كل ما قد تقع عليه أعيننا كان فراغا، أو تم تشكيله بعد فراغ سابق، فقبل قيام المدن والحضارات كانت الأرض تمتد محاطة بالفراغ، وقيام المدن فيما بعد عكس نظرة ورؤية الناس لما قد يناسب هذا الفراغ الأرضي. وتغير المكان أو البيئة الكونية، في إطار استثمار الزمن بالفكر والعمل، فالعمل والفراغ وجهين لعملة الزمن الواحدة.
يحتل الفراغ حيز اهتمام وتأثر كبيرين في حياتنا، فإذا كان العمل، في الوقت نفسه، حقا وواجبا، لا يمكن أن تستمر الحياة إلا به في جميع جوانبها التي يتحقق بها العمران أو التنمية المستدامة.
ومن هنا يكون المقصود من الفراغ التحرر من العمل، ولكن ذلك يمكن من خلاله إشباع حاجات حيوية ونفسية واجتماعية قد لا يستطيع أن يحققها العمل عادة. ولكن للفراغ معاني وحالات كثيرة، تختزلها عبارات كثيرة، فالفراغ قد يكون معنويا، له علاقة بالعاطفة، أو له علاقة بالزمن، وهنا يقال أوقات الفراغ، أو الفراغ الروحي، والكثير من المصطلحات التي يعبر كل منها عن حالة بعينها، لا بد أن يكون الفراغ جزءا منها.
ما بين الاجتماعي والمعنوي
يعرف الفراغ في قاموس علم الاجتماع بأنه «الوقت الفائض بعد خصم الوقت المخصص للعمل والنوم والضرورات الأخرى من ساعات اليوم الأربع والعشرين».
وفي الكثير من الأحيان يحدث الخلط بين مفهوم الفراغ كوقت، ومعنى الترويح، فالترويح إحدى ضرورات الاستمرار في العمل، وليس هروبا من أعباء العمل اليومي فقط، وقد يكون الفراغ عاملاً من عوامل تفكك الشخصية وانحلالها، أو عاملاً من عوامل تكاملها، خصوصاً في المجتمعات الصناعية الحديثة التي أصبح فيها عامل الوقت أحد سياط الحضارة المدنية على ظهر الإنسان الذي أرادته هذه الحضارة أن يكون عاملاً منتجاً ليس إلا.
ولا يخلو وعاء الفراغ الترويحي في أي مجتمع من المجتمعات، مهما كانت درجة حضارته، من منظومة القيم التي يحتكم إليها، ومن هنا تنبع العلاقة بين ممارسة النشاطات الترويحية أو نشاطات الوقت الحر ومنظومة القيم المتعارف عليها. وتترسخ هذه العلاقة أكثر كلما كان المجتمع أكثر اقتراباً من الصناعة والتكنولوجيا الحديثة، بينما تكاد تنعدم تماماً في البلدان المتخلفة، وإن المقصود من الفراغ هو التحرر من العمل، ولكن ذلك يمكن من خلاله إشباع حاجات حيوية ونفسية واجتماعية قد لا يستطيع أن يحققها العمل عادة.
تمايز
يعني الفراغ في الفيزياء الحيز الخالي من أي مادة، وهنا يجب التفريق بين الفراغ والهواء، فالهواء هو مادة باعتباره خليطا من الغازات، والغازات هي مادة، لدرجة تم فيها تحديد وتعريف المتر بسرعة الضوء، على أنه المسافة التي يقطعها الضوء في الفراغ خلال مسافة معينة عند عبور الضوء عبر مواد شفافة، مثل الزجاج أو الهواء، تقل سرعته. أما النسبة بين سرعة الضوء في الفراغ وسرعته في مادة، فهي تسمى معامل الانكسار.
الهندسية الفراغية
هناك في الرياضيات ما يعرف بالهندسة الفراغية أو الهندسة الصلبة، وهي الهندسة الإقليدية مطبقة في فضاء إقليدي ثلاثي الأبعاد مشابه للفضاء الذي نعيش فيه. وتهتم الهندسة الفراغية بدراسة الأشكال الهندسية ثلاثية الأبعاد، مثل: المكعب، المنشور، المخروط، الهرم، الأسطوانة، الكرة، تقاطع المستويات والمستقيمات. وهناك العديد من البرامج المهمة التي تستخدم في شرح الهندسة الفراغية التي تهتم بدراسة أحجام ومساحات أسطح هذه الأجسام وعلاقة بعضها ببعض، وفق قوانين ونظريات مبرهنة ثابتة.
وتلعب الهندسة في الحياة اليومية دوراً فعالاً، إذ استخدمت قديماً في معرفة مواقيت الصلاة والأهلة. وفي تصميم القصور والبنايات وشق الأفلاج والقنوات والترع. وفي تسيير أمور حياتهم اليومية، ولا تزال حتى اليوم، تلعب دوراً بارزاً في الكثير من مواقف الحياة المعاصرة.
في العمارة
عرف الفراغ بالنسبة للعمارة وكذلك استخدم مصطلح الفراغ المعماري، كحالة لا بد أن تبقى موجودة بطريقة أو بأخرى، إذ يعرف في الفراغ المعماري بأنه ذلك الشيء غير الملموس، وهو الحيز المحدد من العناصر المحيطة به، وعندها يمكن القول : «يحدد فراغ الغرفة بالجدران والأرضية والسقف». والعمارة كما هو معروف، كانت حاضرة في البيئة الكونية، وملأت بالتالي، ذلك الفراغ الممتد على مساحات شاسعة، وهو ما تميزت به الحضارات التي استطاعت شعوبها تغيير البيئة، واستثمار الزمن بالفكر والعمل، أي ملء فراغ الزمن.
وما دام وقت الفراغ يرتبط بمنظومة القيم السائدة في المجتمع، فإنه باستقراء تاريخ الأديان، نجد أن جذور هذه القيم ونشأتها، ارتبطت بالضرورة بتعاليمها وروحها، خاصة في الأديان والتراث الإنساني الأخلاقي على مدى تاريخ الحضارات، ولذلك كان هناك من يفصل بين وجهي عملة الوقت: «العمل والفراغ»، ويعتبر الفراغ الوقت الفائض بعد خصم الوقت المخصص للعمل والنوم والضرورات الأخرى، من ضمن الـ 24 ساعة. ولكن من المنظور الديني، فإن تأدية الشعائر الدينية، لما لها من قدرة على تجدد الطاقة، فإنها تدفع للعمل بحماس أكبر.
أزمة أوقات الفراغ
الوقت هو الحياة الذي تتجسد فيه نوعية يوميات الإنسان، وفيه تتمايز حضارات عن أخرى.
وأما مشكلة الفراغ فقد نشأت عن انعدام الهدف من الحياة، ولهذا لا يمكن اعتبارها مشكلة أصيلة نابعة من فطرة الإنسان، وإنما هي طارئة نابعة من جنس الحضارة المعاصرة، فالحضارات التي تعلي من القيم المادية والعملية، تختلف عن غيرها التي ترفع من القيم الروحية والمعنوية، وبالرغم مما هو شائع في الثقافات المادية الليبرالية «التحررية»، من أن وقت الفراغ ملك خاص لأي إنسان ولديه الحرية المطلقة في استغلاله أو هدره، فإن الثقافة هي التي تعلي من شأن الروح والعقل بتوازن محمود مع الاحتياجات المادية. ومن استغلال فكرة أوقات الفراغ انتشرت مؤسسات الترويح التجاري غير المنضبطة، والتي هي شائعة اليوم على مستوى العالم المعاصر، وتغير نمطها في ظل ثقافة العولمة الرأسمالية المتوحشة، ليصبح بمثابة بؤر لإهدار الوقت، والاستيلاء على مردود التنمية، خاصة في دول العالم الثالث، إذ كثيرا ما ينساق الشباب لممارسة أنشطة ترويحية تضر بالفكر والنفس والمال، وهو ما قد يستهلك من رأس المال البشري والاجتماعي للشعوب، ويستنزف حصاد التنمية والتقدم، فبناء الحضارات وما أنتجته من اختراعات مادية وتكنولوجية وأعمال فكرية وأدبية وابتكارات فنية، كان أغلبه على مدى التاريخ، من نتاج عبقرية الفكر الإنساني خلال استثماره لوقت الفراغ، أكثر من كونه ممارسات لوقت انشغاله بالعمل والإنتاج، للكسب والمعاش.
الفراغ في الأدب
كثيرا ما يمكن استخدام كلمة الفراغ لتدل على أكثر من معنى، يعبر عن نقص ما، أو ملء فراغ ما، وذلك في سياق الكثير من الروايات، ففي رواية الزهير يتحدث الروائي باولو كويلو عن الفراغات التي يجب أن تبقى بين قضبان السكة الحديد، والتي تكون محسوبة تماما، ولا يجب أن تختل أبدا، ولا حتى ميليمترا واحدا، كي تحافظ على سير أمن القطار، ويربطها بتلك المسافة التي يجب أن تبقى للمحافظة على العلاقات الإنسانية دون اختلال. كما ورد الفراغ في الشعر، وجاء في إحدى قصائد الشاعر الراحل محمود درويش، وقال في واحدة منها: وحين أعود للبيت وحيدا/ فارغا إلا من الوحدة.وأيضا قال الفنان وليد قارصلي، الذي كان يكتب الشعر أيضا: «غمر الفراغ ما حولي بذهابك السريع / توقف العالم بغتة / كما يقف الضيف في عتبة الباب.
والفراغ كتعبير عن حالة كثيرا ما تردد في المقالات، وفي إحدى المرات كتب الاديب والمفكر الراحل أنيس منصور: «إن الأجيال الجديدة تستطيع أن تملأ الفراغ في الأدب والفن إذا أعطاهم الكبار فرصة للظهور».
الفن يبدد الفراغ
عندما يقف الفنان أمام المادة الخام لعمله الفني، سواء اكان لوحة أو كتلة للنحت من برونز أو رخام، فهو أمام شيء مبهم له علاقة بالفراغ، وعليه هنا أن يضع نموذج تصميم يقضي فيه على الفراغ، مع مراعاة توزيع الفراغ في لوحته كي لا يحدث نوع من الاختلال في التوازن، وكل الفنانين الذين يواجهون لوحاتهم بيضاء يسعون بالممارسة لإيجاد توازن يقضون فيه على الفراغ. وهو الذي تناوله النقاد بالكثير من دراستهم النقدية، إذ قيل ان الفراغ في الفن التشكيلي هو وهم العمق، فالفراغ الفيزيائي في الرسم ثنائي الأبعاد، لذلك على الفنان إنتاج وهم العمق، وذلك عن طريق وجهة النظر وزاوية الرؤية.
وفي وصف الفن الإسلامي قال أحد النقاد: «ترك الفنان المسلم عمله الفني حافلاً بثنائيات الكتلة والفراغ، ففي الوقت الذي نجد سيطرة الخط والتشابكات (الأرابيسكية) في مجال ما، نجد بالمقابل سيطرة فراغية صامتة في مجال آخر. على النحو الذي يكامل بين منطوق الكتل اللونية أو الزخرفية، ومساحات الفراغ والصمت».
