دار الكتب الوطنية في حلب تاريخ الشغف بالكتابة

صورة

لعلَّ حلب من المدن العربية، التي احتفلت بالكتاب، ففيها المكتبة المارونية الشهيرة التي أسَّسها المطران جرمانوس فرحات في عام 1705، وهي تضمُّ نوادر المخطوطات.

وقد ذكر الشيخ كامل الغزي في كتابه «نهر الذهب في تاريخ حلب» الكثير عن اهتمام الحلبيين ــ خاصة الأغنياء منهم - باقتناء الكتب والمخطوطات النادرة، والتفنن في تجليدها وصنع الخزائن الجميلة لحفظها، وهو مايتجسد في «دار الكتب الوطنية».

 

قبل دخول المطبعة إلى حلب كان نسخ الكتب والمصاحف فيها حرفة ناجحة لعدد كبير من الخطاطين، ومورد رزق مهم لهم، حتى قيل: حسنُ الخط سوارٌ من الذهب. لذلك ازدهر فن الخط في حلب.

أما اليوم فإنَّ الحاجة إلى الكتاب صارت مطلباً عقلياً لإتمام إنسانيتنا وليس للتزيُّن به على رفوف المكتبات. ولكون الكتاب صار حاجة وضرورة إنسانية فقد صدر في عام 1924 قرار من حكومة دمشق بتأسيس مكتبة في مدينة حلب باسم (مكتبة فرع المجمَّع العلمي العربي)، وكُلِّف بالعمل لهذه المهمة كلٌّ من الشيخ كامل الغزِّي والقس مينش.

وأرسلت إدارة المجمَّع آنذاك عدداً من الكتب لتكون نواة للمكتبة، واختير لها المكان في دائرة الأوقاف الإسلامية التي كانت في خان الجمرك، وخصِّصت غرفتان لهذا الهدف، حيث قام المجمع العلمي بالإشراف عليها وبتزويدها ببعض الكتب، وبصرف النفقات الضرورية ودفع رواتب الموظفين حتى عام 1937،.

حيث تمَّ وضع حجر أساس لبناء دار الكتب الوطنية بالمفهوم العلمي والعملي للمكتبات، إذ تمَّ الأخذ بعين الاعتبار عددُ سكَّان مدينة حلب وقتها، والدور الريادي الذي كانت تلعبه هذه المدينة، والتي تعتبر من أهم المدن التاريخية.

وجاء بناء الدار وقتئذ ليلبي ذاك الطموح، حيث ضمَّت المكتبة قاعتي مطالعة إحداهما عامة، والثانية للدراسات العليا، وقاعة محاضرات، وعلى مساحة تبلغ نحو 600 متر مربَّع بطابقين.

في نهاية عام 1939 تمَّ بناء الدار، إلا أنَّ افتتاح المكتبة تأخَّر حتى الرابع من ديسمبر عام 1945، بسبب الحرب العالمية الثانية التي كانت قائمة، وقد تحدَّث يوم ذاك المؤرِّخ الشيخ راغب الطباخ عن بنائها وعن تاريخ المكتبات عند العرب، علماً أنَّ الدار قد شيِّدت في ساحة باب الفرج بجهود من الأمير مصطفى الشهابي محافظ حلب آنذاك، والذي أصبح فيما بعد رئيساً للمجمع العلمي العربي.

 

90 ألف عنوان

عند انتقال الدار من مكانها عند التأسيس في دائرة الأوقاف الإسلامية، التي كانت في خان الجمرك إلى موقعها الجديد في باب الفرج، وكان عدد الكتب حوالي 6 آلاف كتاب تقريباً شكَّلت النواة الأولى للمكتبة التي يزيد عدد الكتب فيها اليوم على أكثر من 90 ألف عنوان. وقد قامت البلدية في حينها بتأسيس وفرش قاعة المحاضرات، وقاعة المطالعة، وقاعة عمر أبو ريشة للدراسات العليا.

وابتاعت الخزائن الحديثة لقاعة ومخزن الكتب من ستراسبورغ (فرنسا)، كي تتَّسع لأكثر من 100 ألف كتاب. وقد دامت رعاية البلدية للدار حتى أواخر عام 1954، حيث ألحقت بوزارة الثقافة والإرشاد القومي. وتسجل الكتب حسب ورودها على مختلف أنواعها، ولها رقم عام متسلسل، ورقم رمزي بحسب حجم الكتاب والسجل منظم حسب اسم الكتاب والمؤلف وتاريخ ومكان الطبع وعدد الأجزاء.

وعدد الصفحات والرقم الرمزي ومجموعة ملاحظات. ويسجل الكتاب ومؤلفه والمطبعة ومكان الطبع والتاريخ وعدد الأجزاء، وإذا كان حجم الكتاب حتى 20 سم يسجل رقمه الرمزي تحت حرف (ص)، بينما يسجل من 20 حتى 25 سم تحت حرف (و)، وإذا كان من 25 حتى 30 سم فيسجل رقمه تحت حرف (ك)، وإذا كان فوق 30 سم يسجل رقمه تحت حرف (ع).

وهذه الكتب ترصف على الرفوف الخاصة كل على حدة، وفق أرقام خاصة متسلسلة. كما تمتلك الدار ثلاثة فهارس للبطاقات، الأوَّل منهما بأسماء المؤلفين، ومرتَّب حسب الكنية والشهرة للمؤلف بحسب الأحرف الأبجدية، والثاني بالعناوين مرتَّب حسب اسم ورود الكتاب، والثالث حسب التصنيف العشري.

 

نظام الإعارة

تقدم المكتبة حق الاستعارات الداخلية والخارجية، إذ يُسمح لأيِّ شخصٍ أن يقرأ الكتاب الذي يرغب به سواءً للمطالعة الخاصة أو لضرورات البحث الأدبي أو العلمي، وذلك ضمن نظام الإعارة من دار الكتب الوطنية ودون قيد أو شرط، بموجب ورقة استعارة تربط بها هوية المطالع ويدوَّن بالورقة اسم الكتاب ورقمه، وتوقَّع حسب الأصول. وبعد إعادة الكتاب تسلَّم الهوية للمستعير.

أما الإعارة الخارجية فتتمُّ حصراً عن طريق اشتراك مقابل دفع 300 ليرة سورية كتأمين على الكتاب، علماً أن هذا المبلغ يمكن استرداده في الوقت الذي يحب المشترك، وذلك في سجل خاص ومطبوع يسجل فيه اسم الكتاب ومؤلفه ورقمه والتاريخ لمدة أسبوع.

ويمكن تجديد الإعارة إن لم يكن الكتاب مطلوباً من شخص آخر، علماً أنَّ الكتب التي لا يمكن إعارتها خارج الدار هي المراجع والكتب المطلوبة لحلقات البحث والقديمة والتراثية والقواميس والمعاجم والأجزاء. وكما ذكرنا هناك ثلاث قاعات للمطالعة، الأولى منهما قاعة المطالعة العامة (خير الدين الأسدي)، وتَّتسع لحوالي 250 شخصاً.

والثانية قاعة الدراسات العليا (عمر أبو ريشة)، وهي مخصَّصة للمؤلفين وطلاب الدراسات العليا والصحفيين وحاملي الإجازة الجامعية، وتَّتسع لحوالي 50 شخصاً. وقاعة المحاضرات (سناء محيدلي)، وهي مخصَّصة للمحاضرات والندوات والنشاطات المسرحية، وتَّتسع لحوالي 300 شخصاً.

وتعاقب على إدارة المكتبة منذ تأسيسها: الشيخ كامل الغزي، وكان مكلفاً بتأسيس مكتبة الدار، والشاعر عمر أبو ريشة، والأديب سامي الكيالي 1949، يونس رشدي، محمد غسان شرف، جلال ملاح، علي الزيبق، غسان كيلاني، محمد جمعة عفش، عدنان حموش، محمد الأبوحمد، محمد خالد النائف.

تعليقات

تعليقات