يعمل الناقد الدكتور محمد مفتاح على مشروع جديد، يقوم على إعادة قراءة علم أصول الفقه في إطار فلسفة اللغة والابستمولوجيا والدراسات اللسانية المعاصرة، بغية التخلص من المذهبيات الضيقة، فضلا عن إمكانية استنباط بعض القوانين المفيدة منها للمجتمع وللدولة المعاصرة، بما ينسجم مع مشروعه الفكري التاريخي الذي لم تتقطع أوصاله في أي مرحلة، مع مخرجات الفكر الإنساني، قديمه وحديثه، على حد سواء.
من الطبيعي أن يتشعب الحوار مع المفكر الدكتور محمد مفتاح، وأن تأخذ أفكاره وأطروحاته منحى أكاديميا متخصصا، قد يبدو في الوهلة الأولى أن المعنيين به من نخبة المثقفين والنقاد فقط، لكن كلما كنا نطرح عليه سؤالا ونتلقى الإجابة عنه، كان يتضح أن المسألة ليست على النحو ولا بهذا التعقيد المتخيل، وذلك على الرغم من الطابع المتخصص للمناهج البحثية التي يتبعها في تتبع تلك الأطروحات.
وذلك يعود إلى وضوحها في ذهن صاحب نظرية ما بعد الاستشراق، الذي تحدث عن أمور شتى، من بينها أنه يتعين على الشاعر أن يكون ممثلاً مسرحياً ومغنيا وشاعرا في آن واحد، بحيث يشكل تكوينا جديدا موسيقيا وحركيا وصوتيا، كما تساءل بشأن كيفية إمكان وجواز أن يتحدث الناقد عن اللغة أو الشعر أو الأصوات والموسيقى الداخلية والموسيقى الخارجية، وهو لا يعرف العلائق بين المفردات، من بين مواضيع أخرى.
هل يمثل الشعر ضرورة أم أنه ترف؟
الشعر ضرورة بشرية، مثله مثل الأكل والشرب والتنفس، وكل شيء حيوي للبشر، ومكان الشعر موجود في الدماغ البشري باعتباره لغة، واللغة تقع في الجانب الأيسر من الدماغ، وباعتباره موسيقى، فإنه يقع في الجانب الأيمن من الدماغ، بمعنى أن الشعر متجذر في التكوين البشري، فمسألة الشعر كضرورة غير مطروحة نهائياً للنقاش، هو ضرورة من حيث المبدأ .
منهجية وإعادة نظر
تركز في أبحاثك على الجوانب المعنوية والروحية إلى جانب الجوانب العلمية، وصولا إلى الأصوات والكلام...
نتخذ العلم أساسا، لأن العصر الحاضر هو عصر العلم، وخاصة الفيزياء والطب الجديد المتعلق بالدماغ. فهناك محاذير مطروحة تتبنى هذا المنهج، بمعنى أنه يجعل ما نكتبه وقتياً لأن العلوم في تطور مستمر، وكلما تطورت عليك أن تعيد النظر في المنهجية التي اقترحتها.
ومثال ذلك لسانيات تشومسكي الأولى التي كانت مبنية على ما يسمى بالقوالب الدينية المستقلة، بمعنى أن الدماغ البشري عبارة عن صناديق صغيرة، وكل صندوق مكلف بوظيفة أو أكثر، وبناء على هذا التواصل في الدماغ البشري ظهرت اللسانيات المعرفية، و بالتالي فإن ما نكتبه وما نطرحه قابل للمراجعة. واعتقد أن ما يساير العلم المعاصر هي الأبحاث في العلوم الإنسانية، ومنها النقد الأدبي أو السيمائيات وما إلى ذلك.
إذا كان الشعر ضرورة فلماذا الإحجام عنه ؟
كل إنسان يدندن، وربما يشعر بلغته الخاصة به، ولكن ما يجعله يبتعد عن الشعر هو قلة العناية بالمادة المقدمة اليه، أي أنه إذا أراد الشاعر، في الوقت الحالي، أن يسوّق بضاعته، كما كان يفعل في العصر الجاهلي، وربما حتى في العصر العباسي، فإنه يتعين عليه أن يكون ممثلاً مسرحياً ومغنيا وشاعرا في آن واحد.
فالشعر هو بالحقيقة إيفاع قبل أن يكون كلمة، لأن الحركة تنوب عن الجملة اللغوية وأحيانا تكون بمثابة إيضاخ لها، ويكون هذا دور الحركة للشاعر. إن الشعر مثله مثل المسرح أو الحفلات الموسيقية. فكيف لك ان تقدم شاعرا وهو جامد الحركة يسرد ما كتبه سردا لا تكاد تميزه الأذن؟ إن ذلك هو السبب الذي يفرض شرط وضرورة تكوين الشاعر تكوينا جديدا، موسيقيا وحركيا و صوتيا.
وكذا أن يخضع لما يخضع اليه الممثل المسرحي و المغني، وباختصار فإن عليه أن يكون فنانا، وإذا أخذنا بهذا فسيكون للشعر حفلاته، أما النصوص الميتة التي لا تنشد، فهي شأن المحلل أو الناقد الذي يتعامل معها، أما الشعر الحي فمثله مثل الفنون الأخرى، وإذا ما أخذنا النص المكتوب أيضا، فيجب أن يضاهي التشكيل.
ويمكن أن تقاس الصفحة الشعرية على شاشة التلفزيون، فالأمر يتعلق بطرق تعليمنا البدائي، وهذه دعوة لإعادة النظر في طرق تكوين الشاعر واعتبار موسيقاه، أو ما يسمى بعروض الشعر، ضرورة من الضرورات وطرح قضية بين الشعر واللغة، كما تطرح عالميا، حاليا، في إطار العلوم المعاصرة، أما أن نجعل العروض وكأنها مادة ثانوية فهذا شيء لا يليق نهائيا.
فإما تنظر إلى الشعر وهو ينشد وكأنه مسرحية ممتعة، وإما أن تنظر إليه وهو مكتوب وكأنه لوحة تشكيلية أو شاشة تلفزيون لترضي حاسة البصر، كما أرضيت حاسة السمع . وهذا بالنسبة للمشاهد الحاضر في القاعة، فكيف إذا نوصل هذا الأمر إلى الشخص الذي لم يحضر، وهنا يأتي دور التقنيات الجديدة.
ضرورات واحتياجات
من يتحمل مسؤولية الانتقال بواقع الشعر بصفته منتجا نخبويا وجعله منتجا عاما ؟
الامر يتعلق بطرق التعليم ومن ثم بالتخلف النظري، ماذا يعني التخلف النظري؟ يعني أن الشعر والموسيقى جوهران في الانسان و نحن نعتبرهما أشياء ثانوية، وعندما تنمي الذائقة الموسيقية بين الناس أنت تضيف قيمة جمالية مجتمعية مهمة وفريدة، وكذلك اللغة.
كل ذلك يخضع لتجارب علمية مخبرية بناء على آلات التصوير المغناطيسي المتداولة في المستشفيات حيث تم رصد حركة الدماغ عندما يتلقى الأصوات المختلفة وما هي المناطق التي تتحرك أكثر من غيرها، ما يسمح لنا بالتفريق بين مختلف الأحرف.
هناك مبدأ علمي يقول ان العضو الذي لا يستخدم يضمر، وبالتالي نحن لا نستخدم هذه الآلية وقد نكون رجعنا إلى الوراء كثيرا؟
هذا صحيح، ومعناه أننا نهمل آلات زودتنا بها طبيعيتنا البشرية، وكأننا نجمدها، فقد أثبتت الدراسات المعاصرة أن الموسيقى والرياضة تقومان بدور كبير في تنشيط الذكاء البشري، بل ربما يكون الموسيقي الذي يتمتع بحاسة موسيقية أذكى من الآخرين، لأن الموسيقى متجذرة في الدماغ البشري ومرتبطة بالنسب الرياضية، وبالتالي فإن الرياضيات والموسيقى لا ينفصمان تماما، أي أن هناك نسبا عددية تسند إلى كل صوت، وما قلناه في الموسيقى ينطبق على الشعر.
انواع ومستويات
هل تتفق مع ما يقال حول افتقار الساحة الثقافية العربية للنقاد، أم أنهم قليلو العدد على أقل تقدير، مع ملاحظة أنه لا يمكن لحركة ثقافية أن تنمو بشكل طبيعي، بعيدا عن النقد والنقاد؟
من حيث المبدأ، علينا أن نأخذ مفهوم النقد بصفته مفهوما عاما، والمفهوم العام قابل للتدريج، أي أنه بوسعنا أن ندرج هذا المفهوم في عدة مستويات، كأن نجعل النقد التوثيقي والنقد الصحافي والنقد الانطباعي والنقد الذي يرصد المتشابهات، ولكن ما يتوج كل هذا في الآخر هو علم النقد، ونحن بحاجة إلى كل هذه الأنواع ومحتاجون إلى من يتابع الإنجازات الأدبية ويوثقها، نحتاج إلى من يقربها في الجرائد والمجلات والتلفزيون، نحتاج إلى ناقد يقارن نصوصا عربية وأجنبية بين مختلف العصور.
كما أننا نحتاج إلى علم البلاغة القديم أو علم المنطق أو حتى علم الاجتماع وعلم الفيزياء، أي أن النقد ينطوي على مفاهيم محددة وغير محددة، وعلى مسلمات وعلى منهجية، وبناء على هذا، فإن علم النقد حينئذ قد يكون له استقلاله الخاص عن الابداع، ذلك يعني أن الناقد يبني عالمه كما يبنى الشاعر عالمه، ولكن بناء على المؤشرات التي يقدمها له الشاعر.
قلت ذات مرة إن النقاد في العالم العربي يعدون على أصابع اليد الواحدة، إلام ترد ظاهرة عدم الاقبال على النقد.. إلى صعوبته أم إلى استسهال وسائل أخرى؟
الناقد لا بد ان يلم بعلوم مختلفة وعلى رأسها اللغة وما اتصل بها والدلالة والأنثروبولوجيا وعلم التاريخ والأبستمولوجيا وتاريخ الأفكار، ونحن في العالم العربي ليس لدينا هذا التعليم بهذا التكامل الحاصل في أوربا وأميركا، فلا يمكن أن نمارس النقد من دون أن نكون متمكنين من الاتجاهات النحوية .
ومن المنطق وخاصة القديم منه وتطبيقات هذا المنطق في البلاغة وفي علم أصول الفقه ، فمن لم يدرس كتب علم الفقه وخاصة المطولات لا يمكن أن يكون سيميائيا بالمعنى الحقيقي، إذا هي مسألة تكوين، فكيف للناقد أن يتحدث عن اللغة أو الشعر أو الأصوات والموسيقى الداخلية والموسيقى الخارجية وهو لا يعرف العلائق بين المفردات وبين الكلمة.
ماذا عن الصحافة الصفراء والنقد.
لا بد من توفر شروط انتاج الفكر المتمثلة بالحرية الفكرية والتسامح والإيمان بالنسبية والاستراتيجية العامة التي ترصد المستقبل ويجب أن تندمج بالعصر وخاصة علومه، فإذا لم نتعرف على آخر مكتشفات العلوم المختلفة، فسنبقى نراوح في مكاننا وسنبقى نلوك أشياء عفى عليها الزمن، كما يجب دراسة وإعادة قراءة تلك الأشياء والنظر إليها في سياقها التاريخي وعلينا أن نلتمس الأعذار لأصحابها.
فلا يمكن أن نحاكم ناقدا أو شاعرا في العصر العباسي بمنظورنا المعاصر، فالناقد في العصر العباسي استعمل قضية السرقات مثل سرقات المتنبي وغيره حيث لا يجوز النظر إلى هذه القضية إلا من منظور العصر العباسي وذلك لنكون وجهة نظر نسبية تاريخية ، ذلك أن هذه النسبية تحل لنا اشكالية كبيرة.
لماذا اخترت هذا الطريق النقدي الصعب وما هو الناظم لمسيرتك الفكرية الطويلة؟
الناقد يعيش في بيئة معينة وفي هذه الحالة فإن هذه البيئة تسمد مفرداتها من التراث العربي الاسلامي بتنوعاته ومنه التراث الفلسفي ونحن ننتمي إلى ما يسمي الغرب الاسلامي وهو ذو نكهة خاصة في ميدان الثقافة مثل ابن باجة وابن الطفيل وابن رشد وابن خلدون وابن الخطيب، حيث يبرز الفكر المقاصيدي وربط العروض بالموسيقى. بينما أنتمي إلى فكر ذو وجهة معينة من ممثليه العابد الجابري وعبد الله العروين ومحمد أركون...
هذا الاتجاه الذي ينظر إلى المستقبل ولكنه لا يغفل التراث العربي الاسلامي، اما الشق الثاني من السؤال فيتعلق بنظرية فينجستاين وهو فيلسوف ألماني له مفهوم يسمى التشابه العائلي، بمعنى أنه مهما كانت الأفكار مختلفة، فإنه ثمة رابط يجمعها دائما، وقد قلت لك أني أؤمن بالاتصال لا الانفصال، ومهما اختلف العلوم والمعارف فإنه ثمة نون توحدها، لكنها خاضعة للصيرورة التاريخية.
استخدمت مصطلح ما بعد الاستشراق، لكن هل تخلصنا من حالة الاستشراق أولا حتى نتحدث عن مرحلة ما بعد الاستشراق وهل للعلاقة التاريخية بين شطري المتوسط بذلك ؟
ثقافة البحر الأبيض المتوسط وما حوله كلها ثقافة واحدة سواء كانت في المشرق أم في الغرب الاسلامي أو عند الاغريق أو الفرنسين ، لأن ثقافة هذه البؤرة من العالم هي المتداولة حاليا ، لكن اختلاف البيئات جعلها تتطور في مكان وتتأخر في مكان آخر.
لكنها تبقى وحدة واحدة، وبناء على هذا المفهوم، فإن الكثير من أطروحات المستشرقين السابقة تصبح لاغية بالنظر إلى ارتباط الثقافة بالعرق أو الدين، لأن تلك الطروحات وليدة القرن التاسع عشر والثامن عشر لما كانت العرقية في أوروبا مهيمنة ولكن حين ننظر إلى بعض الجذور الفلسفية وبعض الأطروحات الأنثروبولوجية واللسانية.
وبعض مكتسبات العلم يصبح مفهوم التشابه العائلي هو الجامع بين البشر وبالتالي تصبح نظرية الاستشراق باطلة ويصبح ما بعد الاستشراق هو السليم في ظل الحاضنة الانسانية، ولذلك كتبت بحثا اسمه ما بعد الاستشراق، فنحن في عصر يبحث عن المشتركات البشرية.
ماذا عن علاقة المثقف بالسلطة؟
هذا المفهوم يجب التدقيق فيه، فأنا أفرق بين المثقف وبين العالم وبين السياسي، فبالنسبة للعالم الذي يتعاطى مع مادة علمية قابلة للتعاطي والأخذ والرد، فإنه ينتقد ذاته ويعترف بأخطائه ويعيش في صيرورة دائمة لا يعيش فيها النقد إلى الأبد لأنه يحتكم إلى منطق العلم. منطق السياسة يختلف، حيث الظرفية التي تأخذ وقتا طويلا قرونا ربما، فنحن أمام نسقين مختلفين، مثلما طرح الفلاسفة القدامى مسألة السياسة والدين.
لكن هذا لا يعني الانفصال التام بين العلم والسياسية ، فالنظريات الانسانية هي التي يستوحي منها السياسيون مثل نظرية العولمة ونظرية الأنساق ونظرية البينية ونظرية انتظام الكون، أي أن السياسة هي التطبيق العملي لبعض المفاهيم العلمية حتى لو كلان ذلك التطبيق مضاد للعلم.
ما طبيعة المشروع الحالي الذي يشتغل عليه الدكتور محمد مفتاح؟
هو مشروع يعتبر طفرة من ناحية ومن ناحية أخرى يعتبر تراكم وهو عبارة عن تمحيص للمبادئ التي أقمت عليها وجهة نظري وهذا المشروع الجديد هو إعادة قراءة علم أصول الفقه في إطار فلسفة اللغة والأبستمولوجيا والدراسات اللسانية المعاصرة لنتخلص من تلك المذهبيات الضيقة وذلك السجال الذي يمكن أن يكون سفسطائيا وبالتالي ممكن أن نستنبط بعض القوانين للدولة المعاصرة.
