تمتد تجربة الفنان العراقي محمد فهمي, على مساحة زمانية قوامها أكثر من 40 سنة ,ومكانية مغمسة ببيئات فنية واجتماعية وجمالية متنوعة, بدأت من ريف العراق ومدنه وعرجت على نيوزيلاندا مرورا بمدن عربية وإماراتية عدة على رأسها دبي، فكانت رحلة غنية مشبعة بالتجربة والتجريب غرف من معينها الفنان بلا توقف، واتكأ عليها في استنباط نظرية تشكيلية حديثة أطلق عليها اسم«السكون المتحرك».
( مسارات) أجرى حوارا مع الفنان التشكيلي محمد فهمي المقيم بين دبي ونيوزيلاندا على هامش معرض( جماعة الجدار زائد أربعة) الإماراتية، الذي استضافته مؤسسة العويس الثقافية أخيرا، وطاف معه في عوالم تجربته الفنية الممتدة منذ أكثر من 40 عاما والتي تشربت من مختلف المدارس والبيئات الفنية العراقية والعربية والعالمية.
وتمكن صاحبها من مراكمة أعمال فنية لا حصر لها لم تقتصر على مستوى الرسم على القماش أو الورق، بل تعددت هذه الحدود ووصلت إلى الرسم والتشكيل على الخزف والسيراميك في مشاريع عملاقة باتت تشكل معلما من المعالم الجمالية لمدينة مثل دبي.
ما المرتكز التشكيلي في نظرية «السكون المتحرك»؟
البنية الأساسية التي أركز عليها في أعمالي الفنية هي التجريد، فالمساحة الكلية للوحة ابدأها تجريدا ومن ثم أركب عليها الواقعية . فالتجريد هو لقطة ساكنة لا تملك إلا حركة اللون، وبالتالي، فإنها تدفع بالواقعية في جزء من اللوحة داخل التجريد.
وبالتالي هي أيضاً لقطة ساكنة، فعند دمج الواقعية مع التجريد يصبح هناك تضاد، يتجلى بالكتلة النهائية للعمل، وباختياري لعملية الاندماج اللوني تصبح اللقطتين متحركتين، بمعنى، إن تقارب ساكنين يفضي بالضرورة إلى تحرك أحدهما، وهذا ما أؤكد عليه دائماً بأن التضاد في الأساليب والمدارس لم يعد خطاً أحمر، كما أؤكد على نقطة ثانية وهي تجزئة اللوحة الفنية نفسها ، أي أن ترسم عمل فنيا مجزءا أساساً وتترك للمتلقي أن يركبه وهذا جزء من فلسفة السكون المتحرك في اللوحة الفنية.
أنت عضو مؤسس في «جماعة الجدار»، ما هو القاسم المشترك بين الفنانين المكونين لها؟
- بدأنا تأسيس الجماعة، فعلياً ، عام1994، وكان المعرض الأول لنا عام 1995، ولم يكن الهدف منه التمازج أو التقارب بين الأساليب ، فقد كنا رافضين أن يكون اختيار أعضاء الجماعة بناء على تشابه الاسلوب وإنما على الطرح، حيث تم استبعاد هذا الجانب منذ البداية، فكان الهدف بناء جدار مشترك يجمعنا سوياً وكل يحلق كما يشاء ،ولا سلطة لأحد على الآخر، فمثلا الفنان احسان الخطيب يختار ما يشاء والفنانة نجاة مكي تختار ما تشاء وهي مسؤولة عن كل اختياراتها سواء بالموضوع أو بالأسلوب أو بالطرح .. فعندنا الخيارات مفتوحة .
هذا هو المعرض الثامن للجماعة وذلك يعود إلى كثرة الفنانين الراغبين بالانتماء إلى هذه الجماعة، المكونة من ثمانية أعضاء فقط وذلك لأنها لا تستوعب أكثر من ذلك العدد، بينما تعتبر مجموعتنا أقدم مجموعة في الإمارات لا تزال مستمرة إلى الآن من دون توقف .كلما كانت الجماعة مقتصرة على عدد معين من الفنانين، تحسن الوضع المستقبلي بالنسبة للجماعة ، لذلك قررنا استضافة أربعة فنانين مختلفين في كل معرض نقيمه على أن يكونوا متميزين . فلقد استضفنا في هذا المعرض الأخير الفنانين خليل عبد الواحد، الذي يعمل فيديو أرت، والفنان عبد الرحيم سالم ومنى الخاجة ومحمود عبود.
كيف تختار مواضيعك؟ هل تشكل عملية اختيار مواضيع أعمالك هاجسا بالنسبة لمحمد فهمي ،أم أنها تأتي في سياق ما ؟
يشكل اختيار الموضوع هاجسا كبيرا جداً بالنسبة لي، فيجب أن أطرح موضوعا ليس لي وإنما لجمهوري و لمستقبلي كفنان ، موضوعي يخبر الناس عني . اللوحة بالنسبة لي هي بمثابة صك مرور للمستقبل وللناس وللامعان بالحركة و في الساحة التشكيلية في الوطن العربي. العمل هاجس، ويقلقني كثيرا ولذلك انتاجي غزير بالموقف وغزير بالنوعية وغزير باللون وغزير بالطرح أيضا.
ولذلك أرفض أن أكون مكررا لأعمالي. في معرض ( جماعة الجدار) الثامن، الذي استضافته مؤسسة العويس الثقافية بدبي أخيرا، نحن أمام ستة مواضيع بأسلوب واحد يعكس موقفي تجاه ذكريات جميلة، و موقفي أمام اللقطة الجميلة، و موقفي تجاه الأحداث المعاصرة في الوطن العربي، هذا كله يجعلني أشعر بعملية تجديد داخلي وتواصل مستمر مع المحيط بدون توقف و يشعرني بأنني أنجز المهمة ربما ليس بأحسن صورة، لكنه يشعرني، على الأقل، بأني مستمر في انجاز مهمتي .
على مدار تاريخ تجربتك الممتدة منذ عشرات السنين، هل هناك موضوع شكل هاجسا بالنسبة لك، وبالتالي أنتج مجموعة من اللوحات؟
نعم، والموضوع هو" السكون المتحرك"، الذي اشتغلت عليه من نهاية التسعينيات ولا يزال مستمرا حتى الآن ، حيث تبلورت عندي أفكار جديدة و مفاهيم و أسس جديدة لبناء هذه النظرية في الفن التشكيلي، وأتمنى أن أنجزها بشكلها النهائي وأصدرها في كتاب ، لا سيما وأني كتبت الكثير عن السكون المتحرك وخصوصا في رسالتي الأكاديمية، وأنا أحاول حالياً ايجاد جامعة دولية تمكنني من كتابة رسالة الدكتوراه في "السكون المتحرك " كي أنشرها في كتاب لاحقا. فأنا أشعر أنه يتعين علي أن أخلق شيئا جديدا يخدم الحركة التشكيلية سواء في الامارات او في الوطن العربي.
هل كانت أساليب محمد فهمي متنوعة خلال تجربته الممتدة منذ أربعين عاما، و ما التجارب التي خضتها على صعيد الأسلوب ، وما هو الأسلوب الذي تفضله؟
بالتأكيد اختلفت الأساليب ، عمليا بدأت بالكلاسيكية في بدايات طفولتي والمراهقة، حيث كنت أقلد أعمالا فنية كبيرة لفنانين كبار قبل أن أبدأ برسم البيت والحارات والريف، ومن ثم تطور الأسلوب الفني عندي باتجاه الواقعية الحديثة، ومن ثم إلى الأسلوب الأكاديمي، ومن ثم قررت بأن أشق طريقي بنفسي كفنان مستقل.
وأعتقد أني مررت بتجارب كثيرة منها الناجحة ومنها غير الناجحة ومنها ما توقف، لكن في النهاية وصلت إلى الأسلوب الذي يستوعبني أكثر من الأساليب الأخرى، وأسمي هذا الأسلوب التجريد الممزوج مع الانطباعية الحديثة، أي مزج الانطباعية بألوانها وأحياناً بالتكوينات. فأنا أستخدم الأسلوب الانطباعي في اللون وفي التكوين ولكن في النهاية عندي مساحة العمل الفني والتجريد. أما على المستوى الشعوري، فإن الفنان أو الناقد يمكن أن يكتشف هذا الشيء، ذلك أن جزء من الانطباعية هو جزء كبير من التجريد.
هل أنجزت عملا خلال تاريخك الفني وبقي عالقاً في ذهنك على حساب أعمال أخرى؟
هناك الكثير من الأعمال التي بقيت عالقة في بالي وطالما أنا مجدد ومثابر، أعتقد بأن أي عمل قادم هو ليس نهاية المطاف بالنسبة لي، فالعمل الأجمل لم يأت بعد، لذلك أنا دائماً متحفز لإنتاج شيء جديد، وأعمالي كلها بصورة عامة لا تعرض أمام الجمهور إلا إذا كنت مقتنعا بها، وراضيا عنها، ولكن الرضى الكامل لم يأت بعد.
من يقتني أعمالك ؟
يقتني أعمالي الكثير من جامعي الأعمال الفنية، وهناك الكثير من الأجانب والمؤسسات الذين اشتروا لوحاتي، و هناك متحفان أخذا من اعمالي وأيضا هناك رجل أعمال عراقي مقيم في لندن اقتنى حوالي ثلاثة أعمال فنية لي في الفترة الاخيرة، وهناك غاليري في مدينة الرياض اقتنى حوالي عشرة أعمال من أعمالي وفي الامارات هناك الكثير من الأشخاص والجهات الذين اقتنوا أعمالا لي أيضا. كما أني أقمت العديد من المعارض، ففي نيوزيلاندا أقمت أربعة معارض و في استراليا أقمت معرضين، وفي كل المعارض التي أقمتها، بيعت جميع أعمالي .
وكانت وجهة نظر النيوزيلانديين، على سبيل المثال، أن هذا هو اللون التشكيلي الذي يفتقدونه في أعمال الفنانين النيوزيلانديين، والسبب هو أني قادم من الشرق، حيث تكون الشمس قوية واللون يبهر بالإضافة إلى أن عملية التكوين المحسوس داخل مساحة العمل الفني يستهويهم أكثر من الأعمال المباشرة . أما المقتني الاماراتي، فيعجب بالعمل من ناحية اللون . هناك أعمال بيعت لقوة الموضوع حسب رأي المشتري وهناك أعمال بيعت أغلبها بسبب ما تنطوي عليه من مفهوم وأسلوب جديد مثل مجموعة السكون المتحرك .
عندما يفكر محمد فهمي بمن يقتني أعماله ، هل يأخذ بعين الاعتبار ذوق هذا الجمهور، وما الجرعة الفنية في أعمالك، وهل هناك جرعة تجارية فيها؟
أعمالي التي أعرضها في أغلب المعارض، لا أتفاوض عليها لا من ناحية مادية ولا من ناحية تجارية، فهذه الأعمال تعكس شخصية محمد فهمي . لكن هناك بعض الأعمال التي اقترحت، في فترات سابقة، أن تطبع على (بوسترات)، واستثمرتها شركات لأغراض تجارية ونجحت في ذلك، فهناك بعض الفنادق في دبي بالتحديد، تقتني بعض أعمالي الطباعية.
وكان مكسبها تجاريا، لكني لا أسعى إلى ارضاء فئة معينة أو غرض تجاري ،هذا مرفوض بالنسبة لي، وأهم نقطة في أعمالي هي أن أرضي جمهوري ليس تجارياً وإنما فكرياً وأغنيه بهذا الحوار السلس، الذي ينطلق إلى الحداثة والمتدفق بين العمل والمتلقي.في أي عمل أقدمه ما يهمني هو جمهوري ،لا يمكنني أن أخزن العمل إلى أبد الآبدين.
فالعمل لابد أن يطرح على الجمهور ويطرح قضيتك ويطرح أفكارك ويطرح مستوى فهمك للعمل الفني نفسه و رؤيتك المستقبلية للحداثة في العمل الفني هذا كله آخذه بعين الاعتبار، الجانب المادي لست ضده فكل فنان يطمح بأن تكون أعماله مباعة، لكن هذا لا يعني أن تؤثر على العمل الفني. هناك صالات للعرض تسعى إلى الربح المادي والتجارة بالعمل الفني بمعزل عن الفنان، ولكن هذه أحياناً تأتي بالكثير من الايجابيات للفنان.
ما قيمة أغلى عمل بيع من أعمالك؟
أغلى عمل بيع من أعمالي كان بقيمة 69 ألف درهم عام 2001 ، وهناك أعمال أنجزتها لمطار دبي في القاعات وأعمال أنجزتها لسبعة أنفاق وهذه كانت مبالغها كبيرة وصلت إلى 400 ألف درهم .كما اقتنت بعض أعمالي الخطوط الجوية الماليزية وبعض المكاتب التابعة لحكومة دبي.
لماذا دبي بالتحديد ؟
هناك علاقة حميمية بيني وبين دبي بلا شك ، حبي لدبي وعلاقة العشق بيني وبينها هو ما شجعني أن أمارس جزءا ولو بسيط في تجميل هذه المدينة .
ما العناصر التي استندت إليها في الأعمال التي أنجزتها في أنفاق دبي؟
نفق المطار، الذي يمتد على طول 840 مترا وأربعة جدران مساحتها 6 كيلومترات و400 متر وستة مداخل بدأت بألوان البيئة المحلية وتاريخ دبي بصحرائها وسمائها ونخيلها وبحرها، التي تتشكل عبر زخرفة معينة هي أقرب إلى العربية ، بينما هناك مسار ثابت يقوم على الزخرفة وصولا إلى بعض المشاريع التي حولت دبي من صحراء إلى ما وصلت إليه من هذا الغنى المعماري والبيئي .
المنفى والوطن ،ماذا يشكل هذا الواقع المؤلم في تجربة محمد فهمي .. ما مدى توقك للعودة إلى العراق وتشكيل جزء من الحركة التشكيلية في بلدك العراق؟
منذ أن غادرت العراق في نهاية السبعينيات، لم أنقطع عن العراق وهو لم ينقطع عني، تواصلنا عبر الفضائيات وعبر الكتب وعبر اللقاءات مع فناني ومثقفي العراق والأصدقاء. يبقى العراق هاجسا بالنسبة لي، وأتمنى أن أعود اليوم قبل الغد إليه ، لكن ثمة خوف من أن تمحى تلك الذاكرة الجميلة، فلقد كان العراق بلداً جميلاً، أما في الوقت الحالي، فقد اختلف،.
حيث أصبح عبارة عن مؤسسات حزبية وميليشيات و هناك فساد اداري وخراب بعد الحروب التي ألمت به منذ عام 1980 ولغاية الآن، فالعراق الآن ليس العراق في نهاية السبعينيات الذي ما زلت أحتفظ به في ذاكرتي ولا أريد أن أفقده .
العراق كان حاضرا في أعمالي وله الفضل الكبير في اعطائي هذا الغنى من الألوان، فالعراق بقي في لوحاتي وليس فقط في ذاكرتي وترجمت بعض الأعمال من الذاكرة إلى أعمال ملموسة واشتغلت لغاية التسعينيات أعمالا أغلبها عن العراق رسمت القرية التي ولدت فيها ورسمت المحافظة التي عشت فيها ورسمت جزءا من تاريخي الاجتماعي العراقي واستمريت في ذلك إلى فترة قريبة جداً، ولكن حين شققت طريقي في أسلوب جديد وأعمال جديدة و رؤى جديدة بقي العراق حاضراً وليس غائباً ولكن من الصعوبة تمييزه عن باقي الأعمال الأخرى، لأن الفكرة أصبحت عندي أكثر نضجاً ومنوعة واختلاطي في هذا التيار والكم الهائل من الاساليب والمدارس والفنانين والتجارب الكبيرة وهجرتي اللاحقة إلى نيوزيلاندا منذ 17 سنة أعطتني دافعا قويا للتجريب والتطوير .
