يبدو أن الكاتب البحريني، ذا الأصل السعودي خالد البسام قد تعلق بعالم الرواية، فبعد أن قدم نفسه كروائي عام 2009 بروايته الأولى (لا يوجد مصور في عنيزة)، صدرت له أخيرا روايته الثانية (مدرس ظفار)، التي أظهرت اتجاهه الأدبي الفريد، بعد رحلة طويلة مع الكتابة التاريخية وثق فيها التاريخ بحرينيًا وخليجيًا وعربيًا.
وأكد البسام في حواره مع «مسارات» أنه يلج عالم الرواية دون أن يجافي مجال تخصصة وتعمقه بعوالم تاريخ منطقة الخليج العربي ،كما يشير في سياق آخر إلى أن المثقفين العرب لايصلحون فعلياً لتولي مناصب ومهام رسمية .
ينوع بسام بين أكثر من مجال، فهو رحالة ومؤرخ ومترجم وأديب وناقد، لكنه يقول إنه لا يدعي أنه خبير في مجال بعينه، لكنه يعتبر نفسه باحثًا وليس غير ذلك، وأكثر اهتماماته تنحصر بتاريخ الخليج والجزيرة العربية، كتب بسام الشعر في فترة مبكرة من الشباب، لتسرقه الصحافة من الأدب، وتعيده بعد فترة، حصل على منحة تفرغ طويلة من وزارة الإعلام والثقافة البحرينية، فأفادته في أن يتفرغ للكتابة، التي يقول إنها رزقه وهوايته، ويستطرد أنه ليس جديدًا على الأدب ولكنه قد يكون تأخر نسبيا في الكتابة الإبداعية.
الرواية والتجربة الناضجة
عن أسباب التأخر قال إنه من الضروري للكتابة الأدبية أن يكون الكاتب يمتلك تجربة ناضجة طويلة، كما أعرب عن اندهاشه من شباب يقولون إنهم يكتبون الرواية، ويتساءل عن شكل التجارب التي عاشها هؤلاء الشباب ليكتبوا عنها؟
! فليس معقولا أن الشاب الذي لا يزيد عمره على 20 سنة يكون عنده من الخبرة في الحياة ما يؤهله للكتابة الروائية مثل كاتب يبلغ من العمر 50 سنة، خاصة أن الرواية في بعض الأحيان تكون نوعًا من السيرة الذاتية للكاتب، فكثير من الروايات الجميلة والعالمية كانت سيرًا لكتَّابها وتسجيلا للتجارب التي عاشوها، مثل رواية «الخبز الحافي» لمحمد شكري ورواية «مدن الملح» لعبدالرحمن منيف.
في حديثه عن رواياته قال إنها بعيدة عن الروايات المعرفية أو الوصفية، ويصف أعماله بحكايات وذكريات وتجارب شخصية مر بها. وفي روايته الأخيرة «مدرس ظفار» يؤكد ذلك الاتجاه، لكنه رصد التجربة دون قصد مباشر في التحدث عن سيرته بشكل متعمد.
حيث فرضت السيرة الذاتية نفسها على الرواية، لذلك أجمل الروايات على الإطلاق هي تلك التي يكتبها الكاتب لا عن نفسه فقط، ولكن عن تجربته الشخصية حلوها ومرها، كما أن السيرة الذاتية صارت جزءا مهما في الرواية العربية، وأظنها في الرواية العالمية كلها.يرى البسام أن الرواية تشهد رواجا خلال الفترة الأخيرة، خاصة أن الناس هجرت الشعر.
فهناك دور نشر لا تطبع دواوين الشعر إطلاقا وتوقف نشاطها على طبع الرواية فقط بسبب انتشار شعر الحداثة الذي يبدو عليه من التعقيد ما دفع الناس لهجره والعودة للرواية، وبخصوص القصة القصيرة هي بالنسبة له الفن الأول للكتابة، كما أن أعظم حكماء في العالم وهو تشيكوف كتب القصة القصيرة ولم يكتب الرواية، وقصصه من أعظم القصص حتى الآن في العالم، ولكن الرواية أكثر قراءة وجمهورا في عالمنا العربي.
أين النقد
وعن النقد الأدبي قال إنه تراجع جدا لدرجة أنه لم يعد يواكب سوى 5 بالمائة من نتاج الأدب العربي أو النتاج العربي للروائيين الكبار، فمثلا لا نجد النقد الذي كان يؤازر المواهب الشابة، فالنقد الآن يعيش على الأدباء الكبار بمعنى أن الناقد صار يستفيد من شهرة الأديب وأعماله الرائجة جماهيريا، على عكس ما كان يحدث في الماضي، فمثلا نتذكر الناقد الكبير رجاء النقاش كان هو الذي اكتشف شعراء فلسطين الذين منهم محمود درويش وسميح القاسم، فالنقاد كان دورهم اكتشاف المواهب والمبدعين أما الآن فقد تلاشى هذا الدور.
يؤكد بسام أنه يتعامل مع القارئ وكأنه يدعوه لزيارة مكان أو للغداء، ويرفض تماما التعالي عليه، وعن أسلوبه في الكتابة، يقول إنه يميل إلى الكتابة البسيطة الشيقة التي يتفاعل معها القارئ، وعن لجوء المبدعين إلى مصطلحات لا يفهمها إلا صفوة المثقفين، قال إن ذلك غير مقبول لأن الثقافة تعني تقديم إبداع يفهمه القارئ وليس التشدق بالمصطلحات واستعراض التنوع.
ويؤكد البسام في مزايا الكتابة الروائية أنها أفادته كثيرا، لأن احتفاء القراء والنقاد بروايته الأولى شجعه كثيرا على الاستمرار في الكتابة، ويستطرد أنه خلال فترة قصيرة من صدور روايته الأولى «لا يوجد مصور في عنيزة»، التي صدرت منها ثلاث طبعات في عامين، كما نفدت الطبعة الأولى لروايته الثانية «مدرس ظفار» بعد شهرين من طباعتها، وهو يعكف الآن على إصدار الطبعة الثانية منها في مصر خلال شهر مايو.
بعد آخر
يأخذ الحديث مساره إلى السياسة ومتغيرات العالم العربي والثورة، التي يؤكد البسام أنها حلم للدفاع عن الحقوق وحماس الشباب، لكنه عندما تعامل مع الواقع تحطمت أشياء كثيرة، فلم يجد المثالية التي كان يتوقعها، واتضح له أن الثوار بشر عاديون وعندهم أخطاء، فشعر بالصدمة، ومع ذلك أخلص لها، رغم أن ممثلي الثورة أرادوا قتلي لسبب تافه.
يتقمص البسام شخصية بطله في روايته الأخيرة، التي تدور أحداثها في الغيظة، وهي منطقة مجاورة لمدينة ظفار، حيث روح المكان والناس واللهجة والمدارس.
وكما ظهر في رواية «مدرس ظفار» قال البسام إن الثورات العربية القديمة الكلاسيكية كانت تقوم على الكفاح المسلح وكانت تقلد الثورات التقليدية في العالم مثل فيتنام وكوبا والصين، أما الثورات العربية الجديدة التي حدثت في الفترة الأخيرة فهي مختلفة حيث فاجأتنا في أنها ثورات سلمية استخدمت التكنولوجيا .
وجاءت بعد سنوات من القهر والظلم والتحكم والتسلط العربي والجمهوريات الملكية التي حولت إيماننا بالجمهوريات إلى حطام وهذا أدى إلى أن الشعوب في دول الخليج بعد هذه النكبات وبعد هذا اليأس والخيبة من الجمهوريات العربية الموجودة في العالم العربي راحت تتطلع إلى ملكياتها الموجودة في المنطقة. لا أقول باحتفاء ولكن أقول إنها شعرت بأنها الأفضل، وشعرت أن هذه الملكيات لم تقم بما قامت به الجمهوريات العربية من قمع وتعذيب وفساد وظلم.
كما أن أحداث رواية «مدرس ظفار» تجربة حقيقية خاضها البسام بنفسه وعايشها بأحلامها وقسوتها كما قال، كما أن «فهد» في الرواية ليس بطلا خارقا لكنه يتميز بشجاعته في الاعتراف وكشف الحقائق دون تورية، حيث باح بكل شيء من الأخطاء والمصائب أيضا التي رافقت ثورة ظفار ولم يفعل مثل الآخرين الذين التزموا الصمت حرصا على صورة الثورة أمام الجماهير.
والذين يرفضون إدانة الثورة بأي شيء، على اعتبار أن الثورة عمل مقدس. ترك بسام نهاية روايته بدون خاتمة للتشويق، وأكد أن هناك قراء كثيرون طلبوا منه عمل جزء ثان، لأن التشويق هو ملك الكتابة، والعمران الأساسي لأي رواية، وحينما لا يكون هناك تشويق لا يوجد إبداعا، ويكفي أن شاعرا كبيرا في البحرين.
حينما قرأ الرواية اتصل به، كما قال، وطلب منه كتابة جزء ثان وحتى الآن لم يحسم مسألة كتابة هذا الجزء بعد. لم يقم البسام بإهداء الرواية لأحد وهو تصرف متعمد منه وليس سهوا، لأنه كانت لديه رغبة في أن يهدي هذه الرواية إلى فهد بطل الرواية الذي في الحقيقة هو الكاتب نفسه، وقد فرضت عليه متطلبات العمل الروائي ذلك.
حيث قال إنه لم يختبئ وراء الرواية، ولكنه قصد رصد تجربة حقيقية تستحق الكتابة عنها، وليس شرطا أن يكون هو بطلها، خاصة ان التجربة كانت جميلة بكل المقاييس وقاسية بكل المقاييس أيضا، لأن الرواية عمل أدبي والقارئ لا يهمه أن يكون بطلا أو كومبارسا فيها، بقدر ما يهمه نقل التجربة.
ذاكرة الأمكنة
في كتاباته الروائية يلحظ شغفه بوصف المكان جغرافيًا واجتماعيًا، ويؤكد هو أنه ابن المكان بتاريخه وجغرافيته ومظاهره الاجتماعية، والمكان يمثل بالنسبة له العالم بمعناه الواسع الذي تسحره طبيعته، لأنه يمتلك تجربة كبيرة مع المكان، خاصة أنه تنقل وعاش في أمكنة كثيرة وبيوت أكثر، بعضها في البحرين والسعودية وغيرهما في الغربة سواء في دول عربية أو دول أوروبية، وتربطه بالمكان ذكريات وشجون، حيث يتعامل مع المكان على اعتبار أنه كائن حي؛ لذلك يحبه ويعتني به ويعتز به ويدافع عنه متى تعرض للإهمال.
يرتبط نفسيًا بكل مكان أقام فيه، لكن أكثر مكان أثار الحزن والحسرة داخل قلبه هو البيت الذي ولد فيه في مدينة عنيزة بنجد في السعودية، فقد زار مكان البيت قبل عدة سنوات ووجده عبارة عن حطام وتم هدمه وردمه بالإسفلت الأسود القبيح وصار مجرد موقف سيارات.
وهو ما يحدث كثيرا منذ سنوات مع البيوت القديمة والأثرية في دول الخليج والجزيرة العربية، فرصد علاقته مع هذا البيت في روايته الأولى «لا يوجد مصور في عنيزة»، واعتبرها رثاء يليق بالبيت الذي ولد فيه وربما للمدينة كلها بعد تبدل أحوالها وتغير معالمها.
وهذا الإحساس نحو المكان تكرر معه حينما زار الشقة التي عاش فيها مع زملاء الدراسة بالقاهرة، بعد أكثر من ثلاثين سنة من الدراسة الجامعية، بمنطقة الدقي بالقاهرة، حيث كان يقع مقر اتحاد طلبة البحرين، ويستعد الآن لكتابة رواية تحت عنوان «نورت مصر»، تحمل ذكريات المكان وعلاقته الخاصة به.
المثقف والممارسة السياسية
حول ممارسة المثقف للسياسة قال البسام إن المثقف في عالمنا العربي لا يصلح للحكم، كما أن السلطة ليست مفصلة على مقاسه، واستشهد بمثقفين كثيرين حكموا في العالم مثل رئيس وزراء فرنسا لوبان، الذي كان شاعرا ولا يزال، غابرييل غارسيا ماركيز الذي تم ترشيحه لرئاسة كولومبيا وإن كانت المسألة تعتمد على شعبية الرئيس الذي يتولى الحكم، وقدرته على تقديم حلول للمشاكل التي تواجه دولته ومجتمعه.
ويشعر البسام بالقلق إزاء حال الثقافة والمثقفين قبل وبعد هذه الثورات، حيث لا يعرف شكل القوى السياسية التي ستحكم هذه البلدان، لأن الصورة غير واضحة مع احترامه الشديد لكل الثورات العربية، وقال إن هذه الثورات تتميز بكونها ليست ثورات فقراء أو ثورات مضطهدين لكن كلها ثورات شباب ومثقفين، وهذا معناه أنها ثورات تريد التغيير في المجتمع، أما بالنسبة للأدب أو الثقافة فشعر أن هناك تغييبا للثقافة واختفاء للأدب خلال أيامها، لدرجة أننا وصلنا مع تصاعد الثورات العربية إلى أن يشار لجائزة البوكر العربية بشكل عابر في الصحف العربية دون الاحتفاء بها مثل كل عام.
وهذا مؤشر خطير وشيء مقلق جدا، ويدل على أن الثورات ليست لها علاقة بالثقافة، وكأن هناك من يقول بأن تؤجل الثقافة، وهو ما يوحي بأنها ليست لها علاقة بتغيير الأنظمة ومحاربة الفساد أو الثورات، ويؤكد البسام أنه قد يكون تغييبا متعمدا للثقافة وأخبارها وقضاياها أيام الثورات بسبب الفهم الخاطئ والقراءة الملتبسة لها.

