برغم مرور الأعوام وتتابع المرض عليه، والذي اضطره أخيرا لإجراء عملية قلب مفتوح، إلا أن ابتسامته الدافئة والتي تذكرك بالأب الحنون، ما زالت تشرق في وجهه، هذا ما سيستقبلك به الروائي المصري علاء الديب في مكتبه المكتظ بالكتب، ومكتبته التي تضم روائع الأدب العربي والعالمي، وكرسيه الهزاز المفضل الذي يتوسط الحجرة.
ستجد علاء الديب، أيضا، ما زال مهموما بما آلت إليه أمور ثورة يوليو، والنكسة التي تركته ميتا، كما يقول. ولم نستطع أن نبتعد كثيرا، خلال حوارنا مع الأديب والروائي علاء الديب، عن الثورة والنكسة وعبد الناصر والاشتراكية واليسارية؛ لأنهم يعتبرون المكون الأساسي لأعماله.
ما رأيك في الجدل الذي يدور الآن حول وزارة الثقافة والمطالبة بإلغاء بعض قطاعاتها، بعد ثورة25 يناير؟
المجتمع الآن يحتاج إلى إعادة بنائه ثقافيا بعد كل ما مر به طوال السنوات الماضية، ولكننا يجب أن نحافظ على هذه الهيئات، والعمل على إعادة ترتيب الهيئات التي شابها الكثير من الفساد كمؤسسة قصور الثقافة، فمثل هذه الهيئات لا تستطيع تقديم نشاط جيد بسبب أعبائها الإدارية، وقد يساعد ذلك في التخلص من العديد من العوائق.
«عصير الكتب»
واظبت على كتابة مقال ثابت بعنوان «عصير الكتب» في مجلة «صباح الخير»، تنبأت فيه بظهور العديد من الكتَّاب الكبار على الساحة الأدبية الآن، فهل كنت تتوقع أن يتحقق تنبؤك هذا؟
لم تكن هذه المقالات في الحقيقة تنبؤا بالنجاح أو عدمه، وإنما لمست في هذه الكتابات وهؤلاء الكتاب والذين كانوا في مقتبل حياتهم الأدبية في ذلك الوقت، مواهب جيدة، وأيضا أنا أحببت كتاباتهم فأردت تقديمهم للقارئ وتعريفه بحجم قدراتهم، وعصير الكتب لم يكن مقالا نقديا بالمعنى المفهوم.
وإنما كان أقرب لعرض الكتب، ومنذ خمسين عاما لم تكن هذه النوعية من المقالات معروفة في مصر، بل كانت منتشرة في الدول الأوروبية كثيرا؛ لذلك حرصت على مساعدة القارئ على الاختيار السليم بالنيابة عنه، بحيث أقدم له كتابا مع عرض أو تلخيص لأهم كتبه، والشرط الأساسي أن أحب الكتاب وأقتنع به.
وماذا عن روايتك «صيد الملائكة»؟
مازالت حبيسة الأدراج، حيث بدأت في كتابتها عام 2003، وإلى الآن مازلت أضيف على مسوداتها والتي تزداد يوما بعد يوم، وقد يظن البعض أنها ستكون عملا ضخما لطول فترة كتابتها، ولكن المعروف عني أنني كاتب متخصص في الرواية القصيرة. وأما هذه الفترة الطويلة التي استغرقتها كتابة الرواية فهي عائدة إلى عدة أمور مررت بها في الفترة الأخيرة، كالمرض.
والذي اضطرني إلى إجراء عملية قلب مفتوح، وأيضا الإحباط العام الذي كان يسود حياتنا قبل ثورة 25 يناير، والذي كان يعمل على زيادة التشاؤم في حياتنا، وهو ما جعلني مترددا في إنهاء هذا العمل، حتى لا تكون أشد قتامة من أعمالي الأخرى؛ لأنني أريد أن أضع بآخر النفق بصيصًا من النور والأمل، كما يحدث الآن.
العمل الأدبي لا يقاس بشخصياته
البعض أخذ عليك أن معظم أبطال رواياتك، حياتهم هي عبارة عن بؤس، فهل ترى أن الحياة كذلك بالفعل؟
هذا حقيقي. ولكن معظم هذه الأعمال تدور عن الطبقة المتوسطة بعد عام 1967، وأيضا النكسة التي جعلت المجتمع كله يمر بأزمة حقيقية، سواء بالنسبة للأحلام أو الآمال التي تحطمت في تلك الفترة. وليس هذا فقط، وإنما هناك شيء آخر كنا نعلق عليه الكثير من آمالن.
وهو حلم الاشتراكية وما أصابه، سواء بالداخل أو على المستوى العالمي، ما أصابني بالإحباط، سواء على المستوى الشخصي أو العملي عشت فيه وما زلت، كل هذه الأمور أدت إلى طبع شخصياتي الروائية بالطابع البائس، وهناك العديد من الكتَّاب العالميين الذين استمتعنا بأعمالهم، أمثال دستوفيسكي، غوركي، وتشيخوف، حيث تغلف أحداث أعمالهم ظلال هذه الغمامة الحزينة والبائسة بعض الشيء، فالعمل الأدبي لا يقاس بشخصياته بل بإحكام عمله.
في رواية «أطفال بلا دموع» ذكرت الكاتب الكبير أحمد أمين، فهل قصدت هذا؟
في الجيل الذي سبقنا ندين لاثنين بالكثير من الفضل، وهما أمين الخولي وأحمد أمين؛ لأنهما لم يكونا ضيقي الأفق، فاستطاعا أن يعلمونا المنطق مع الإسلام، وانتماءنا للعروبة ومصريتنا. كل ذلك عن طريق وسائل وأدوات تفكير سليمة وصحيحة وإنسانية في الوقت ذاته بدون تعصب، فكتابات أحمد أمين عن تاريخ الإسلام بداية من «فجر الإسلام»، و«ضحى الإسلام» وغيرهما، تعتبر من المعالم الأساسية لهذا التراث العظيم.
تحدثت عن الشيوعية واليسارية في أعمالك كثيرا وكأنهما حلم تحطم على جدران الواقع؟
هذا حقيقي، وما حطمهما هو أخطاء البشر في التطبيق والانتهازية، فالخلل ليس في المبادئ أو الأفكار.
وهل هجرتهما تماما بعد النكسة؟
هي معانٍ حقيقية لا تستطيع أن تعيش بدونها، سواء اليسارية أو الشيوعية أو الاشتراكية، بما تمثله من الحق والعدل والحرية، وهذه لا يتم تحطيمها ولا تستطيع هجرها؛ لأنك لن تستطيع أن تحيا بدونها.
وقفة قبل المنحدر
وماذا فعلت بك النكسة؟
كما ذكرت في كتاب «وقفة قبل المنحدر» أنها تركتني ميتا، وبعدها حاولت تجميع أشلائي المتناثرة، حتى أستطيع أن أحتمل هذا الوجود وأرى الحياة بشكل مختلف، فالحلم العربي هُزم أمام إسرائيل برغم حرب عام 1973، والتي هي بطولة للشعب المصري الذي قاوم وعبر واستشهد، والحديث في السياسة بالنسبة لي كأنه «ضرب في الميت».
ماذا عن أيام الغربة؟
تجربتي في الغربة قصيرة جدا، وكانت في إحدى دول الخليج، والخليج متنوع ومليء بالاحداث والمواقف المميزة، وكذلك الاحتمالات والإمكانيات. والخليج بالنسبة لأهله هو غيره بالنسبة للأغراب، فالنفط والثقافة والرأسمالية كل هذا تنويعات على لحن الخليج.
هل ترى أن الانفتاح كان إحدى المصائب التي أصابت مصر في عهد السادات؟
بالطبع فالتداعيات التي صاحبت الانفتاح كانت طبيعية بسبب انهيار الاشتراكية والقومية العربية، وأيضا نتيجة للتوجه الجديد الذي اتجهت إليه مصر، فعندما تم وضع 99 بالمئة من أوراق اللعبة بيد أميركا، ترتب عليه بطبيعة الحال، انفتاح (سداح مداح)، وبالتالي ستفتح رأسك وأرضك وبلادك لأي عابث أو راغب في الاستثمار.
وكل ما في باطن الأرض من شرور وانحرافات يظهر ويصعد إلى السطح، ومازلنا نعيش تداعيات هذا الانفتاح ويتمثل بشكل واضح في التعليم اليوم، وحالة الصحة العامة في البلد والسلوك الاجتماعي السائد.
أين هم المثقفون؟
كيف تنظر إلى حال المثقفين الآن؟
من ناحية المثقفين.. أين هم الآن؟! فالمثقفون مشغولون بأنفسهم ولا دور لهم ومعظمهم يعمل الآن موظف لدى الحكومة، حيث تسود الشللية في الوسط الثقافي، وبالتالي دورهم الاجتماعي غير موجود وغير محسوس بالمرة، ولكن هناك عددا بسيطا منهم يتمرد على هذا ويحاول الخروج من هذه الدائرة كي يكون له دور فعال ومحاولة إصلاح ما أفسده الآخرون، حيث توضح الفرق والاختلاف بين شيئين، أحدهما جيد والآخر رديء.
هل ترى أنه بالفعل تم تهميشك؛ لأنك خارج كل شلل الوسط الثقافي؟
لا يمكن أن يكون تم تهميشي لأن الدور الذي قمت به، رغم كونه متواضعا، أراه بيني وبين نفسي أنه مهم. فكل ما يهمني هو التقدير الذي أتلقاه من القارئ الحقيقي، والذي يساوي عندي كل ما حققه الآخرون من جوائز.
تجمت كتاب«الطاو» والآن تعمل على إعادة صياغته وترجمته مرة أخرى.. لماذا؟
عندما قمت بترجمة كتاب «الطاو» لم أكن اطلعت بعد على هذا الكم الكثير من الترجمات التي وجدتها له، وذلك من خلال الإنترنت، حيث وجدت له أكثر من 70 ترجمة باللغة الإنجليزية وحدها، ووجدت بحثًا حول المفاهيم التي تعرضت لها في البداية، أثناء ترجمتي له في المرة الاولى، كما أن هناك أيضاً ترجمات عربية كثيرة له، سورية ومصرية؛ لذلك قررت أن أعيد ترجمته مرة أخرى، خاصة وأن الترجمة الأولى تحتمل إعادة صياغة وتقريب لذهن القارئ.
ما رأيك في مسألة تقسيم الأدباء إلى أجيال؟
هو مجرد استسهال وليس أكثر، فالأصوب أن يتم تقسيم الأدباء إلى مدارس وتركيبات طبقية واتجاهات وأذواق وأصول مختلفة؛ لأن الأجيال برأيي متصلة ببعضها البعض ولا تنقطع.
حوار المومياء
وما رأيك في إبداعات الكتَّاب الشباب؟
أحاول متابعة إنتاجهم بقدر ما أستطيع، وبعض هذه الكتابات ذات مستوى عالٍ جدا، وفيهـــا العديد من المفاجآت، وأخرى لا تستحق مجرد الاطــــلاع عليها، أما بالنسبة لموضــــوع إغراقــهم في الجنس والذاتية، فأنــا لا أرى ذلك.
ويجب منحهم قدرًا أكبر من الحرية ليعبروا عن أنفسهم ويمارسوا حياتهم، وهناك من كان يدعي أنه لا توجد قضايا لدى الشباب ليناضل من أجلها كالأجيال السابقة، ولكنهم أثبتوا العكس من خلال ثورتهم ومطالباتهـم بالديمقراطية وغيرها، فالإنسان دائما ما تكون لديه قضية، والتــي تأخــــذ العديد من الأشكال المختلفة.
