يعتبر المعرض السنوي الـ 30 لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، الذي يختتم فعالياته الأسبوع الجاري، بمثابة مفصل نوعي في تاريخ حركة الفن في الإمارات، حيث برزت فيه قدرات وإبداعات العديد من الفنانين الإماراتيين والمحليين، والتي تجاوزت التوقعات على مختلف الصعد والتيارات الفنية. يقدم (مسارات) قراءة لأبرز أعمال المعرض، التي تعزز مكانة مبدعيها في الساحة المحلية والعربية،

تميزت دورة العام الحالي، من معرض جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، في مقر متحف الشارقة للفنون (انطلق مطلع شهر فبراير الماضي)، بالمستوى النوعي العالي لـ 34 فناناً إماراتياً ومقيماً، إلى جانب استضافة عدد من طلبة الجامعات في الإمارات وفنانين من عُمان والسعودية.

 وبلغ عدد الإبداعات التي شغلت ثلاثة أدوار من الجانب الشرقي للمتحف، 134 عملاً. كما تنوعت الأعمال التي أشرف على اختيارها القيّم على المعرض، الفنان خليل عبد الواحد، بصورة متوازنة، وذلك بين مختلف أنواع الفنون البصرية التقليدية والحديثة والمعاصرة.

 

دهشة الفن

تضمن المعرض، عددا من الأعمال الإبداعية التي تجاوز فيها الفنانون أنفسهم، وهي ترسخ في ذاكرة المشاهد، إذ يشعر الزائر أمامها بالدهشة، إلى حد الانبهار والإعجاب بقدرات الفنان، ويدرك المتابع لأعمال هؤلاء الفنانين، طبيعة القفزة النوعية في تطور أسلوبهم وتقنياتهم، سواء على صعيد الموضوع أو الجرأة في الأسلوب.

 

 

يقف المشاهد عاجزاً عن التعبير، أمام روعة وقوة منحوتة الفنان الإماراتي مطر بن لاحج الضخمة: (لغة تنعى نفسها)، التي احتلت مساحة جناح بأكمله، والتي تأسر عين وروح المشاهد من اللحظة الأولى، لما تحمله من جماليات، سواء على صعيد الموضوع أو جرأة التكوين.

فلغتنا العربية تنعى نفسها بطعن حرف الضاد الموجود على عدد من الصفحات، بسيف لغة غربية شكلت حروفها مقبض السيف، والذي بلغ ارتفاعه 3 أمتار، وهذه الطعنة التي اخترقت قلب الحرف والأوراق، أسالت دماء لغتنا التي انسابت بحرفي الألم :(آه) متناثرة على أرض قاعدة المنحوتة بمساحة 230 بـ 230 سم.

يكمن إبداع مطر في هذا العمل في نجاحه بتوصيل فكرته بقوة وعمق، وفي جماليات تكوين العمل المدروس من مختلف جهاته وزواياه، وكذلك في اختياره لخامة المعدن التي تعكس قوة الألم ووجعه.

وفيما يلي مقتطفا من رؤيته التي رافقت العمل: "إن الذي ملأ اللغات محاسن، جعل الجمال وسره في الضاد، أثارني في هذا الزمان إلى ما آلت إليه لغتنا العربية (لغة القرآن) من تهميش وإهمال وهجرة جماعية ...). يبقى هذا العمل رصيداً للإبداع في تاريخ كل من الفنان مطر وضمن حركة الفن في الإمارات عموماً.

 

مخازن

شكلت أعمال الفنان الإماراتي الشاب ناصر نصر الله، في الرسمــ بالأبيض والأسود، قفزة نوعية بالمجال، خاصة لمن عرفه من خلال أسلوبه في الرسم المصور القريب من فن (الغرافيتي)، أي الرسم على الجدران. وتجلّـــت في لوحاتــــه الضخمـــة، قدراته الفنية العالية في الرسم الانطباعي، خاصة .

وأن الرسم بلون واحد على بياض اللوحة يتطلب الكثير من القدرات والمهارة، إذ تعتمد جماليات العمل على التكوين وظلال الرماديات وعلى البياض، وكذلك التلاعب بالتفاصيل، بغرض إبراز الأبعاد التي تتطلب الكثير من الصبر والمثابرة الدؤوبة.

وتبعث لوحات نصر الله في المشاهد، جملة أحاسيس دفء وحنين، طالما افتقدهما، خلال مشاهداته للعديد من المعارض التي غابت عنها روح الإنسان لصالح الفكرة أو الأساليب، والتي رجحت كفة مهارات التقنيات الحديثة. وتحمل كل لوحة من لوحاته المزدحمة بالأشياء القديمة والسلع وغيرها، خصوصية في الموضوع، بعيداً عن التكرار، والتي تدعو المشاهد للوقوف والتأمل ملياً، أمام كل منها.

 

أيقونات تُلبس

الدخول إلى جناح أعمال الفنانة ماجدة نصر الدين، ضمن المعرض، بمثابة زيارة لمتحف مصغر، حيث تمثل كل مجموعة أو لوحة من لوحاتها بحجم الأيقونة أو القلادة، نمط إبداع فني متكامل، على الرغم من صغر حجم تلك اللوحات والايقونات. ومن يتأمل كل قطعة، يجد نفسه أمام لوحة متكاملة، سواء من خلال الألوان أو ضربات الفرشاة المتناهية في الدقة، والبالغة في تعبيرها والمحملة بروح الفنان ومشاعره المكثفة.

ونرى انه استطاعت ماجدة في أعمالها المبتكرة هذه، أن تحقق المزيد من التميز في أسلوبها الفني الذي يعتمد على تكثيف قدراتهـــا والتعبير عن انفعالاتها في أضيــق مساحة.

وتنوعت الأيقونات بين مختلف المدارس الفنية، من الفن الانطباعي والتعبيري إلى التجريدي وفنـــون الكـــولاج والزخارف والرمـــوز، والتي تعيد لذاكرة المشاهد أعمال الرواد في تلك العصور.

 

«خاتون البغدادية»

ما إن يقترب المشاهد من جناح الفنان محمد عبود، حتى تأسر نظره لوحة (خاتون البغدادية)، والتي يستغـــرق فيها، ليعيــش حالة من السكينة مع خاتون البغدادية البدينة التي تنام بطمأنينة على سطح بيتها، في أحد الأحياء القديمة، حيث تتراكب البيوت على بعضها البعض، في دعة وسلام، في حين يجري طفل يلعــب بطائرتـــه الورقية التي تحلق في السماء فوق النهر والبيوت.

وتحمل لوحة عبود هذه، العديد من الجماليات والمعاني التي يفتقر إليها الإنسان العربي في الزمن الراهن، فخاتون جميلة باكتنازها ورضاها عن نفسها، وكذا عن بساطة العيش، وتغلــب على ألوان اللوحة الدافئة المستمدة من البيئة العربيـــة، زرقة شفافة حالمة. ويكمن تميز هذه اللوحة في قدرة عبـــود على نقل المشاهد من رؤيته للوحة إلى العيش في انطباعية عوالمها، والتشبع من أجوائها المفعمة بالحنين.

الذاكرة 1 و2

شاركت الفنانة وفاء خازندار بلوحتين ضخمتين، في المعرض، وتميزتا بخصوصية الأسلوب الفني فيهما، القريب من عوالـــم الطفولة بعفويته واختزاله. وتحمـل كل لوحة العديد من الجوانب الجمالية، سواء في التكويــــن أو في صفـــاء الألـــــوان أو في جماليات رسم العناصـــر المستمدة من حياتنا المعاصرة برؤيــــة الفنانة، والتي تبرز الصورة الخارجية والداخلية.

لتحمل اللوحـــة الأولى سكينة ورتابة الحياة لطفل وامــــرأة، كما تنتقل إلى العالم الداخلي في اللوحة الثانيــة، حيث نشاهد معاناة المرأة وانعكاسهــــا على الطفل المرتبـــط بها، والتي تترجــــم الإحساس العميق بالوحدة والعزلة.

وتعتبر مشاهدة لوحتي خازندار، بمثابة محطة تأمل شاعرية لوجدانيات الإنسان في ذاكرة طفولة زمن ليس بالبعيد، فهناك الحاكي والاسطوانة، والسجادة المزخرفة وحمامة سلام وأرضية مرصوفة بالبلاط الأبيض والأسود، في مقابل وحشة النفس في اغترابها وعزلتها في عالم الذكريات، والتي تغزو الإنسان حينما يهجع في سريره ويجافيه النوم.

 

بورتريه مختلف

تبرز أعمال الفنانة الإماراتية كريمة الشوملي، في المعرض، إطار الفنون المفاهيمية المعاصرة، حيث أسلمت وجهها لمجموعة من زملائها الفنانين، ليرسموا على وجهها انطباعاتهم عن شخصها. ويحسب لكريمة الشوملي فكرتها المبتكرة.

والتي قدمت جملة صور لرؤى مختلفة، فمنهم من شاهد فيها وجه الفرح الخجول، وآخرون شاهدوا الغموض والحيرة، وكذلك جماليات الحياة. وتتجلى في الوجوه المرسومة، خصوصية كل فنان في تعبيره، مثل: نجاة مكي وشخوص نسائها، وخليفة الشيمي بحروفياته، وعمر عبد العزيز، ومحمد يوسف.

 

عيون اللوحة

والصورة أو اللوحة الأبرز في المعاني والمضمون، هي الوجه الذي رسمته منى الخاجة التي ترجمت رؤيتها لشخص كريمة المنفتحة على العالم، بتعدد العيون التي لم يحد البرقع من انفتاحها على مختلف جوانب الحياة. وتتميز الفنانة كريمة في إطار الفن المفاهيمي بجرأتها على تقديم أفكار غير مألوفة ومرتبطة بالواقع المعاصر. ا

لدخول إلى جناح الفنــان والقاص والشاعر الإماراتي محمد المزروعي، أشبـــه بالدخول إلى تلافيف ذاكرته بكل ما تحمله من تفاصيل، عن حياتـــه اليوميـــة والفكرية والروحية بأجواء وسريالية في الوقت نفسه. ويتميز عمله بالفوضى المقصودة البعيدة عن مفهوم الاستسهال أو العبثية، فكل ما هو موجود من لوحات وأوراق يحمل جزءا من معاني عالمه.

وما يثير الإعجاب في عمله هو رسوماته التي تعكس قدراتهــ الفنية والقريبة من أجواء وجوه بيكاسوـ، وصولاً إلى زوايـا وأركان يحمل عالماً قائمـاً بحد ذاته، بين الكتـب والريش وحضور المرأة، وما في الزمن الاستهلاكي من تفاصيل استطاعت التسلل إلى عوالمه.

 

حياة الألمنيوم

يقدم الفنان الإماراتي محمد القصاب، في المعرض، عملاً متميزاً ومختلفاً عما ألفناه منه في التشكيل، حيث استلهم من مادة الألمنيوم المطواعة والمرنة التي نستخدمها في حياتنا اليومية، عملاً جمع فيه بين الصورة والنحت، فمقابل الجدار الذي امتلأ بصور مختلفة لأدوات الألمنيوم المنزلية، نجد على الأرض منحوتته التي لها شكل حشرة (أم أربع وأربعين).

استطاع القصاب بمخيلته الواسعة ومن الأدوات المنزلية، مثل (السفرطاس) الذي يحمل وجبات الطعام في أوعية متراكبة فوق بعضها البعض، وبعض الادوات الأخرى، تشكيل هذه الحشرة التي تحمل الكثير من الجماليات والطرافة.

 

إعادة التدوير

يبرز عمل الفنان الإمـــاراتي محمـــد أحمد ابراهيم، المستلهـــم مـــن إعادة تدويــــر المواد الاستهلاكيــــة، حيث شكل ثلاثة مجسمات كآبار المياه، من بقايا قوارير المياه البلاستيكية. واستخدم في تشكيل أعماله عدة مواد أضافت الكثير الى جماليات العمل، وأعطت إحساساً خزفيات متعددة الألوان.

 

فنون الفيديو

وفي إطار فن أفلام الفيديو، برز تميز فيلم راشد الشعشعي: (إرثنا الأرض)، الذي تناول فيه قضية تلوث البيئة منطلقاً من النوايا الحسنة بإنشاء مصنع تحلية المياه، الذي أطلقت مداخنه السامقة غيوم الدخان. ورمز لهذا التلوث من خلال حديقة ألعاب خاصة بالأطفال، تنطلق من أعمدتها سحب الدخان التي تقضي بالتدريج على عالم الإنسان.

وعالج الشعشعي الفيلم بطرق وتقنيات أضفت الكثير من الجماليات الفنية على العمل. وشاركت الفنانة منى عبد القادر بفيلمها (دوربين)، وبرز فيه المنظار الذي تميز في جزء منه بقدرتها على تصوير جماليات الطبيعة بعين طفل. وشارك الفنان حسن مير بفيلم (العقل الفارغ) الذي حمل العديد من الأفكار التي غابت في إطالة مدة التصوير.