات الموسيقية، ووحدة دراسة وبحث في علم صناعة الآلات الموسيقية، فضلاً عن قسم لترميم وإصلاح الآلات التابعة لمجموعة المركز.
مشروعات طموحة
أطلقت في قصر "دار النجمة الزهراء"، مجموعة خطط ومشروعات توثيق وبحث موسيقي، ترمي الى صون الموسيقى العربية والنهوض بهذا الصرح الثقافي الموسيقي ومنجزاته. وفي هذا الإطار، خصص المنزل المحاذي للقصر، المعروف بالقبة البيضاء، لاحتضان الخزنة الوطنية للتسجيلات الصوتية، والتي تقع على عاتقها مهام إنقاذ التراث الموسيقي الوطني، من التلاشي والاندثار.
وذلك من خلال جمع رصيد التسجيلات الصوتية الوطنية ومعالجتها وحفظها وترميمها وبثها وإعادة نشرها، وأيضاً لتمكين الباحثين والدارسين وغيرهم من المتخصصين والمهتمين بعلم الموسيقى، من الاطلاع على جميع الوثائق الصوتية التي يحتوي عليها رصيد الخزينة، ولذا، أقيمت غرف للاستماع، تحت إشراف طاقم من الموثقين المعنيين، بغرض تسهيل عملهم ومساعدتهم على نفض الغبار عن التراث الموسيقي الوطني، وإعادة إبرازه.



