اختارت الكاتبة الهندية كيران ديساي، الحائزة على جائزة »بوكر«، اخيرا، توجيه دفة حواراتها واحاديثها الصحافية باتجاه فريد، إذ حاورت والدتها، مؤلفة الروايات والقصص القصيرة، الكاتبة أنيتا ديساي، استجابة لدعوة من صحيفة الـ »غارديان« البريطانية لإجراء حوار مع أحد الأدباء الذين تختارهم. وشددت ديساي الام، في الحوار، على أن كتاباتها تركز على الماضي الذي تحمله بداخلها، مؤكدة أن أعمالها سباحة ضد التيار، تعكس الخوف من الفقدان وحتمية هجران الأشياء.

 

تصف كيران في الحوار، منزل والدتها العتيق الذي يعود إلى حوالي 170 سنة، بدرجاته المتنوعة من الحجارة الفضية، وكذا بعليته التي جرى عزلها بشعر الخيل، وألواحه الأرضية من أشجار الصنوبر، وبأضوائه المشعة دوما، وأجوائه الهادئة. وهي تشبهه بأنه مثال بيت مؤلف روايات حيث المجلات المكدسة وخزائن الكتب الفائضة عن حجمها.

وعندما تجتمع بأمها تقول: "اشعر وكأننا بمفردنا على عوامة في وسط البحر". وتلفت الى ان العائلة مشتتة، وبلاد الهند بعيدة. وتعتني في هذا الشأن، بوصف أعمال والدتها على مر السنين، على أنها أعمال تركز على عوالم منسية متلاشية عن الفنون واللغات الهامشية، وأن العبارات المقتبسة في رواياتها من "تي اس إليوت، وإميلي ديكنسون، وبورخيس"، هي غالبا ما تحيلنا إلى الذاكرة المستمرة.

 

عشت طفولتك في دلهي القديمة، لكن ماذا تعرفين عن ألمانيا وبلاد البنغال اللتين ينتمي إليهما والداك؟

الأمر دوما نوع من الدمج بين الحقائق المعروفة وبين الخيال.

أذكر ما أخبرتني به يوما حول حياة والدك كطفل في بنغلاديش. كيف كان السكان يتركون قراهم ويسافرون إلى اسفل النهر؟

والدي أخبرني عن مناظر الطبيعة النهرية لشرق البنغال، وكيف كانت الأراضي تفيض خلال معظم السنة، فيعمل السكان على التجذيف بالزوارق ذهابا وإيابا. وأخبرني قصصا لا استطيع حتى تخيلها. وكان ساعي البريد يسير عبر الغابة، وهو يدق الجرس لترهيب النمور، صائحا: "باسم الملكة فكتوريا، افسحوا الطريق لعبور البريد!". ولكن قراءة طاغور أعادت إحياء عالم والدي اكثر بكثير من تلك القصص القليلة التي اخبرني عنها.

 

"ضوء النهار"

كيف التقى جدتي بجدتي؟

توجه والدي إلى برلين لدراسة الهندسة، وهناك التقى بالفنان جورج كولبي النحات المعروف بانه كانت الوجوه الآسيوية تثير اهتمامه، وهو الذي عرفهما أحدهما على الآخر. ثم قامت شركة ألمانية بتوظيف والدي لفتح فرع لها في الهند،. وهكذا عاش ابي مع امي في منزل من طابق واحد، يتضمن مجموعة حدائق وأسقفاً منخفضة.

هل يشبه البيت في كتابك "ضوء النهار الساطع"؟

مثله تماما.

هل كان هناك فعليا، رجل باسم حيدر علي، تلك الشخصية الساحرة التي وصفتها، وايضا صاحب المكتبة؟

لا. لقد أوحت لي بهذه الشخصية أشعار الأوردو وآدابها، التي نشأنا على سماعها، لكن كل هذا لم يدم طويلا، لان الشركة الألمانية في الهند البريطانية، لم يكن من الممكن ان تستمر في ثلاثينات القرن الماضي. ثم جاءت سنوات الحرب في أوروبا، لذا كانت أوقاتا حزينة بالنسبة لوالدتي التي لم يبق أحد من عائلتها.

وعندما أصبحت دكا عاصمة "باكستان الشرقية" دُمر منزل والدي، وشكلت هذه بالنسبة لي أرضا مفقودة أخرى. وكطفلة، لا بد أني كنت واعية لكل هذا الماضي المتلاشي، ولكل تلك المشاهد الزائلة. وذلك ليس لأنها تلقي بظلالها على حياتي، فالأطفال لا ينظرون إلى مثل تلك الأمور بسوداوية.

وكانت هناك كل تلك اللغات المفقودة، اذ خسرت اللغة البنغالية التي كنت أتحدث بها وأنا طفلة، ولم تكن لغتي الألمانية بالجودة الكافية لأكتب بها، فاستحضرت في كتاب "بستاني بومباي" متكلمين باللغة الألمانية، وكتبت بالإنجليزية بالطريقة التي كان سيتحدث بها هؤلاء باللغة الإنجليزية، واستعدت بعضا من بقايا الألمانية من تاريخ والدتي، وهذا كان جهدي لإعادة كل هذه اللغات إلى الحياة.

كتبك غالبا ما تحيلنا إلى المزيد من اللغات، فانت تقتبسين من إقبال وبايرون في "ضوء النهار الساطع"، وكذا يدور كتابك "رهن الاعتقال" حول اللغتين الهندية الأوردوية، كما أنك تقتبسين الأدب وتمزجينه بالجغرافيا.

لغة الأوردو كانت اللغة المحكية في دلهي، وكان التحدث بها على مقدار من الجمال في تلك الأيام. ثم كانت هناك الكتب التي كنا نشتريها لأنفسنا، وكان والدي يقرأ بايرون وسواينبيرن وبراونينغ، ويردد مقاطع من شعرهم، مرارا وتكرارا. ومن شدة الغرابة، فإنه لم يجلب الموسيقى البنغالية إلى المنزل،.

وهذا كان مؤسفا حقا. وقد قامت جدتي بجلب بيانو معها، وكانت لديها ألبومات كاملة لبيتهوفن وبرامز وشوبرت، وكتب جلدية منقوشة بشكل جميل بخط ألماني قديم، وعندما غادرت دلهي أعطت كتبها لمكتبة جامعة دلهي، التي كان لديها قسم للغة الألمانية.

ولكن لماذا اكتب باستمرار عن الماضي؟ ربما لأنني لم استطع مواجهة الحاضر بشكل مباشر، ولأنني كنت احمل كل هذا الماضي في داخلي.

هل تظنين أن هذا ما دفعك لتكوني أديبة في المقام الأول؟

لو لم اترك الهند، لو كانت كل هذه الأشياء لها معنى وتتصف بالاستمرارية، لربما ما كنت وجدت ضرورة لجمع كل هذه الأشياء معا. فأنا اكتب معظم كتاباتي في الهند، لكنها هند أخرى بعد التقسيم، فالهند التي تنتمي إلى طفولتي انتهت عمليا.

أنا بدأت الكتابة عندما كنت في المدرسة، وشرعت في إصدار الكتب حين كنت ادرس في الكلية، وكنت اكتب بانتظام إلى المجلات في دلهي، مثل "فكر" أو "رايترز، و"ركشوب أند انفوي" التي كانت تصدر في لندن. وكتبت مراجعات لكتب ومقالات قصيرة وقصصاً قصيرة، واللغة الإنجليزية أوصلتني بطريقة ما إلى الغرب.

 

"أحب الشعر"

اذكر أنك كنت معجبة كثيراً بفرجينيا وولف.

كان لها تأثير كبير على كتاباتي، واذكر انني اشتريت مجموعة من مجلدات "هوغارث برس". وكنت أعيد قراءتها مرارا وتكرارا. ولفترة طويلة كنت اقرأ صفحة أو صفحتين قبل بدء عملي الصباحي، لأنني كنت استخدمها كنوع من المرجعية. وكنت أريد ان التقط تلك النغمة بالتحديد التي كانت تعزفها

. ثم أصبت بخوف شديد من كوني أحاول تقليد نغمة صوتها، وكان هذا يعيق اكتشافي لنغمة صوتي، فتوقفت عن القيام بذلك، لكنني لا أزال احب قراءة الشعر قبل البدء بعملي، خصوصا لكل من ريلكه وكفافيس وماندلستام وبرودسكي.

هل يعني ذلك حبك لإبداعات شعراء المنفى؟

نعم، جميع هؤلاء الشعراء، ذلك لأنهم يذهبون مباشرة إلى ما يودون عبوره، فهم لا يتمهلون، بل يمضون بتلقائية هائلة تؤثر في الشخص.

ما رأيك بمقدمات الطبعات الجديدة لكتبك التي صدرت حديثا في الهند؟

كنت ممتنة جدا، فقد أتت على مستوى رفيع من الجدية. ومن المدهش أن جيلا كاملا نشأ يقرأ الأدب الهندي باللغة الإنجليزية، وعندما كنت طالبة، لم نقرأ لكتاب هنود بتاتا.

 

كتابة "في السر"

يقول الناس انك كاتبة هادئة، لكنني اجد عنفا قويا في كتبك وإحباطا هائلا وتعاسة، واحيانا حزنا مكبوتا، ومع ذلك هو لا يفقد "حدته".

هذا ربما لأن الأمر كان عبارة عن صراع، وبدا وكأني اسبح عكس التيار، فقد كنت أكتب بالسر تقريبا، ولذا بدا عملي تخريبيا، فأنا بإمكاني اطلاق العنان لنفسي دون أية قيود.

تكتبين كثيرا عن المنفيين والمسافرين. هل يعيش الكاتب حياة الذين كتب عنهم، بقدر ما يكتب عن حياة الذين يعرفهم؟

لم تكن هذه نيتي في الأصل، كنت أخطو خطوة ثم أخرى، ظنا مني انني اقتفي اثر خطواتي وأعود، لكنني كنت أسترسل بعيدا. لذا فإن الكتابات تنم أحيانا عن نبوءة، وعندما يكتب المرء، يكون على علاقة بقوة أخرى، وليس القوة اليومية التي يوظفها، بل يوغل عميقا في ذاته، دون أن يشك في ما إذا كانت هذه المشاعر موجودة أم لا.

ترعرعت في منزل يضم أربعة أطفال، لكننا، ورغم ذلك، نمتلك إحساسا هائلا بالعزلة. لماذا يا ترى، وانت ربة ذلك المنزل؟

أتعجب لهذا، ربما لأننا نكتب؟ وأنا متأكدة أنك تشعرين بنوع من الحسد عندما ترين أصدقاء أو أخوة ينتمون بشكل كامل إلى حياتهم في طريقة ليست منا. وهناك تأثير كبير على أفكار المرء عندما يكون دوما على السطح الخارجي للأشياء، دون وان ينتمي. وكان هناك نوع من الوحدة دوما لأن عائلتي لم تكن كغيرها من العائلات.

سافرت إلى بلدان عدة، هل غيّر هذا منحى تفكيرك وكتاباتك؟

كانت تجربة مخيفة أن يكون موضوعك في مكان آخر، وأن يكون خوفك هو في عدم قدرتك على استرجاعه. عندما أتينا إلى أميركا بدأت التعليم، كان لدي شعور هائل بأنني لن اكتب شيئا بعد الآن. فلقد تم اقتلاعي من الهند، ومن الماضي والعائلة. وما كان يدور حولي لم أكن انتمي إليه على الإطلاق، ثم كتبت :"الصيام، الولائم" بالعودة إلى الماضي، وكانت الطريقة الوحيدة لكي أتمكن من الكتابة، استعادة الماضي باستمرار.

كنت تعملين على التنقل بين الأزمنة التاريخية ووجهات النظر المختلفة والجغرافيات المتعددة.

نعم. كما لو كنا أمام أحجية الصور المقطوعة، وبذا يفترض رؤية كيفية جمع القطع، وكتاب "الصيام، الولائم" كان كما لو أننا أمام أحجيتين مختلفتين في محاولة لجمعها في أحجية واحدة. طبعا فلقد ورثت عالما مشتتا.

عندما تكتبين قصة، هل تجدين شكلا لها؟

في كتاب "بستاني بومباي" كل الأحداث تجري في اليوم نفسه، والفكرة تدور حول أن هذا هو اليوم الأخير في حياة البستاني، وكنت على علم انه سيموت، ولكن لم أكن أدري كيف.