من المعروف جيداً، أن هناك المئات من الكتب عن أندريه مالرو، ولكن الكتابة عن سيرته الإبداعية لا تنضب. وكلما صدر كتاب جديد عنه، نجده يلقي المزيد من الضوء على حياته الإشكالية التي كانت محيرة في نظر البعض، ومألوفة في نظر البعض الآخر. ولذلك يتساءل القارئ: هل أن مالرو، الكاتب ووزير الثقافة في عهد ديغول، بحاجة إلى سيرة جديدة؟

 

آخر كتاب صدر عن السيرة المثيرة للجدل للكاتب الفرنسي الراحل اندريه مالرو، كتبها، أخيراً، الناقد الفرنسي أولفييه تود، ونشرتها أشهر دار نشر فرنسية (غاليمار). وأمضى هذا الناقد خمسة أعوام من حياته، يقلب في أوراق وأسرار حياة مالرو الذي اعتقد الناس أنه أشبع دراسة وتنقيباً وبحثاً، منذ أكثر من نصف قرن.

ولكن الأمر لا يبدو هكذا، لأن المبدع الإشكالي، وهذا هو رأي كبار النقاد، يبقى سراً غامضاً، مهما صدرت عنه المؤلفات. فهل يجب، يا ترى، (إعادة) فحص حياة مالرو باستمرار من أجل اكتشاف الحقائق الجديدة؟ وعلى الخصوص في مجالات معينة، مثل تكوينه الأنكلوــ ساكسكوني، وعلاقاته الشفافة مع سارتر وكذلك علاقته بالشيوعية وتجربته في كتابة التحقيقات والتقارير، وبالأخص زيارته فيتنام. ولا يريد النقاد الفرنسيون أن يتفحصوا هذه الأمور، لأن مالرو أصبح شخصية وطنية مرموقة، أكثر مما هو أديب وكاتب أو سياسي.

 

«حزمة أسرار»

تتضمن حياة أندريه مالرو، في الحقيقة، (حزمة من الأسرار)، كامنة في حياته وأفعاله، وخاصة بعض القضايا التي تتعلق بحياته، ومنها التحاقه المتأخر بالمقاومة، وذلك في العام 1944، أي قبل شهرين من إنزال الحلفاء، وليس قبل سنتين. وطرح مثل هذه الأمور في سيرة حياته، من شأنها أن تشككك في مصداقيته.

وهو أمر يخص فرنسا قاطبة لا مالرو لوحده. فلا يمكن لهذا الرجل الذي كتب روايتين من أعظم روايات المقاومة: (الوضع البشري) و( الأمل)، أن يكون متراجعاً في الالتحاق بمقاومة الفاشية، وإلا فكيف استوحى هذه الأحداث، ومن ثم جعلها في مستوى فني وجمالي ولغوي رفيع. إن هذه الكتب وغيرها، أصبحت مادة تعليمية في المدارس الثانوية وأروقة الجامعات، ويستنبط منها الطلبة معنى المقاومة والفداء والتضحية.

وبالإضافة إلى ذلك، فهو ككاتب وفنان، عرف معنى القضايا الخاسرة بعد عام 1940، وخلال حرب إسبانيا، إذ تفرغ للكتابة وللعائلة. وعندما انخرط في المقاومة، أصبح قائداً لثلاث قطاعات عسكرية في الألزاس واللورين، وأثبت بطولاته الفريدة من نوعها. ويثير كتّاب سيرة مالرو، بعض الشكوك حول إيقافه من قبل الغستابو.

وكذلك التهديد بالإعدام، وحواره مع الجنرال الألماني، إذ لم تؤيده أية وثيقة واضحة. ولا تدعم تلك (الحقائق) التي يذكرها سوى مخيلته، وهو يردد عبارات مثل: (إنني عرفت ستالين) و(قال لي تروتسكي) و(لنا الجبال والمقاومة) وغيرها من العبارات النارية التي يُشك في كونها حقائق!

 

صداقة مع ديغول

يؤكد أولفييه تود، أن أندريه مالرو، كثيراً ما كان يعامل شارل ديغول، على أنه (فاشي)، ولكنه يشير أيضاً إلى أنه الرفيق القديم للحزب الشيوعي، وسرعان ما أصبح وزيراً للدعاية في نظامه، وأخذ يصطف مع (عتاة المحافظين). وفي فترة حرب الجزائر، قام بالتغطية على إيقاف وحجز الصحف والتعذيب أثناء الحرب وملاحقة المطالبين بحقوق الإنسان وغيرها من الممارسات.

كما يشير كاتب سيرته إلى أن نزوله من النخبة المثقفة إلى الجماهير، كان تكتيكاً من قبله. وكما يقول سارتر: (يجب أن نحذر من الكتّاب الذين يتحدثون بشكل جيد).

ومن جهة أخرى، يشكك النقاد بعبقرية مالرو الأدبية، باعتباره لم يبدع أسلوباً جديداً في الكتابة، على غرار ما فعله كبار المبدعين، أمثال: بروست وجويس وسيلين.

وكذلك فإن مسيرته لا ترقى إلى ما وصلت إليه مسيرة لورانس العرب. وأمام الزعيم الصيني ماوتسي تونغ لم يكن ذلك الخبير في الماوية، كما ورد في (مذكراته المضادة)، بل كان مجرد ضيف من الضيوف. والشيء ذاته حصل له مع الرئيس الأميركي نيكسون. وربما لضعف علاقته السياسية وإن رفعته إلى منصب وزير الثقافة في أدق مرحلة من مراحل تطور فرنسا، إلا أنه كان يفضل الأدب باعتباره (الجبهة المفضلة) لديه، كما عبر عن ذلك في روايته (الأمل).

وقد قالت عنه مدام شارل ديغول ان: (مالرو لم يخلق لكتبه، وكان من المفترض ألا ينهمك بالسياسة). والمعلوم جيداً أن الأدب، كما يقول رولان بارت، قضية خالصة من اللغة، وهذه (طبيعة الإنسان الحديث) لذلك فإن ثمة شكوكاً في (حب مالرو للكلمات)، ذلك لأنه كان يفضل الأفكار والتاريخ وبعض الإشراقات الميتافيزيقية.

 

التشكيك في إبداعاته

السؤال المطروح هو: كيف يمكن النظر إلى مالرو (كاتباً)، في الوقت الذي يقول الكاتب المبدع كلود سيمون في روايتيه (الأمل) و(الوضع البشري)، بأنهما من (روايات قراء محطات القطار)؟ إن كل (الأفعال) التي حاول مالرو أن يغطي بها أعماله، إنما كانت من الدعاية والكذب، حسب ما جاء في السيرة الجديدة. ومن أجل تقبل أعمال مالرو في الوقت الحاضر، يجب أن يكون القارئ (ساذجاً) و(بسيطاً).

وهو يظهره على أنه (مولع بالكذب)، من خلال تركيزه على (الأفعال)، أي إضفاء هذه الأفعال على العمل الابداعي. أما كتابه الشهير (المذكرات المضادة)، فلم يكن سوى سيرة متخيلة ووقائعها عبارة عن شطحات خيال الكاتب لا أكثر ولا أقل!

فعلى سبيل المثال، كما جاء على لسان كاتب سيرته أولفييه تود الذي قابل الكاتب مبكراً: كان عبارة عن ممثل رائع، يقترب من شخصية الرسوم المتحركة. وهنا كان بودي أن أنظر إليه من جميع الزوايا، ولست بالقاضي ولا المحامي. وحاولت أن أعرف كيف كان مالرو يعيش، وهو قبل كل شيء كاتب وروائي.

 

علاقات سياسية متشعبة

يقول كاتب السيرة الحديثة لمالرو، أولفييه تود، حول علاقاته مع رجال السياسة والمشاهير: (إن مشكلة مالرو، وقوفه إلى جانب الفاشيات المتنوعة، وذهابه من الشيوعية، إذ اعتبر هكذا في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، وهو ممثل لجيله. ومن ثم أصبح ديغولياً. وقد تعرف على ديغول وماوتسي تونغ ونهرو، ووجد فيه ديغول كاتباً كبيراً لذلك أسند له منصب وزير الثقافة. وقد هيأ ديغول موضوعاً هائلاً له. وكان مالرو يذهب نحو ديغول مثل طفل. فقد انتصر ديغول سياسياً وانتصر مالرو أدبياً).

ومن المعروف أنه بدخول مالرو إلى (البانتيون): (مدفن عظماء الأمة الفرنسية)، أصبح أسطورة لها شأن كبير في أذهان الفرنسيين. ويذهب كاتب سيرته إلى أبعد من ذلك، عندما يقول: «ان الصورة التي نعطيها لتلامذة المدارس كاذبة وساخرة.وقد ساهمت بعض الجامعات في صنع هذا الماكياج».

وفي سنوات الستينات من القرن الـ20، عندما احتفل مالرو بعيد ميلاده الـ60، أي في الـ 3 من شهر نوفمبر من العام 1961، كان طموحاً إلى درجة كبيرة في تأصيل الثقافة التي خصص لها ديغول مبالغ كبيرة. وكان يردد: (ما أريد إنجازه شيء جنوني، ولكن ما أستطيع عمله يعادل صفراً...).

ولعل رأي كريستيان مواتي، مهم للغاية، في تحليله لعمل مالرو، إذ قال فيه ان هذا الكاتب تمكن من أن يدخل العناصر الأجنبية ويجعلها في متناول المواطن الفرنسي المتوسط، وهو العالم الديني والآسيوي الذي كان يسحره على الدوام. كما انه عرف الفنون العالمية بأسرها، ذلك لأن تذوق هذه الفنون لم يكن يتطلب معرفة اللغات الأجنبية، كما هو الحال في الآداب.

وكان مالرو لا يتحدث إلا عن الفنانين الذين تجمعه معهم وشائج حميمة، ويحاول أن يستخلص من أعمالهم، كل ما هو جوهري وأساسي. وبهذه الطريقة، جاء إلى النقد الفني الذي أبدع فيه كتباً عدة. وقد تحدث أنطوان تيراسي عن مالرو المكتشف لأعمال العباقرة لأنه كان يخلط ذاكرته بذاكرة إبداعهم.

وكان أهم ما ينظر إليه مالرو، الصورة، وهذا الاتصال بينه وبين الناظر والقارئ، هو الذي خلق لديه (التحرر الجمالي الذي يكتشف لغة غير معروفة، وهي لغة كونية).

كما ركز كثيراً على اكتشاف الأمم الجديدة لتاريخها وتراثها، مؤكداً أن (العصر الذي عاشه، شهد على استقبال الفنون المتوحشة في عالم الفن الذي سبق اكتشافها، وهذا الفن المتوحش هو الأكثر تعقيداً وعمقاً، إذ تم استقدامه وعرضه، مثل تحفيات تأتي من أرض روما).

يكفي أن مالرو موجود في جميع منعطفات العصر، وهو الذي عبّر عن مفاصل التاريخ الأكثر التهاباً وإثارة واضطراباً.