يبقى الموسيقي الالماني روبرت شومان من النماذج الرفيعة، في طبيعة تميز المبدع الموسيقي وهو يعيش عوالم خاصة، يسمها البعض بالحالات المرضية المنطوية على عقد نفسية. ومؤكد ان نسبة متدنية من الناس في مجتمعاتنا، وهي تقارب احيانا حدود الندرة، تلك التي تجرؤ على الاعتراف بمعاناتها او اصابتها باحد اشكال مرض العصاب النفسي (العقد النفسية).

 

أصبح هذا المرض، بأنماط محددة، شائعا بشكل كبير في الغرب، حيث اعتُرف به فلم يعد يثير الحساسية. وليس لنا الا ان نقف بتأمل وتمعن، امام حالات ابداعية في تاريخ البشرية، كانت عبقرية المبدعين فيها، ضمن مختلف مجالات الفنون، تحال الى نمط او طور من اشكال الجنون. ويبرز في هذا الاتجاه، المبدعون الموسيقيون بشكل طاغ. اذ كان جنون مبرزين، عنوانا لعبقرية اللحن، وقيمة تجمل وتزين روح الابداع لدى البشرية. ومن هؤلاء: شومان.

دأب متخصصون كثر، وكذلك بحاثة وعلماء نفسيون، على الربط في دراساتهم ومؤلفاتهم وتحليلاتهم، بين انواع العقد النفسية، ومضمون سمة العبقرية في النسبة الغالبة من المنتج الابداعي العالمي، وخاصة في مجال الموسيقى. اذ يرى هؤلاء ان شكل الجنون الذي تفرزه الاصابة بتلك العقد، بمثابة ارضية خصبة لعبقرية الموسيقي، الذي ينسج من افرازات فكره وعوالمه، توليفة نغمات تميزها روعة الاحساس وقدرة النفاذ الى نفس وعقل مختلف الافراد.

 ويستشهدون في هذا الصدد، بحالات وتفاصيل حياة وابداع رواد عالميين بارزين. طبعا. لا تنتهي او تتأطر مضامين التوليفات المستجدة لتلك الحكايات في محيطنا، حول مكنون هيبة خاصة تحيط بالعبقري المبدع (الموسيقي تحديداً)، ولكنها في الغالب ممزوجة بملامح من الجنون والخصوصيات. ونجد تلك الاحاديث تصور الافراد من هؤلاء، على انهم غريبو الأطوار.

وكذلك يملكون شخصية معقدة، كون اي منهم يبدو دوما، مختلفا عن سائر البشر، فهو يتميز- برأي اصحاب هذا التوجه- بتركيبة نفسية خاصة، يجدونه معها غير طبيعي، بل إنهم يعدون بعض من هم من هذه الفئة، يصلون في احيان كثيرة، مرحلة الجنون الكامل. ولكن ذاك -في زعمهم- هو منبع العبقرية وروح الابداع الخلاق.

 

صرع وفصام وإبداع

يورد التاريخ أمثلة على « الجنون المرهف»، وحكايات وقصص عن الكثير من كبار الشعراء والرسامين والموسيقيين، الذين مثلوا نماذج فريدة في جنون العبقرية، ومنهم شومان، وأيضا بايرون وفنسنت فان غوخ الذي كان يعاني مجموعة من الاضطرابات منها الصّرع والفصام والاكتئاب الهوسي، وكذلك مينكوس وروبرت شومان.

فهؤلاء كتبوا عن التقلبات المزاجية المتطرفة التي عانوها وأُدخلوا إلى المصحات نتيجة إصابتهم بالهوس أو الاكتئاب خلال حياتهم.واستنادا للمعايير التشخيصية الحالية، يبدو أن معظم هؤلاء الفنانين (وغيرهم الكثير) عانوا واحدا من اضطرابين مزاجيين رئيسيين: مرض الاكتئاب الهوسي والاكتئاب الشديد. ومع كون هذين المرضين شائعي الحدوث إلى حد ما.

وقابلين للمعالجة، فإنهما كثيرا ما يؤديان إلى الموت، اذ يسبب الاكتئاب الشديد نوبات سوداوية حادّة، في حين أن الاكتئاب الهوسي، ينقل المصابين به مراراً، من حالات اكتئابية إلى حالات تتسم بنشاط مفرط وشعور بالانشراح، أو حالات يغلب عليها سرعة الاهتياج.

 

شومان.. نهاية ماساوية

ان من ينظر إلى النهاية المأساوية للمؤلف الألماني الكبير روبرت شومان وهو في السادسة والأربعين من عمره، لا بد أن يلفت انتباهه ذاك الجدار الخالي من الرومانسية والذي يمكن تسميته بالمرض العقلي، فقد مات ذاك الموسيقي العبقري نتيجة اضراب عن الطعام، تلا عامين من إقامته في مصحة عقلية.

وعبقرية شومان كانت في ذروة تألقها خلال فترة مرضه بالذات، فهو لم يفصل نفسه عما كان يحيط به وعما كان يدور في رأسه، وهذا ما جعل موسيقاه تحظى بالقبول والاعجاب الواسع، خصوصاً وأنه لم يحاول تعديل أي شيء فيها، وأبقاها على طبيعتها الأولى، فمثلا أعمال شومان المكتوبة بين عامي 1829 و 1856، تُظْهر علاقة وثيقة بين حالاته المزاجية وطاقته الإبداعية. فقد ألّف معظم مقطوعاته حين كان يعاني الهوس الخفيف، وأقلها عددا حين كان مكتئباً.

 

أبحاث وتقص

كثير من الدارسين من علماء النظريات الموسيقية عملوا كي يعرفوا بالضبط ما الذي كان يدور في رأس المؤلف الكبير شومان : بعضهم اعتقد بأنه كان يعاني من انفصام واضح في الشخصية معتمدين في ذلك على التقلبات الشديدة التي كانت تظهر في سلوكه العام، والآن تقام الكثير من الدراسات على الصلة ما بين الموسيقى والجنون و الفصام.

في حالة شومان، هناك الكثير من الأدلة التي يمكن الاعتماد عليها في تشخيص حالته المرضية، فقد قدمت زوجته كلارا شومان، وهي موسيقية وعازفة بيانو شهيرة، وصفاً دقيقاً لحالة الاضطراب الشديدة التي أدت إلى نقله إلى المسشفى لمدة قصيرة، بكلمات مريرة ومعبرة، فكتبت بما معناه أنه كان يصرخ من الألم لأنه تصور عددا من من النمور والضباع تندفع نحوه للإمساك به، أما كلماته في مذكراته فكانت أكثر دقة وتركيزاً، حيث يصف حالته بأنها معاناة قاسية مع حيوانات ضارية تهاجمه.

ولم يمض وقت طويل على هذا الوصف حتى فوجئ سكان دوسلدورف، الذين كانوا يحتفلون بكرنفال المدينة بهذا الموسيقي الشهير الذي كان يقود فرقة موسيقى الكرنفال، وهو يلقي بنفسه في مياه الراين في محاولة للانتحار، حيث انتشله عمال سفن فنجا بأعجوبة من محاولة الانتحار غير الواعية هذه، وبعد أيام من هذه الحادثة كان في طريقه إلى المستشفى الذي أمضى فيه بقية حياته. فهل كانت هذه الحادثة بمثابة تدمير مفاجئ لعقل كان حتى تلك اللحظة خصباً ومنظماً؟

 

جنون الحب والموسيقى

عازف الكمان ستيفن ايزرليس المشهور بحبه الشديد لموسيقى شومان لا يتفق مع هذا الرأي اذ إنه يظن أن المشكلة عبارة عن خيط دقيق يفصل ما بين شخصيته الشاعرية العميقة وما يسمى حالة الجنون لديه. ليس هناك ما هو أكثر توضيحاً لحالة شومان من علاقته العاطفية بزوجته كلارا.

فقد عاش روبرت وكلارا قصة الحب الأشهر في عالم الموسيقى، حتى باتت من أشهر قصص الحب في العالم، حتى الأسطورية منها، ففي البداية شعر بإحباط شديد لرفض والدها فكرة خطوبتهما. وقد صب مشاعره تلك في أغنيات عاطفية مليئة بالصور المؤثرة الدافئة: «الجنون يهز روحي وقلبي مريض ومتورم، الدم يتدفق من عيني ويسيل من جسدي، دم حار يوثق آلامي».

وقد كانت هذه واحدة من سلسلة أغنيات، بدأ شومان كتابتها عام 1840، واعتبرها البعض دليلاً على أن هناك شيئا ماً؟، دائما، تحت السطح يحاول الظهور. ولكن المؤلف كان لا يزال قادرا على السيطرة. وفي تلك السنة الغريبة في حياة روبرت شومان، انتهت العاصفة العنيفة ووجدت مخرجاً لها بزواجه من كلارا. وعاشا في نعيم ما لبث أن تحوّل إلى جحيم بعد مرض روبرت، وإلى حسرة فراق طويل.

مما يؤكد أن سلسلة الأغنيات التي كتبها في تلك السنة كانت بمثابة غطاء لحالتي الألم والسعادة اللتين عاشهما، ولو أنه استطاع الحفاظ على ذاك المستوى من حدة المشاعر لكانت حياته اختلفت كثيراً، لكن يبدو أن نهايته المأساوية جاءت نتيجة عجز مشاعره عن إيصال موسيقاه.

ويصف عازف الكمان الشهير جوزف يواكيم، حالة شومان في أيامه الأخيرة، بأنه كان دائماً مملوءاً بالموسيقى، إلى درجة لا يلام معها لأنه فضّل ألا تزعجه الأصوات الصادرة عن العالم الخارجي.

 

كلارا.. حب ونغم

كان روبرت شومان يرى أنّ كلارا زوجته، هي نصفه الثاني. هذه الفكرة المتربّصة بعقله، نلاحظها عنده في مجالات أخرى وبأشكال مختلفة، كممارسة النقد الموسيقي أيضاً، فقد أسّس مجلة متخصّصة. وكتب جميع محتوياتها لمدة عشر سنوات بأسماء مستعارة. كذلك، كان يوقّع بعض أعماله بأسماء شخصيات خرافية، كان يعتقد جدّياً بأنها نسخٌ عنه. هذه التراكمات ساهمت في تفاقم حالة الهذيان.

 

عالم منغلق

والآن وبعد قرن ونصف القرن يشعر البعض بالامتنان لهذه النهاية الحزينة المعزولة، التي فرض من خلالها روبرت شومان على العالم الخارجي أن يستمع لعذاباته لأطول فترة ممكنة. ورغم أثره الكبير في التيارات الموسيقيّة التي تلته في ألمانيا والنمسا وخارجهما (حقبة ما بعد الرومنطيقية وتيار الانطباعية الفرنسية)، بقي عالمه مقفلاً بإحكام. وبعيداً عن الشهرة والجماهيريّة، حتى انه لم يدخل الأسطورة إلا من باب قصّة الحب العاصفة التي جمعته بكلارا.