( كري سان زكي ) .. هكذا هو اسم الفنانة الراحلة ليلى مراد .. المبدعة التي نشأت في كنف عائلة تهتم بالفن وتعيش زهو عوالمه وجمالياتها.. إنها صوت طرب ملي ء بالشجن، بقي يحظى بشعبية ونجومية كبيرين ..
ولكن شهرة ليلى مراد ونجوميتها، لم يكونا، فقط، وجهة او باب خير تماما، بالنسبة لها، إذ أفرز ذلك بروز عدة قصص، او اشاعات وآلام أحيانا، احاطت بمسيرة حياتها. ويشير مطلعون ومتخصصون بشؤون جيل العمالقة من الفنانين العرب، إلى أنها أحبت محمد عبدالوهاب وصارحته بمشاعرها لكنه صدمها وأنّبها أمام مجموعة من الناس .
الفنانة ليلى مراد، قامة فنية مهمة، قدمت الكثير، وبلغت مكانة بارزة بفضل فرادة سمات ابداعها. إنها ابنة الملحن المعروف زكي مراد، الذي ملك صوتاً رائعاً، وكذا أختا لملحن آخر، اسمه منير مراد.. فنانة صاغت ألق نجومية من نوع متمايز، رسخت معها، خلال القرن الماضي، كشخصية ابداعية فريدة، غنية عن التعريف.
زيارة .. وحكاية
كانت بداية خروج ليلى مراد، الى ساحات الفن واضوائه، عندما زار محمد عبد الوهاب والدها في بيته في العباسية، واستمع لعزفها على البيانو، وايضا الى غنائها. ويومها توقع لها عبد الوهاب مستقبلاً باهراً، شريطة أن تستمر على الطريق نفسها. وأخذت ترتقي درجات النجاح والشهرة، في فضاءات الفن والموسيقى، فغنت لعبد الوهاب : " يا ما بنيت قصر الأماني"، " يا ما أرق النسيم لما يداعب خيالي " .
ألحان الوجد والجوى
خرجت ليلى مراد، بعد تلك المرحلة، إلى عوالم ألق النجومية، فراحت تشدو لأهم الملحنين، ما جعلها من العلامات الفنية الفارقة في مسيرة الفن العربي .. وتابعت مشوار نجاحاتها، الى ان اصبحت حينذاك، ولا تزال، بمثابة صوت لا يخفت بريق تأثير صداه في حياة الأمة وضميرها.
وذلك في وقتنا الحالي، كما كانت ايضا في الأمس، وهذا لأنها غنت بحرارة وإحساس مميز.. غنت للحبّ العظيم بصوت جميل وشوق لافح، فكانت أغانيها تشفي غليل الحب وتسد رمق الجوى، وتعطي الوجد طعماً ولوناً ورائحة.
الفنانة ليلى مراد هي في الاساس، من أصول مغربية، ولكنها أصبحت مصرية، بعدها، إذ أقامت في مصر، وأعتنقت الإسلام، ذلك بعد أن كانت ولدت في أسرة يهودية، في تاريخ 17 فبراير، سنة 1918. وكانت وفاتها في 15 نوفمبر عام 1995.
محطة النجاح
ومنذ كانت ليلى مراد، صغيرة السن، عُرف عنها جرأتها وتميز موهبتها، إذ وقفت وهي في مرحلة عمرية مبكرة، على مسرح رمسيس، لتغني "آه من الغرام والحب "، والتي لحنها الراحل رياض السنباطي، خصيصاً لها . ثم كان افتتاح الإذاعة الرسمية عام 1938، مع شدو لليلى مراد، ولتسمعها، حينها، السيدة أم كلثوم وبجوارها القصبجي والشيخ محمد رفعت.
آنذاك، كان والد ليلى مراد، واقفا يشجعها ويشد من أزرها، ملوحا لها بيده، ومن ثم بدأت الغناء وهي تشعر بأنها تقدم أوراق اعتمادها كمطربة إلى كوكب الشرق. وتقول ليلى مراد في هذا الخصوص: " ولم أرفع عيني عنها طوال غنائي( تعني عن السيدة ام كلثوم)، كانت ضربات قلبي كمروحة مرتعشة في صدري ".
ثم فوجئت ليلى مراد، لحظة انتهت من الغناء بالتصفيق الحار، وحين ذهبت إلى هؤلاء الحاضرين، في خارج مقر الاستديو، بغرض القاء التحية، قالت لها كوكب الشرق : " برافو يا ليلى، حاجة هايلة، وحافظي على ما وهبك الله " .
لحن للفنانة ليلى مراد، عمالقة الموسيقيين العرب، كالسنباطي والقصبجي وزكريا أحمد وعبد الحليم نويرة. وكتب عنها محمد كريم في مذكراته : كانت وديعة وخجولة إلى أبعد حدّ، كانت تخجل حين تضحك وتخجل حين تتكلم، وأعتقد أن لها ظروفاً خاصة، تسبب لها حزناً دائماً .
اقترن اسم ليلى مراد، باسم عمالقة الفن، وكذا باسم الملك فاروق الذي حام حولها، وكانت مطربته المفضلة التي تغني لـه قصائد من التراث، من دون وجود او مصاحبة عزف الفرقة الموسيقية. وكانت تختم السهرة بالأغنية الأثيرة لديه : " يا ريتني انس الحبّ يا ريت/ وإن عدت أقول على روحي جنيت " .
مكانة خاصة
وفي كل الحالات، ومع أي من الاوجه والمساقات المختلفة لحياة وابداع ليلى مراد، نجد انه يحتل الموسيقار محمد عبد الوهاب، مكانة خاصة في السيرة الذاتية لديها. فقد ذكرت في شريط مسجل معها، قبل وفاتها بأشهر قليلة، ولم يذع إلا بعد الوفاة، انها أحبت عبد الوهاب طيلة حياتها، وأنها ستظل تحبه حتى آخر يوم من عمرها. وفي هذا الشريط تقول ليلى مراد، إنها مدينة له بالكثير، وإن ثلاثة أرباع أغانيها من تلحينه.
وقد جاءتها الفرصة المناسبة عندما انتقل فريق عمل فيلم " يحيا الحبّ" إلى الاسكندرية، لتصوير بعض المشاهد الخارجية للفيلم، فعزمت على أن تفاتحه بموضوع يدور في خلدها، ويتملك أحاسيسها ومشاعرها، فانطلقت تقول له : " اسمع يا أستاذ عبد الوهاب، أنا عايزة أقول لك حاجة شاغلاني بقالها شهور .. أنا بحبك قوي يا أستاذ ". فالتفت عبد الوهاب إليها بهدوء، وهو يضع ساقاً فوق أخرى، وانتظرها لتتم كلامها. فتابعت عنده : "
أنا خلاص، مش قادرة أخبي أكثر من كده، انت مش حاسس بالنار اللي في قلبي، ولا بالنار اللي بتحصل لي لو غبت عني، يا ترى بتحبني زي ما بحبك " . وهنا ضحك عبد الوهاب، فغرقت ليلى خجلاً، مستأنفة حديثها : " معناها إيه الضحكة دي يا أستاذ .. أنا بتكلم جدّ، أنا بحبك من زمان، ودلوقت بحبك أكثر " . واختفت الضحكة من وجه عبد الوهاب، ليحلّ محلها الغضب، وليتم تلقينها أول درس قاس في حياتها : " أنا أفهم إن دي قلة أدب ... إزاي تتجرئي وتقولي لي كده يا ليلى " .
ونهضت ليلى، لحظتها، وهي تترنح والدنيا بينما شعرت تدور من حولها. وكان عليها، أن تتجاوز هذه الكارثة، وأن تستعد لتقف أمام عبد الوهاب نفسه، في آخر مشهد جمعهما في الفيلم عينه. ولتبدأ الغناء :" يا ما أرقّ النسيم ". وحينها كانت تستقبل كلمات الغزل في الفيلم بروحية تجاوب وانفعالات عميقة، وذلك رغم أنها، في الواقع، كانت تلقت من الاستاذ طعنة بلغت سويداء الفؤاد، بفعل كلمات التوبيخ التي وجهها اليها . تزوج عبد الوهاب بعد ذلك، وأصبح أباً، وسرعان ما طلق، كما تزوجت ليلى، وأصبحت أمّاً.
ولكنها ايضا تطلقت، إلا ان حبّ عبد الوهاب ظل في قلبها، إلى ان ماتت. وفي أواخر حياتها كان له دور حزين في مأساتها، إذ اتصلت صديقتها الفنانة مديحة يسري بعبد الوهاب لتطلب منه التوسط مع نقابة الفنانين، كي يصرفوا لليلى مراد، معاشاً استثنائياً، مقداره 200 جنيه مصري وكان زواج ليلى بالفنان أنور وجدي، عبارة عن سلسلة عذابات، فكان زوجها( وجدي) يغار من عبد الوهاب، غيرة شديدة، فعندما كان عبد الوهاب يعمل على تجهيز فيلم جديد لـه: "لست ملاكاً "، عرض على ليلى دور البطولة.
ولكن أنور وجدي رفض العرض، ممّا أحدث هزة عنيفة لها، إذ كان وجدي يدرك أن ليلى تحتفظ بذكرى قديمة لحبّ رومانسي في المراهقة، نحو أستاذها( عبد الوهاب)، فكل زيارة لعبد الوهاب إلى بيتها، كانت تنتهي بثورة من جانب الزوج الغيور. ويبدو يظهر أن عبد الوهاب كان السبب في أول طلاق حصل بينهما.
هل كان أنور وجدي يحبها ويغار عليها. أم أنه كان يشعر بأنه يمتلكها، ومن ثم لا يريد أن يشاركه أحد في امتلاكها ؟ وأيضا، هل كانت غيرته صادرة عن حبّ، أم عن خلفية حرص على المصالح ؟ إنهما تساؤلان يبقيان رهن الكثير من الاشارات والتفسيرات. ولكن المحيطين يؤكدون على حقيقة ان وجدي عندما كان يلمس أي مبادرة جفاء او قنوط من قبل ليلى، يسارع إلى إحاطتها بفيض من الحنان، ما يجعلها هذه الفنانة الوديعة وطيبة القلب، تستسلم له.
كما دفعه دهاؤه لكي يرضي رغبتها بالاستمرار في العمل مع عبد الوهاب، إلى جانب إحساسه بأنه خير من يجيد تشكيل صوتها، إلى الدخول مع عبد الوهاب، في مشروع شراكة فنية في إنتاج الأفلام، لكي يثبت لهما : ليلى مراد وعبد الوهاب) حسن نواياه. وشرع في إنتاج وإخراج ثلاثة أفلام، وهي :"
عنبر "، " قلبي دليلي "، " غزل البنات ". ولكن دائرة الشجار، عادت لتطفح من جديد، في ما بين ليلى وأنور، بسبب مطالبتها بحقها في الأجر عن سلسلة الأفلام التي قامت بتمثيلها لصالح شركته، ومشيرة الى انه جرى استغلال أغانيها ورواج أفلامها. وهنا كان طلاقها ثلاثاً.
اتهام وتشويه
رفضت ليلى مراد العودة إلى انور وجدي، لاحقا، فقابل هذا التصرف والموقف من قبلها، بإعلان انتقامي خطير، تمثل في الادعاء بأنها تبرعت بمبلغ 50 ألف جنيه مصري للجمعيات الخيرية الإسرائيلية، فأصدرت بعض الدول العربية، أمراً يقضي بمنع أفلامها، ولأن أفلامها من إنتاجه، فقد كان انور وجدي، حسب الكثير من المطلعين، كبالع الموسى على الحدين. ولكن ليلى مراد، بدورها، قالت، حين سماعها الخبر، وكانت وقتها في باريس " الله يجازيك يا أنور" .
عاد أنور ليكتب بخط يده، رسالة نشرها في الصحف، يوم 8 أغسطس 1952 ، قال فيها :" أقرّ بأن طلاقي للسيدة ليلى مراد، لم يكن لسبب ديني، لأن السيدة ليلى مسلمة وموحدة بالله سبحانه وتعالى، وكذلك لم يكن بسبب الخلاف السياسي، لأنها عربية مسلمة " .
«يجازيك يا أنور»
كتب انور وجدي، بخط يده، رسالة نشرها في الصحف، يوم 8 أغسطس 1952 ، عبر فيها عن اسفه لاتهامه ليلى مراد، وحاول ان يصحح اخطاءه بحقها، ومن ما قال فيها :" أقرّ بأن طلاقي للسيدة ليلى مراد، لم يكن لسبب ديني، لأن السيدة ليلى مسلمة وموحدة بالله سبحانه وتعالى، وكذلك لم يكن بسبب الخلاف السياسي، لأنها عربية مسلمة " . وقد كانت ليلى مراد، اعلنت من مكان اقامتها، في العاصمة الفرنسية باريس، حين اتهمها انور بالتبرع لجمعيات خيرية اسرائيلية، استهجانها ذلك. واجابت : " الله يجازيك يا انور" .
