تشهد الصحافة الثقافية في مصر ،حالة انتعاش غير متوقعة، على مستوى المجلات المتخصصة ، مقابل تراجع حاد في الملاحق الثقافية التي كانت تتميز بها بعض الصحف الحكومية والحزبية والمستقلة، فعلى الرغم من الوضع العام المرتبك في مصر، بعد الثورة، وانعدام اهتمام قطاع كبير من الجمهور بقراءة الصحف والمجلات الثقافية، فضلاً عن الأوضاع المادية المتدنية التي كادت تدفع عدداً كـبيراً من الدوريات الثقافية إلى التوقف، لم تنته محاولات ضخ دماء جديدة، كما لا تكف الهيئات والأفراد، عن إنقاذ الموجود وتحسينه، وكذا إضافة المزيد من القنوات الثقافية إلى المشهد.
«مسارات» يرصد طبيعة التحولات في سوق الصحافة الثقافية المصرية، وأبرز الإصدارات المتوقفة والمستمرة، في هذا الخصوص، وأيضا تلك التي عاودت الصدور.
عثرات وأسباب
محطة البداية، كانت مع متابعة واستكشاف حقيقة ما تردده دراسات وانتقادات عديدة، بشأن حالة الموت السريري، التي تعيشها الملاحق والصفحات الثقافية المتخصصة في الصحف المصرية، إذ يرى البعض، وايضا حسب ما يتبدى من المتابعة عن كثب لهذه الملاحق، أن الوضع حاليا، يختلف تماما عن سابق عهده، فجريدة "البديل"، مثلا، كانت الوحيدة التي وضعت للصفحة الثقافية مكانا حيويا، على خارطتها وضمن حساباتها، وحققت تلك الصفحة، نجاحا ملحوظا دفع عددا من الصحف إلى الاقتداء بها.
وكذا إلى تخصيص يوم أو يومين في الأسبوع، لصفحات ثقافية محددة، ولكن هذه الصفحة، والتي كان يرأسها الصحافي سيد محمود، توقّفت مع توقف الجريدة ذاتها، عن الصدور، قبل أعوام قليلة؛ ذلك بسبب عثرات مادية قابلتها.
..إلى إشعار آخر
إن هذا السيناريو تكرر، بشكل آخر، في جريدة "روز اليوسف" التي خصصت، هي الأخرى صفحة يومية ثابتة للثقافة، ولكنها لم تلبث أن توقفت( الصفحة الثقافية)أيضا، في أعقاب الثورة، وذلك مع تغيير رؤساء التحرير. كما تنطبق القصة ذاتها على صفحة الثقافة في جريدة "الأهرام المسائي"، وكذلك "المصري اليوم" التي كانت تخصص مجموعة من الصفحات الاسبوعية بعنوان "الناشر"، إذ ظلّت تتقطع بالصدور، إلى أن اختفت تماما؛ لتنطوي بذلك صفحة الثقافة من الصحف المصرية، وإلى إشعار آخر.
وحول هذه القضية، يقول إيهاب كامل: "بالرغم من أن الثقافة جزء من كيان المؤسسة التي أعمل بها(روز اليوسف)، وجزء من الأفكار التي تأسست بناء عليها في عام 1925، إلا أن ذلك كله لم يشفع لها أو يعفها، عند إعادة ترتيب الصفحات، في عهد رئيس التحرير الجديد للصحيفة". ويضيف كامل، مضيئا على جملة جوانب وقضايا متصلة بهذه الأزمة الإعلامية الثقافية:
"المسؤولون عن صفحات الثقافة، في أي صحيفة، يكافحون من أجل استمرار صفحتهم، والتي تكون الضحية أو الخيار الاول دوما، في حال أرادوا تأجيل صفحة ما أو حذفها، وذلك رغم أن هذا القسم، بما فيه من محتوى ثقافي، تحديدا، يعد جزءاً أصيلاً من أي صحيفة عالمية.
ومن بينها تلك التي نطمح إلى الاقتداء بها، مثل: الإندبندنت، لوس أنجلوس تايمز. وغيرها من الصحف العالمية التي تحرص على تحديث محتواها الثقافي باستمرار، ولعل ما يلفت النظر هو اهتمام العديد من الصحف العربية بهذا القسم بالذات، على عكس الصحف المصرية التي تضعه في ذيل اهتماماتها".
عامل قوة وتحد
يختلف الأمر، فيما يتعلق بصحيفة "أخبار الأدب"، التي تعد إحدى أهم وأكثر الدوريات الثقافية في مصر، انتشارا، فهي اسبوعية تصدر عن دار" أخبار اليوم"، وخاض محرروها حربا ضروسا، من أجل إبعاد رئيس تحرير لها لم يروا أنه يحقق الأهداف التي قامت الجريدة لإجلها.
وسارت على أساسها، وهو مصطفى عبد الله، فنطموا مظاهرات عديدة، إضافة إلى الكثير من الوقفات الاحتجاجية، وإصدار البيانات، حتى نجحوا في إزاحته، ومن ثم اختاروا عبلة الرويني لتكون رئيس تحرير المجلة، والتي أخذت تحقق كثيرا من النجاحات والانفرادات الثقافية المتتالية.
يتحدث الصحافي المصري محمد شعير، والذي كان مرشحًا لرئاسة تحرير الصحيفة نفسها، عن ماهية السياسية التحريرية التي تحكمها، وارتباطات وتماس ذلك بشأن الصفحة الثقافية: كان هناك خلط واضح يمارسه رئيس التحرير السابق بين السياسة التحريرية والإعلانية، حتى إنه طلب من المحررين علنا، وفي أحد الاجتماعات، العمل بالإعلانات، وهو ما يتعارض مع أخلاقيات العمل الصحافي. وطبعا كان لذلك انعكاسات على الصفحة الثقافية".
ويتابع: المعركة كانت شديدة، تتعلق بالصلاحيات والأخلاقيات، وكادت تهدد "أخبار الأدب" بالتوقف، بعد أن انصرف عنها قراؤها، نتيجة اختلاف الأسلوب عن ذاك الذي تبنته الصحيفة، والتي حققت رواجا مهما، منذ نشأتها في الكتابة الجديدة والصادمة، فمحتواها طليعي طازج، وتشتبك مع قضايا الواقع من المنظور الثقافي".
إنقاذ في اللحظة الأخيرة
لا تكف الهيئات الثقافية والأفراد في مصر، على مستوى المجلات الثقافية المتخصصة، عن إنقاذ وتحسين الموجود، على غرار ما حدث مع مجلة «أدب ونقد» التي تصدر عن حزب التجمع، شهريا، ويرأس تحريرها الشاعر حلمي سالم، فعلى الرغم من أنها المجلة الثقافية الحزبية الوحيدة في مصر، إلا أنها لم تنجُ في أعقاب الثورة، من ضعف التمويل.
وتوقف صدورها بضعة أشهر، الأمر الذي دفع الدكتور شاكر عبد الحميد وزير الثقافة (سابقا)، إلى دعمها، عبر تخصيص مبلغ 25 ألف جنيه، للمساهمة في استمرارها ومنع توقفها عن الصدور، وأيضا بشراء ممثل لوزارة الثقافة، الأعداد الأولى من المجلة، بعد معاودة إصدارها، في إطار دعمها للمشروعات الثقافية والمحافظة على الإصدارات العريقة التي لعبت دورا في إثراء الثقافة المصرية والعربية.
ويؤكد الشاعر حلمي سالم، أن هذا الدعم أسهم، وبشكل كبير، في حل الأزمة، وكان الترياق الحقيقي الذي كفل إحياء المجلة، ومن ثم إعادة صدورها بشكل شهري، مشيرا إلى أن هذا المبلغ المخصص، ليس ثمن الطباعة بالكامل، بل هو دعم يسهم في التكاليف، ويضمن الصدور لمدة عام بانتظام. ويضيف :" لن نتوقف المجلة عن السعي إلى تحقيق نسبة اشتراكات كبيرة من الهيئات الثقافية المختلفة، تضمن دعما أفضل للمجلة، أو أن يقوم عدد من المكتبات أو دور النشر بعمل إعلانات ثقافية بالمجلة".
من يقرأ مجلات الوزارة؟
بالرغم من أن توزيعها ليس ضخما، إلا أن لوجودها معنى كبيرا، هذا بالضبط ما يشدد عليه متخصصون كثر، بشأن عدد كبير من المجلات والدوريات الثقافية التي تصدر عن مختلف هيئات وزارة الثقافة المصرية، وتواجه مجموعة من المشاكل في التوزيع والتسويق، الامر الذي يبقيها طي الأدراج في أماكن صدورها، فلا يسمع عنها الكثيرون شيئا، ذلك رغم الأسماء اللامعة التي تكتب بها، والمجهود الضخم المبذول في الإعداد لها.
فعلى سبيل المثال، يصدر عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر، عدد من المجلات المتخصصة التي لا تصدر عن سواه، ومع ذلك لا يعلم عنها كثير من القراء شيئًا؛ لأنها لا تصل إليهم، مثل : "آفاق الموسيقى"، "الفلسفة والعصر"، "الكتاب والنشر"، "المجلة المصرية لعلم الاجتماع"، "نجيب محفوظ"(وتلك الأخيرة تعطلت لفترة طويلة عن الصدور، بالرغم من تزامن مئوية نجيب محفوظ مع صدورها).
كما تصدر في الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، مجموعة من المجلات التي تحظى بنسب توزيع أعلى، من تلك التي تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، منها: "قطر الندى"- مجلة للأطفال، "الثقافة الجديدة"،"مسرحنا" - جريدة .
وأما الهيئة المصرية العامة للكتاب، فيصدر عنها هي الأخرى، عدد من المجلات، ولكنها لا تحظى بتوزيع واسع أيضا، وذلك مثل مجلات: "الرواية.. قضايا وآفاق"، "إبداع"، "المسرح"، "فصول"، "علم النفس"، "الفنون الشعبية"، "العلم والحياة"، و"عالم الكتاب".
أساليب جديدة
برغم العدد الكبير للمجلات الصادر في القاهرة عن جهات رسمية، وغير رسمية، إلا أنها ليست كافية على ما يبدو، ولعل هذا هو السبب وراء عودة واحدة من أهم المجلات الثقافية في ستينيات القرن الماضي، وهي : "المجلة" برئاسة تحرير أسامة عفيفي. وكان الإصدار الأول للمجلة في عام 1957.
وسعت المجلة حينها، إلى التأكيد على وحدة الثقافة العربية، كما اهتمت بقضايا فكرية كثيرة، منها قضية الأصالة والمعاصرة، وأيضا فتحت أبوابها؛ لمناقشة مفاهيم كثيرة في مجالات مختلفة، منها : العمارة في مصر. وتناولت الأنواع الأدبية جميعها، وأيدت فكر الثورة، وساندت القيادة السياسية، وكذلك تفاعلت مع القضايا السياسية الموجودة وقتها، مثل :الصراع العربي - الإسرائيلي، القضية الفلسطينية.
ويقول أسامة عفيفي:" توقفت المجلة في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وكان القرار مرتبطًا بثورة التصحيح التي قادها السادات، ووضح، انها، أن السادات تنصّل من دور مصر الثقافي العربي، وفي أكتوبر 71 تم إغلاق ست مجلات، من بينها :"الفكر المعاصر" "القصة"، "الفنون"، "المجلة"، "المسرح".
وطرحت فكرة عودة المجلة، على الدكتور أحمد مجاهد، رئيس الهيئة المصرية العامة الكتاب، فتحمّس كثيرا وأعطانا دعما غير مسبوق، وعكفنا على مراجعة أعداد المجلة وظروف صدورها، واكتشفنا أنها ظهرت بعد انتصار المقاومة الشعبية في بورسعيد، على العدوان الثلاثي، ولكن مع إغلاقها في عام 79 19، بدأت تظهر مجلات جديدة، تهدف إلى عزل مصر عن دورها العربي والإفريقي والثوري، ومن هنا قمنا بوضع مجموعة من الملامح المهمة لتكون مجلة للقارئ العام".
بالرغم من الجهود التي تبذلها الهيئات المختلفة لإنقاذ بعض المجلات الأدبية، منها: مجلة "أدب ونقد"، إلا أن شبح التوقف خيّم على بعض المجلات الأخرى، مثل "مجلة الأدباء" التي تصدر عن دار الأدباء بالقاهرة، والتي كان عددها الأخير في أوائل العام الحالي بعد توقف طويل؛ ليعلن رئيس تحريرها الدكتور محمد عبد المطلب، أن هذا هو العدد الأخير من المجلة؛ بسبب عدم توافر موارد كافية لصدورها.
حال وإفرازات
يؤكد عدد من المثقفين والنقاد، أن اختفاء صفحات الثقافة في صحف: روز اليوسف والأهرام المسائي والمصري اليوم، أدى إلى وقوع آخر الحصون التي كانت تختبئ خلفها تلك الصفحة، والتي لم يعد لها مكان في الصحف المصرية، وهو ما يعد أمرا سيؤدي إلى جملة إفرازات سلبية، ستطال مضمون العمل الصحافي بشموليته، وسمة تشويقه التي يضفيها المضمون الثقافي.



