وفر التقدم للإنسان المعاصر، وسائل وأدوات وآلات، يسرت عليه حياته اليوميّة، وطوّرت معيشته، وخلصته من معاناة ومشقات العمل، والتنقل، والزراعة، والصناعة، وتحضير الطعام والشراب، والاتصال، والتواصل مع الآخر، حتى لو كان في آخر الدنيا، إذ تحول العالم بفضل هذا التطور التقاني، إلى قرية كونيّة صغيرة، يعرف الإنسان ما يجري فيها وهو جالس في بيته، أو في مكتبه، وذلك من خلال جهاز صغير، لا يحتاج منه سوى كبسة زر (وأخيراً لمسة زر) في هذا الجهاز!!

 

صعّد التطور العلمي التقاني، رفاهية الإنسان وعممتها على مظاهر حياته اليوميّة كافة. كما طاولت كيانه الفيزيولوجي والنفسي. أي جسده وروحه، ووفرت جهده ووقته، وحدّثت مسكنه، وأماكن ووسائل الترويح عنه، وممارسة هواياته، بل أوجدت له المزيد منها، وجميعها سهلة القيادة، ميسرة التعامل، عديدة الخيارات، متنوعة ألوان وأجناس البهجة التي توفرها له، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

 وأخيرا، وصل هذا التطور المذهل، إلى جسده، ليُحسّن ويجمّل فيه، عبر التمارين الرياضيّة، أو برامج المعالجة الخاصة، أو من خلال عمليات التجميل: شفطاً، ونفخاً، وقصاً، وشداً. تكبيراً وتصغيراً لهذا العضو أو ذاك من بدنه. ويضاف إلى ذلك، الثياب المتطورة، و(اكسسواراتها) الكثيرة، التي باتت جزءاً لا يتجزأ منه ومن حياته التي غزتها الرفاهية المتعددة الأشكال والألوان والنكهات!!

 

تدمير كبير

في الجهة المقابلة، أو في الحد الثاني من سلاح تطور العلم والتقانة، فقد وصل الخراب إلى روح الإنسان المعاصر، والكسل إلى جسده، نتيجة لهذا التطور الذي لم يقتصر على الجانب الخيّر، والإيجابي، والسليم، بل وطاول الجانب الشرير، المظلم، والسلبي أيضاً، بحيث وضعت حياته وكوكبه ومستقبلهما، على كف عفريت، نتيجة التطور المذهل، لوسائل تدميرهما!!

صحيح أن الذنب في ذلك لا يقع على العلم والتكنولوجيا وتطورهما المتعاظم والمتسارع، وإنما على الإنسان الجشع المحكوم بمصلحته الضيقة، وأنانيته القاتلة، واستنهاض الجانب الشرير فيه، وتضخيمه على حساب الجانب النبيل والخيّر. فهذا الإنسان الطماع، المهووس بالسلطة، وتجميع الثروة، سخّر جوانب عديدة من تطور العلم والتقانة، للوصول إلى أطماعه ونزوعاته المريضة.

حيث تفنن بابتكار الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لتجميع الثروة، والوصول إلى الحكم والسيطرة على الآخر، والتلذذ بإهانته، وسرقة ثروته وثروات بلاده، بشكل مباشر وغير مباشر. أي باستخدام القوة الخشنة أو الناعمة.

ومن أجل ضمان تفوقه وسيطرته هذه، أولى وسائل القتل والتدمير والفتك، جانباً كبيراً من اهتماماته، فعكف على تطوير أسلحة الدمار الشامل من القنابل الذريّة والنترونيّة والعنقوديّة والانشطاريّة والجرثوميّة والكيميائيّة والحراريّة، وغيرها. كما طوّر في وسائل قذف الآخر بها، كالطائرات والصواريخ والبواخر والغواصات، وأيضا المركبات والدبابات، والمصفحات ...

والغريب، أن جشع تجار الحروب هؤلاء، لا يشبع ولا يرتوي، ولا يقف عند حد، رغم أن ما جمعوه من الثروات، يكفيهم حتى لو ماتوا وعاشوا، آلاف المرات!!

 

وجهان متباينان

لأننا لا نريد أن نرى الجانب الفارغ فقط من الكأس، وإنما الجانب الملآن أيضاً، نشير إلى أن تطور العلم والتقانة، أوجد للإنسان الكهرباء والهاتف ووسائل النقل الحديثة، وكذا آلات الزراعة المتطورة، ومصانع تعليب منتجاتها وحفظها وتخزينها ونقلها والأدوات والآلات التي تسعفه في البناء والنظافة والأناقة والاتصال. إضافة إلى البيع والشراء والتجارة والصناعة والاقتصاد واللهو، غلى جانب الاستجمام والصحة .. وغير ذلك الكثير.

رغم هذا، لا يزال الفقر والجوع والمرض والتخلف والتمييز العنصري والطبقي، المنطق والأمر السائد والمنتشر والمسيطر على شعوب العالم التي حولها جشع تجار الحروب والسماسرة والعملاء والفاسدين والانتهازيين ومقتنصي الفرص، الى مزارع لها.

 

المحمول

 

المحمول أو الجوّال أو (الموبايل)، أحد إفرازات العلم والتقانة خلال العقود الأخيرة. وبدأ انتشاره خجولاً، ومن ثم توسع بشكل مذهل لنجده في متناول الجميع، أينما كانوا وكيفما كانوا، ومن الشرائح العمريّة والاجتماعيّة والثقافية والاقتصادية كافة. فقد بتنا نراه مع الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والغني والفقير، فيستعملونه في الشارع والسيارة والطيارة، والغابة والنهر والبحر والجبل والصحراء. وفوق الأرض وفي جوفها .. وفي كل مكان يقصده الإنسان، ليلاً ونهاراً.

يزداد استخدام المحمول يوماً بعد يوم، لدى القادر على تغطية نفقاته وغير القادر، المحتاج له وغير المحتاج، فالمهم أن يتزين به، ويظهر عصرنته من خلاله.

هذا الاقبال الكبير على المحمول، يزداد بشكل لافت في بلادنا العربيّة، رغم تكاليفه الباهظة، ورغم ما أثير حول مضاره الصحيّة على حامله ومستعمله، والتي لا تزال بين أخذ ورد، وتأكيد ونفي. لكن ما جاء، اخيرا، من العاصمة النمساويّة، فيينا، يؤكد أن شبكات المحمول الخاصة، أصابت نظم رادار الدفاع القومي، بالعمى، عبر شغلها لموجات التردد، إذ لم تعد المراقبة الجوية تعمل على الإطلاق.

 

مضار المحمول وعائلته

ليس هذا فحسب، فابنة عم الهواتف المحمولة (الحواسيب المحمولة)، المعروفـــة باصطلاح (لاب توب) والهواتف المحمولة نفسها، وغيرها من الأجهزة الإلكترونيّة المشابهة، أصبحت تشكل خطراً كبيراً على الملاحة الجويّة. فقد أعلن خبراء متخصصون في أمن الطيران، اخيرا، عن مخاوف جديدة من أخطار تتهـــدد عالم النقـــل التجاري الجوي، تتمثل بلجوء الإرهابيين من ذوي الخبرـــات المتقدمة، إلى استخدام هذه الأجهزة في التشويش على أجهزة الطائرات، بعد إجراء بعض التعديلات على أدائها.

ومن أجل هذا، أوصى خبراء أمن الطيران الأميركيين بضرورة المبادرة، إلى إصدار قانون يقضي بمنع ركاب الطائرات من حمل أجهزتهم الحاسوبيّة والهاتفيّة المنقولة على متن الطائرات، مؤكــــدين أن بعض الأجهزة الإلكترونيّـــة التي تبدو كأنها لا تحمل أية خطـــورة، كمشغلات الأقــراص المدمجة والحواسيب المحمولة وأجهـــزة الاستماع للموسيقى، يمكن تعديل وظائفهــا بسهولة، وبطــرق يصعـــب كشفهـــا، بحيث تتحول إلى أجهـــزة للتشويـــش على أنظمــة التحكم بالطائرات.

وهكذا يُضاف إلى الأخطـــار الصحيّة التي قد تسببها هذه الأجهزة على حامليها ومستخدميها، الأخطار المحتملة التي قد تسببها للطائرات ونظم الرادارات. ومن يدري ماذا ستحمل لنا الأيام القادمة، من مخاطر جديدة كامنة فيها، وقد تكون هذه المخاطر تمارس فعلها في كياننا، ببطء شديد لا يمكن إدراكه في الوقت الحالي، ولكنه سيظهر في المستقبل، بفعل التراكم!!

حلت هذه الأجهزة المتطورة، مشاكل عديدة للإنسان المعاصر، ولكنها بالمقابـــل، واعتماداً على الدارسين والاختصاصيين، حملت مشاكل ومحاذير جديدة. وبعضها يمكن تصنيفه بالخطير والمرعب، فهل العلم نعمة أم نقمة؟ وهل ما تمخض عن التطور التكنولوجي (وما سيتمخض عنه مستقبلاً) هو حقاً لخدمة الإنسان، وتسهيل حياته، وتطويرها، وترفيهها، أم أن العكس هو الصحيح؟