تشكل فنون العمارة فضاءات تنتعش فيها روح المخيلة ويقوي ترابط الأشياء، وعلى هذا الأساس، فإن الفكرة السائدة عنها تتمثل في كونها فناً وحرفة أكثر منها عملاً تجارياً، ولكن الظروف المستجدة على بيئة الأعمال في العقود الأخيرة ، أثرت في أولويات العمارة، بتغليب الكفاءة على الجانب الإبداعي.

احتلت شركة «إيداس»، أخيرا، المرتبة الأولى على لائحة أبرز 100 شركة تعمل في مجال الهندسة المعمارية، في تقييم مجلة «تصميم المباني»، وذلك بقياس أعداد المهندسين المعماريين الذين يعملون لديها، والبالغ عددهم 1500 مهندس، حيث أطاحت بالشركة الأميركية الرائدة في مجال تصميم المباني «إيكوم» في غمار السباق على الصدارة.

وعلقت صحيفة الاوبزيرفر البريطانية، في تقرير حديث لها، على هذا التطور، قائلة: إن كلاً من شركتي «إيداس» و»إيكوم» لا تتمتعان بالشهرة على صعيد فن العمارة، لكنهما تشكلان أسلوب حياة الناس، أكثر مما تفعل أعمال مهندسين آخرين يتمتعون بالنجومية، وتضيف الصحيفة، إنهما تمثلان ظاهرة صعود الشركات الكبرى التي تقدم الحجم والكفاءة على الرؤية والموهبة.

والتي تسعى إلى التكيف مع ظروف العصر بدلاً من معاكستها، في ظل هيمنة سلطة قوى المال. ويعود أصل شركة «إيداس» لبريطانيا، ذلك على الرغم من انتشارها اليوم على امتداد العالم، وهي لا تحظى بأعمدة على صفحات الجرائد، ولا تترشح لجوائز «سترلينغ».

ولكنها صممت مباني اكثر من ألف مدرسة، إلى جانب تصميم بناء مشروع المحطة الأخيرة «وست كاولوون» التي تشكل جزءاً من برنامج يهدف إلى ربط هونغ كونغ بشبكة السكك الأسرع في العالم، وللشركة حصة أيضاً في مشاريع الأبراج الزجاجية في أبوظبي وسايغون والمدن الصينية، مثل: شنيانغ ووكسي، والتي تمتاز بحجمها الهائل وعدم تميزها المعماري، كما تعمل الشركة على موقع في سنغافورة يشبه خنفساء عملاقة، وعلى محطة «كروسرايل» في «فارينغدون» في لندن.

والشركة لا يتجاوز عمرها الـ 10 سنوات، ولكنها ظهرت من اندماج شركات مؤسسة منذ عقود، بما في ذلك أعمال «يوركشاير» لشركة «آبي هانسون راو» التي تعود لفترة 1830.

ويصف براين جونسون، رئيس العمليات الأوروبية لشركة «إيداس»، عملية نمو الشركة: «أرادت الشركة ان ترتقي إلى مستوى المنافسة على مشاريع أكبر حجماً، وان تنمو إلى حد إدارة أعمال بمهنية عالية، ورأت في ظل مبادرة التمويل الخاص في بريطانيا، مجالاً للنمو في المدارس وغيرها من المباني العامة، ووضعت نفسها لتستفيد من هذه الظروف، فانضمت إلى شركة في «برمنغهام».

ومن ثم إلى شركة في هونغ كونغ في سبيل زيادة انتشارها الجغرافي، وجرى الانتقال إلى قطاعات أخرى جديدة مثل النقل. والشركة ما إن ترى فرصة سانحة في مكان محدد أو قطاع معين، حتى تنتقل إليه، ويعود ذلك لوجود عدد من المهندسين المعماريين الذين يمكنهم أن يصبحوا اسماً لأعمال الشركة، وقد اختارت الشركة اسم «إيداس» وهي كلمة لاتينية تعني «بناء».

خبرات ضخمة ومشاريع

واضح أن شركة «إيداس» لا تسعى إلى البريق، ومكاتبها في بريطانيا تنتشر حول المدن الرئيسية، إلى جانب مكتب متواضع في لندن، لكن القائمين عليها يحسنون عملهم لأنهم شركة كبيرة برأي جونسون، حيث بإمكانهم استدعاء الكثير من الخبرات إلى المشاريع الضخمة على وجه السرعة.

وأن يدفعوا بسخاء للحصول على آخر البرامج والبحوث الجيدة، وآخر المكتشفات في مجال المعرفة والتكنولوجيا والاستدامة، ناهيك عن القدرة على تمويل انفسهم عند التقدم لعقود رئيسية التي لا يحصل المعماريون على تمويل لها إلا إذا فازوا بالعقد.

ويلخص الناقد المعماري روان مور، رؤى وأعمال الشركة البريطانية وأهدافها، بأنها تسعى إلى تأمين خدمة تتمتع بالكفاءة والمرونة والقدرات التقنية، مما يلائم حجم المشاريع الحديثة وسرعة تنفيذها، ولاسيما في الشرق الأقصى، بالإضافة إلى العقود التي تتطلب من المهندسين المعماريين العمل في أي مكان من العالم، أي أن لديهم ميزة إيجابية في عالم لا يستطيع فيه المعماريون العيش من دون سلطة الكمبيوتر، والتي لـ «إيداس» قدرة على الاستثمار فيها.

ويؤكد روان مور أن الشركة تشكل النتاج المنطقي لتحول الاقتصاد البريطاني في ظل فترة حكومة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر. ففي سبعينات القرن الماضي كانت هناك أعمال معمارية كبيرة، ولكنها كانت جزءاً من القطاع العام على شكل دوائر للسلطات المحلية والخدمات الصحية.

وسياسات تاتشر أغلقت تلك الدوائر وخصخصتها، واليوم، فإن سلطة واحدة من أصل ثلاث سلطات محلية توظف مهندسين معماريين ضمن طاقمها، مما مكن شركة مثل «إيداس» من استيعاب الأعمال التي كان يقوم بها موظفو الدولة.

ويؤيد روان مور وجهة نظر جونسون بأن القوة الكامنة في شركة «إيداس» تستمد من التكنوقراطية ونجاح سير الأعمال، ولكنه يرى في ذلك تهديدا للفكرة القديمة القائلة إن العمارة تعد بطريقة ما، فناً أو حرفة، مشكلة فضاءات السكن من المخيلة والجسد.

وهذا لا يعني، برأيه، أن «إيداس» لا تريد إعجاباً بجودة تصاميمها في الهندسة المعمارية، أو أنها لا تريد جذب المزيد من الاهتمام من قبل هيئات توزيع الجوائز، لكن أنظمة عملها وطرق تسليمها، مورد المال الرئيسي لديها.

فالشركة ليس لديها نمط للمنازل التي تبنيها، ولكنها تسمح لمهندسيها المعماريين باختيار نمط منازلهم، مما يعني أن بإمكانهم اختيار المقاربة الأنسب بحسب الأوضاع القائمة. وبالنسبة للمدارس، فإن بإمكان الشركة، حسب يقول روان مور، تصميم الحدائق بألوانها الفرحة ذات المنظر الهزيل، وهو ما نتج عن مبادرة التمويل الخاص في بريطانيا.

أقواس معمار أبوظبي

وأما عن اعمال «إيداس» في أبوظبي، فيشير روان مور، إلى أنه يمكنها إدخال العقود والأقواس الكبيرة ذات الروح الإسلامية، كما يفعل جميع من يعمل هناك. وفي محطة «كاولوون» ادخلت الشركة مجموعة من تلك الأقواس والعقود المفعمة بالحيوية والخاصة بأسلوب زها حديد، كما بمقدور طاقمها استخدام أساليب عمل «فوستر وشركاه» وغيره، بما في ذلك الأسلوب الهولندي الذي يمتاز بالرزانة، بحسب ما تستلزم المناسبة.

وفي هذا السياق، يرى مور أنهم ليسوا الأفضل ولا الأسوأ ضمن الشركات الكبرى. وتختلف «إيداس» عن «إيكوم» وغيرها، بتركيزها على الهندسة المعمارية، في حين أن المنافسين هم شركات هندسة كبرى لديها دائرة تهتم بالعمارة.

كما أن أعمالهم أحيانا لا تبدو مختلفة كثيراً عن أعمال شركات أكثر تميزاً، مثل «فوستر وشركاه»، التي احتلت المرتبة السادسة على لائحة مجلة «تصميم المباني»، بمجموع 879 موظفاً معمارياً، ولأن كل هؤلاء المهندسين المعماريين يتعاملون مع الضغوط والمتطلبات نفسها، فإن مشاريعهم تنتهي بطريقة ما كما لو أنها مماثلة بعضها للبعض الآخر.

وترى الاوبزيرفر، أن «إيداس» تكيف الهندسة المعمارية لتلائم طريقة عمل العالم الحديث، فالأمر لا يتعلق بعملية نقد أو تحد، بل بمحاولة للقيام بعمل جيد في ظل الظروف السائدة، أي أن الأمر يتعلق بالتكيف وليس بالمقاومة، فقوى المال التي تستجيب لهذه الأعمال لا يمكن إزعاجها بمثل تلك الأمور.

وبالتالي، يجري التسامح بالعمارة، بمعنى تشكيل المكان إلى حد لا يقف معه في طريق العمل، وعلى هذا الأساس، يمكن ان تأتي النتائج أكثر أو اقل جمالية.

ويطرح روان مور، أخيراً، تساؤلاً مهماً من دون الإجابة عنه. ومفاده: إذا أراد رجال الأعمال والحكومات بناء المدن وتشكيلها مع مراعاة الكفاءة وسير الأعمال، فماذا بإمكان المعماريين القيام به لجعل هذا البناء أفضل؟