عديدة هي الحكايات والطرائف الممتعة التي يسجلها أهل المسرح كل يوم، فالعمل الجماعي في المسرح، يفتح الفرص العديدة لحدوث ما لم يتوقعه أحد، ثم تصبح تلك الحكايات طرائف يستمتع بذكرها أهل المسرح، كلما سنحت فرصة لتجمعهم. أجمع الزملاء في مسرح الشارقة الوطني، عام 1985، على إنتاج مسرحية شعبية ذات أطر تأسيس الأكاديمي، وبفكرة جيدة ومتميزة، على ضوء ما كان يعرض في مسارح أخرى من مسرحيات ساذجة وهابطة، تحت مسمى المسرحية الشعبية، ولتقديم صورة جديدة للمسرح الشعبي الذي استغل اسمه بشكل سيء.
اتفقنا على اختيار مسرحية (كفر بطيخ) الكوميدية الاجتماعية المستقاة من الحياة المصرية، ولكن وجدنا أنها بعيدة جداً عن الحياة العامة في الإمارات. وهنا تشعبت وامتدت الحوارات المطولة بيننا، بشأن إمكانية كتابة نص جديد، من خلال روحية (كفر بطيخ) لسعد الدين وهبة، الذي عرف بمنهجه في المسرح الشعبي المتسم باحتكامه إلى أساس من الموضوعية والعلاقة الاجتماعية.
ولذا اتفقت مع الزميلين سيف الغانم وأحمد بو سالم بالتصدي للنص الجديد الذي أسميناه "بخشيش"، وأستطيع الجزم بأن سيف وأحمد نجحا في خلق مسرحية جديدة بالروح نفسها، ولكن بقالب أحداث أخرى لا علاقة لها بالنص الأصلي. إلا أننا، وللأمانة الأخلاقية، أشرنا إلى النص الأول. ومن خلال هذا التعاون خرجنا بنص شعبي كوميدي ذي موضوع اجتماعي مغاير لما كان يطرح حينذاك، من النصوص التي كانت تسمى: "شعبية".
أفكار إبداعية متضافرة
بنى عبدالكريم عوض الديكور الخاص بالمسرحية، بنفس واقعي وبروح جمالية معمارية رائعة، إذ جسد فيه جانباً من سوق لقرية تراثية، بكل ما في هذه السوق من عبق التراث وحيويته، مضيفاً جملة من التفاصيل الحيوية لاستكمال الشكل الواقعي، وفق نمط هندسة راق جداً. ووجدت، حينها، وبينما أنا أتخيل هذه السوق الخاصة بأحداث مسرحيتنا، أنه لا بد من توفير شتى المكونات الأساسية للحياة فيها، وخصوصاً وجود حمار يستغل في مشاهد السوق، لنعطي المصداقية والحيوية للحياة العامة للقرية التي كانت تمثل موضوعة مسرحيتنا.
وكان من السهل شراء سيارة، لكن كيف سنشتري حماراً، إلا أن المرحوم علي عبدالرحمن (أبو نواف)، مدير الإنتاج الذي كان يحقق لنا كل ما نطلب على الخشبة، أبدى استعداده. وبالفعل استطاع أن يشتري حماراً جميلاً.
ووقتها، شاركنا جميعاً في احتفالية نقل الحمار إلى قاعة إفريقيا، وربطناه خلف الخشبة، وأخذ لال: فراش مسرح الشارقة، يعتني به ويقدم له الغذاء، كما أن الفنان عبدالله أبو عابد أخضع الحمار إلى التدريبات المطلوبة، في الدخول والخروج والتوقف والحركة. وطبعاً، كان حماراً ذكياً بتميز.
غياب مفاجئ
حرصنا على شراء الحمار قبل أيام قليلة من العرض المسرحي. وكنا نراعي الحمار كونه ضيفاً عزيزاً على المسرح، وعضواً مهماً على الخشبة، وبالفعل استطعنا أن ننجح يوم العرض في إشراك الحمار، خاصة وأن عبدالله بو عابد هو الذي يمتطي الحمار، وتقوده الفنانة مريم سلطان، في وسط القرية.
ويجتمع الأطفال خلف الحمار، فيصفقون ويسخرون من شخصية بو عابد التمثيلية. وبعد أسبوع من العرض، اكتشفنا غياب الحمار من مكانه، وبدأنا نفتش عنه من دون جدوى، إلا أن حكايات عديدة دارت حول غيابه، فبعض الزملاء اعتبر غيابه سرقة، وآخرون قالوا ربما ان لال نسي أن يربطه، إلا أن لال أكد حرصه على ربطه بالحبل، والتأكد من وجوده، وذلك بزيارته مرات عديدة في كل يوم. إلا أن البعض قال ان الحمار ترك العمل المسرحي لأنه لم تعجبه المكافأة المخصصة له كممثل، وكانت مكافأة الممثلين يومها قليلة جداً، لا تغطي حتى قيمة بترول السيارة الشخصية.
ومهما اختلفت الأحاديث حول فقد الحمار، فقد كنا بحاجة إلى حمار آخر، لأننا كنا على وشك العرض في إمارة الفجيرة، ولا بد من حمار لأداء الدور، ولم نستطع الحصول على حمار آخر رغم محاولات (أبو نواف). وأخيراً.. قال الزميل محمد عبدالله، وهو الذي كان دائماً يقدم حلولاً نجدها منطقية، فنتبع ما يقول أبو عبدالله:
"لا حاجة لشراء حمار جديد ونقله، في الفجيرة تتوافر قطعان من الحمير، وحين نصل هناك نصيد حماراً ونخضعه للعرض".
وافقنا على رأي أبو عبدالله، وهو الذي كان يتحفنا دائماً بحلول واقعية حينما نمر بأزمة أو إشكالية. إلا أنه أشار علينا بالذهاب مبكراً إلى الفجيرة، حتى تتاح لنا فرصة صيد الحمار.
وبالفعل بكرنا في الذهاب إلى الفجيرة، وكان الباص يجمعنا ولكن المحبة هي القاسم المشترك بيننا. وكذا حبنا للمسرح بقي هو فقط ما يدفعنا ويحمسنا. فعلاً، فوجئنا ونحن ضمن الفجيرة، بوجود قطعان من الحمير، على سفوح الجبال وفي الشوارع القريبة منها. وعندها، أوقفنا سيارتنا ورسمنا خططنا لصيد حمار.
وهنا بدأت مسرحية أخرى، خارج نطاق الخشبة، وهي استكمال لمسرحية بخشيش، سميناها مسرحية صيد الحمار، إذ قضينا ما لا يقل عن الأربع ساعات في هذا الأمر، وكان الفريق بأجمعه يحاول صيد حمار واحد، ولكننا فشلنا. فقد كانت الحمير من الذكاء بحيث لم يقع أحدها في أي مصيدة نصبناها.
وبعد أن هدنا التعب، وسقط بعضنا على الأرض، وتمرغنا بالرمل والتراب، وبدأت الشمس تودعنا، واقترب العرض المسرحي، كان علينا أن نفكر في وسيلة أخرى وبمخارج فنية، نعوّض فيها عن دور الحمار الذي هرب والآخر فشلنا في صيده من جبال الفجيرة.
وكان الحمار حكيماً بعد أن رفض مشاركة بو عابد دوره، أو ربما اعترض على مريم سلطان وهي تقوده لتقديم بو عابد إلى والي القرية لمحاكمته بسبب خروجه عن المألوف وعن العادات والتقاليد والأخلاقيات، الخاصة بثقافة القرية. وبذا قرر جلده في ساحة القرية العامة عند السوق.
عقبات.. فنجاح
"بخشيش" محطة من محطات المسرح في الإمارات عام 1985، ولعلها نموذج لما كان يعانيه المسرحيون من فقدان التقنيات الفنية، إذ كانت قاعة أفريقيا خالية من المستلزمات التقنية للعرض المسرحي. وكان لدينا في مسرح الشارقة منظم للإضاءة (ديمير)، بسيط وبدائي مؤلف من 10 خطوط فقط، إلا أن حظنا العاثر أوقعنا في مطب احتراق ذلك الجهاز خلال البروفة ما قبل الأخيرة، فدخلنا في إشكالية فنية، وكنا بين أمرين أحلاهما مر، فإما أن نلغي المسرحية، أو أن نعرضها مستعينين الإضاءة البدائية المتوافرة حينها، إذ كان يتعذر الحصول على جهاز بديل خلال فترة قصيرة.
ومن المستحيل إصلاحه أيضاً، فاجتمع مجلس إدارة مسرح الشارقة، وقرر عرض المسرحية بما يتوافر، ومن دون إضاءة فنية. والواقع أن أجواء المسرحية الواقعية، ساعدت على تخطي الأزمة وأن لا تظهر للجمهور كنقطة ضعف، إلا أننا كفنانين كنا نتلمس النقص الحاصل في المشهد العام، من خلال الإضاءة الفيضية التي فرضها واقع الحال.
تحقيق الذات
نجح العرض رغم عدم وجود تقنيات، لأن واقع المسرحية وأسلوب إخراجها، لم يعتمدا على توزيع ضوئي أو بقع ضوئية. وتجاوزنا فيها الإشكالية التي شخصت لنا، عبر حيلة الاستعانة بما يتوافر من إضاءة بدائية، مع بقاء الحلم. وقد تحقق اليوم أمام المخرجين الشباب، بوجود صالات للمسرح.
فيها كل التقنيات. وهذا مع وجود بدائل متاحة لأي ظرف من الظروف، والتي ربما تحدث في المسرح. وكان العمل المسرحي يومذاك، أشبه بالنضال من أجل تحقيق الذات. وكان إصرار المسرحيين أكبر بكثير من المطبات التي تحدث لكل مسرح من مسارح الدولة.
قصة مصروفات حمار
حكاية الحمار في مسرح الشارقة الوطني عام 1985، تذكرني بحادثة مشابهة وبظروف مختلفة، وقعت مع المخرج محسن العزاوي في المسرح القومي في بغداد، خلال السبعينات من القرن الماضي، إذ كان محسن بحاجة إلى حمار، وبسهولة اشترى مدير الإنتاج حماراً. وأحضره إلى المسرح القومي. ولكن الحمار لم يهرب .
كما هرب حمارنا. ولم يعترض على المكافــأة كما حدث لحمار بو عابد، ولكنه تعرض إلى إشكالية أخرى، وهي القوانين المخزنية والحسابيــة في النظم الروتينية البيروقراطية، إذ ما أن وصل مستند الصرف إلى مدير الحسابات التقليدي، حتى أمر بإدخال الحمار إلى المخزن، وتسجيل بطاقة مخزنية باسمه وتسجيله كأي أثاث مخزني بصفحة منفردة. وهنا بدأت إشكالية أمام محسن العزاوي، فقد رفض مدير المخازن، خـروج الحمار من المخزن، إلا بأمر صرف من الجهة ذات الاختصاص.
والتي رفضت تحمل مثل هذه المسؤولية إلا أن الحمار ذاته كان يعاني من إشكالية أكبر، فمدير الحسابات رفض صرف أي مبلغ لشراء غذاء للحمار الذي كاد أن ينفق من الجوع، لأن بنود الصرف لا يوجد فيها ما ينص على صرف مبلغ لشراء غذاء الحيوان، وقد استطاع أهل الخير حل الإشكالية، ذلك بتحملهم مصروفات الحمار. وهكذا تطـورت الحكاية والمعاناة والإشكالات، لتصل القضية إلى المدير العام الذي حلها عبر تحمل كل المسؤوليات المترتبة على هذا الحمار الممثل، والذي ضاع حقه بوجود قوانين قسرية غير مرنة، خاصة في مؤسسة فنية معرضة لكل أصناف الحوادث الجديدة.
