«الحدادة» حرفة قديمة ـــــ جديدة، مارسها الإنسان منذ اكتشف خامة الحديد وغيّر استخداماتها لأكثر من هدف وغاية ووسيلة ملازمة لممارسة حياته، وتأمين متطلبات عيشه، من أكل وشرب وصيد وحرث وزراعة ودفاع وحماية. وفي ما بعد، تأمين المسكن وصناعة الجسور والعربات والرافعات ووسائل النقل المختلفة، إضافة إلى أعمال تزينيية جماليّة عديدة، ووظفها في أكثر من مرفق في حياته اليوميّة.

 

بدأت الحدادة، كغيرها من المهن والحِرف، بسيطة، معتمدة على الجهد العضلي للحداد، يسعفه (كور) بدائي من النار، لتليين هذه الخامة وتشكيلها على هيئة محراث (سكة) وعزّاقة (منكوش) وشاكوش وقدوم ومنجل وكاسوحة ومدفأة، ومنقل للفحم وسيخ وسكين ورمح وسيف، وجنزير وأصفاد ونوافذ وأبواب، وغيرها.

ثم تطورت وسائلها، فوجدت الأفران، والأفران عالية الحرارة القادرة على إذابة هذه الخامة، وتشكيل ما يريد الإنسان منها، بدقة وأناقة وإتقان وجمال. وعرفت بلادنا العربيّة هذه الحرفة، ضمن محال مفردة، أوفي إطار تجمع كبير، عُرف بـ (سوق الحدادين). وارتبطت أسماء بعض الأسر بها: (الحداد).

 وهي كنية شائعة وموجودة في بلادنا والعالم أجمع. والبسيط والبدائي منها، أطلق عليه لقب (حداد عربي)، أي الحِرفي الذي لا يزال يصنع الأدوات البسيطة اللازمة للزراعة والنجارة والعمارة والاستعمالات المنزليّة المختلفة، بوسائل بدائيّة قوامها الجهد العضلي.

وأما المتطور منها، فأطلق عليه اصطلاح (حداد افرنجي)، وهو الصانع للأبواب والنوافذ والزخارف و»الدرابزونات» والخزانات والأسجيّة، بجهده العضلي، ومن خلال أجهزة وآلات يدويّة وكهربائيّة، كالمقصات والملاحم واللاويات والمخارط.

 

تاريخ طويل

تشير الدراسات، إلى أن الإنسان اكتشف الحديد عن طريق الصدفة تماماً، كما هو الحال في عملية اكتشاف النار. وارتبط الاثنان معاً وتلازما، ذلك لحاجة الحديد إلى النار، كي يُليّن ويتشكل. ولهذا وجدت الأدوات الحديديّة الأولى التي كشفت عنها الحفريات الأثريّة، في المناطق التي وجدت فيها النار.

وهذه المناطق موزعة في الأجزاء الجنوبيّة الغربيّة من قارة آسيا، وبالتحديد في بلاد الشام. وكذلك في الأجزاء الشرقيّة والشماليّة من قارة أفريقيا، وهي المناطق التي كان فيها الإنسان يقوم بإحراق الأخشاب المتنوعة، ضمن حفر في الأرض كانت تحوي على فلز الحديد الخام. وهو ما كان يؤدي، مع شدة الحرارة، إلى صهرها على هيئة كتل عفويّة الشكل، صلبة وقاسية.

وهكذا بدأت رحلة الإنسان مع الحديد، تماماً كما بدأت رحلته مع الزجاج الذي اكتشفه الفينيقيون بطريقة مماثلة، وبمحض الصدفة، ولعل غالبية الاكتشافات العلميّة تمت بهذا الشكل. ويُشير المؤرخ الأميركي (ج.ب.جيل)، في كتابه الذي وضعه حول الفولاذ المستخدم في صناعة الأدوات، إلى أن هذه الخامة تمت معالجتها وتشكيلها، نحو العام 350 قبل الميلاد، وذلك عند بعض القبائل الجبليّة في شمال الهند، بوساطة أفران خاصة، وبالطريقة نفسها، تم صناعة الفولاذ في دمشق.

 

..الفولاذ

تجري عملية صناعة الحديد أو الفولاذ، عبر ترقيق شرائحه بالاعتماد على أسلوب الطرق، ومن ثم تُلف وتُسخن بالحرارة، وتُطرق وتقسّى بعمليات السقاية، وهذه الطريقة لا تزال متبعة في غالبية دول العالم. ويُشير الباحثون إلى اكتشاف أدوات حديديّة في الأهرامات المصريّة، قُدّر عمرها بنحو خمسة آلاف عام. وأما في بلاد الشام، فتعود صناعة الحديد إلى قرابة 1200 عام قبل الميلاد، وفي أوروبا إلى نحو 800 سنة قبل الميلاد، وفي اسبانيا: 400 سنة قبل الميلاد. ووفدت صناعته إلى هذه الدول، من الشرق.

ولقدم وأهمية الحديد في حياة الإنسان، ارتبط بالأساطير، وجاء ذكره في الكتب الدينيّة. ومن بين القصص الأسطورية حوله، أسطورة (فولكان): إله البراكين، الذي حدد الأسلحة لأخيل كي يقاتل بها أعداءه، مدللا على ارتباط الحديد بالبراكين، وبأن ذلك مرده قيام النار الشديدة التي يولدها البركان بصهره وتشكيل فلذاته. وأيضاً هناك في القرآن الكريم، إشارة إلى الحديد ومدى المنافع التي يقدمها للناس.

 

بين القديم والحديث

استعمل الحداد، قديماً وحديثاً، أدوات محددة لتشكيل الحديد وصنع أدوات استعماليّة عديدة منه، تحتاجها الزراعة والصناعة والحِرف المختلفة. وكذلك العمارة والحياة اليوميّة في المنزل، ومنها: النار، المطرقة، السندان. ومن ثم جاءت الوسائل الحديثة مع النهضة الصناعيّة الكبيرة في القرن الثامن عشر، إذ بدأ عصر البخار.

ومن ثم عصر الكهرباء واستخدام النفط وولادة المحركات الانفجاريّة ذات الاحتراق الداخلي، ومعها تطورت وتسارعت عمليات استخراج المعادن المختلفة وصهرها وتشكيلها، الأمر الذي انعكس إيجابياً على عمليات الحدادة بكل فروعها، وعلى أدواتها ووسائلها أيضاً، فظهرت المطارق الآليّة الكبيرة، والقاطرات وسكك الحديد واللحام بالكهرباء، وسكب الحديد بالطرق الحديثة.

وهكذا تطورت صناعة الحديد من الكور البسيط، والمطرقة والسندان، إلى طريقة كبس المعادن وتشكيلها بالضغط السكوني (الستاتيكي )، والطرق الحركي (الديناميكي )، إذ يتم تشكيل المعادن من خلالها، بطرائق «البثق» و»البلص» والطبع، والختم والبرشمة.

وأيضا: التثقيب والتخريق وعمليات القص والتقطيع، والدرفلة والسحب والحلزنة، وعمليات الحني والتقويس والثني. وأدى هذا التطور الكبير في مجال الحدادة، إلى قيام ثلاث حرف رئيسة في هذا المجال، وهي: السباكة وصهر المعادن، الحدادة وتشكيل المعادن بالمعادن واللحام، الخراطة والتسوية.

 

.. وللفن نصيب

استفاد الفن التشكيلي، مبكراً، من المعادن، لا سيما منه فن النحت، فأنجزت التماثيل من مادة البرونز المُشكّلة من خلطة النحاس والتوتياء، ثم من الحديد، بطريقة الصب، أو من خلال التشكيل عن طريق القص والطرق واللحام، أو بتدوير النفايات الصناعيّة (الخردة) في تشكيل جملة نماذج تماثيل فراغيّة ونصب تذكاريّة.

كما برزت استخدامات متوعة وفريدة للمعادن في فنون عديدة، مثل: الرافديّة، المصرية القديمة، الإغريقيّة، والرومانيّة، البيزنطيّة، القوطيّة، وفن الشرق الأقصى (كالصيني، والهندي والياباني)، فن أميركا الشماليّة، الفن الإسلامي.

وهو ما يؤكد اكتشاف الإنسان لها، منذ القدم، وبراعته في توظيفها في أكثر من مجال استخدامي وفني جمالي.

اليوم، وبتأثير التدفق المعرفي الهائل الذي طاول كل شيء في حياة الإنسان المعاصر، توافرت أمام الفنان التشكيلي، خيارات كثيرة لاستنهاض منجزه الفني في هذه المادة أو في تلك الخامة، مستعيناً بوسائل وأدوات متطورة، كآلات القص واللحام الكهربائي والليزري، ومستخدماً العديد من المعادن في إنجاز أعماله الفنيّة الحُجريّة الصغيرة والنُصبيّة الكبيرة، سواء بأسلوب الصب أو القص والطرق والجمع واللحام أو تدوير الخردة، أي طريقة التشكيل المباشر بالمعادن.

ويقوم الفنان التشكيلي المعاصر، بمواكبة مجتهدة للتطور التقاني، بهدف الاستفادة منه في تحقيق أعماله الفنيّة المتأرجحة بين التمثيل الآلي للجماليات الفنيّة، والتمثيل التعبيري التقليدي، لذلك من الأهمية بمكان، قيام الفنان التشكيلي المتعامل مع هذه التقانات الحديثة، بإغناء ثقافته البصريّة والتشكيليّة، للوصول إلى أقصى حالة من التفاعل والفهم بينه وبينها، لخلق حوار حقيقي وصادق، حول فكرة العمل ونتيجته.

أي حول تصميمه المعدني وصلته بالفراغ الذي سيشغله، بحيث تنسجم فيه هذه الجسمانيّة المعدنيّة مع روح المكان، وتبتعد عن فكرة العنصر المجرد في الهواء، تكريساً لثقافة فنيّة عالميّة، تراكمت عبر مراحل تاريخيّة حضاريّة عديدة، ساهمت فيها الشعوب والأمم كافة.