ثمة اعتقاد يكاد يكون راسخا بين الأوساط الثقافية حول العالم، مفاده أن ترجمة الشعر مغامرة محفوفة بالمخاطر دائما، وذلك لاعتبارات تتعلق باختلاف البيئات الحضارية والثقافية التي تحتضن هذا الجنس الابداعي الغارق في القدم، سواء من حيث نظمه أو ترجمته، حيث من الواضح أن هذا الاعتقاد، رغم بعض مسوغاته المنطقية، لم يحد لا في العصور القديمة ولا في الحديثة، من تدفق نهر ترجمة الشعر، أينما كان ومن كل اللغات، بما فيها تلك الآيلة إلى الانقراض،
إن الثابت والمؤكد، في جملة نماذج تاريخية ومعاصرة، حقيقة أن الكثير من أعمال الترجمة الشعرية، رأت النور عبر لغات ثالثة، غير تلك اللغة الأصلية أو اللغة المنقول إليه، الأمر الذي يزيد بداهة من تعقيد مسألة ترجمة الشعر.
(مسارات) التقى مجموعة من الشعراء والنقاد والمترجمين، حيث استطلع آراءهم حول قضية ترجمة الشعر، إذ جاءت تلك الآراء متوافقة في بعض جوانبها. وأجمع أصحابها على صعوبة ترجمة الشعر، وضرورة توفر العديد من الشروط، عند التصدي لهذا المشروع العملاق.
«الشعر لا يترجم»- حسب الجاحظ- هذا ما قدم به الدكتور محمود الربيعي، مفاصل نقاشه وحديثه، في مضمون الموضوع المطروق، مشيرا إلى أن نقل الشعر إلى لغة أخرى من الأمور شديدة الصعوبة. ولفت الربيعي إلى أن هذه الحيثية تضع معشر المشتغلين بالشعر وترجمته، في ورطة حقيقية، محورها جوهر تساؤل مهم.
وهو: إلى أي مدى يمكن أن يذهب مترجم الشعر في عمله في ظل الحاجة المتزايدة لهذا العمل؟ ويبين الربيعي في هذه النقطة، أن مكمن جزئيات الصعوبة هنا، كون الموسيقى الشعرية تعتبر جزءا لا يتجزأ من كيان النص الشعري، ولأن الشعر فن مبني على الصورة والمجاز والتشبيه، فضلا عن أنه ابن لغة أناس لهم عادات وتقاليد متباينة.
ويرى الأكاديمي المصري أن (الشعر وحده القادر على النفاذ إلى النفس البشرية، وبالتالي، فإن ترجمة الشعر شبه مستحيلة، لكن يتعين علينا الدخول في هذه المغامرة).
ضرورة
يثني الأديب المصري أحمد درويش على واقع صعوبة الترجمة، ويرى أن ترجمة الشعر ليست ذات سوية واحدة، فهناك النثر وهناك النظم وترجمة الشعر بالشعر، مؤكدا أنه رغم كل تلك الصعوبات الجمة، فإن ترجمة الشعر تبدو جزءا من الضرورات أحيانا، لكن يوضح انه يجب أن يغتني ويكتسب المتلقي الأخير، رسالة تشبه تلك التي يتلقاها المتلقي الأول، مع مراعاة ترجمة الشكل والمضمون في آن، حيث إن المجاز يزيد المسألة تعقيدا.
«خيانة مضاعفة»
يرى الباحث والناقد الفلسطيني فخري صالح، أن الترجمة خيانة، وأن ترجمة الشعر خيانة مضاعفة، وذلك لطبيعة النص الشعري المجازية، المرتبطة بالسياق الثقافي للغة المكتوب بها النص الأصلي، ولهذا السبب- برأيه- فإن الانزياحات التي تحصل في النص عند ترجمته من لغته الأصلية إلى لغات أخرى، تصبح أكثر بكثير عندما نترجم نصاً نثرياً، ويضيف فخري صالح: (الترجمة أمر أساسي، فهي تقوم بتلقيح الثقافات والتقريب بينها، كما أنها تؤدي إلى تطوير اللغات المختلفة التي نترجم إليها.. بمعنى أن المترجمين هم المطورون الحقيقيون للغات.
وذلك واضح في تطور اللغة العربية عبر العصور، وفي لغات مختلفة، مثل : الانجليزية والفرنسية والإسبانية). ولذلك لا يقف صالح ضد ترجمة الشعر، كما يحذر الذين يخافون على اختلاف النص الشعري الأصلي، ومن هذه الانزياحات الكبيرة نقل معاني لا يحتملها النص الشعري الأصلي.
ولكن بما أننا ننقل من لغة إلى لغة، علينا أن نتحمل الضريبة التي سندفعها عندما ننقل نص من لغته الأصلية. ويوضح الناقد الفلسطيني أن بعض الذين يترجمون لا يستطيع أن يعطيك هذه الروح التي يحتفي بها النص الأصلي، وهذا لا يعني أن على المترجم الذي يترجم شعراً، أن يكون شاعراً، لأن بعض الشعراء ترجموا شعراً وفشلوا في ترجمة الشعر.
بينما كانت بعض الترجمات الشعرية المميزة لكتاب وأدباء ومترجمين لا يكتبون الشعر، فالمسألة نسبية. وأضاف صالح:(أحب أن أترجم الشعر الذي أحبه وأتفاعل معه، حيث ينبغي أن يكون هناك نوع من الصلة الروحية بين المترجم والنص الذي يترجمه، وبذلك نخفف من فقدان النص الشعري لهذه الروحية التي يتضمنها.
ومهما كانت الضرائب التي ندفعها عندما نترجم الشعر، أعتقد أن ترجمة الشعر ضرورية. والشعر الحقيقي دائماً يحتفظ بشيء من قيمته ومن معانيه الضمنية، ولو نقل إلى لغات أخرى، حتى أن بعض القصائد وبعض المجموعات الشعرية تترجم عن لغات وسيطة، ولكنها تظل تحتفظ بروحيتها الأساسية).
إحساس شاعري
الشاعر المصري شوقي البكري، أضاء بدوره على جانب آخر من هذه القضية، يتعلق بمن يقرر أن هذا النص الشعري المترجم، صالح وسليم ويستحق أن يعرض في المكتبة للقراءة، حيث يؤكد أن الشعر إحساس وإدراك وجداني وحكمة لغوية شعرية مبنية على خبرات الإنسان وشعوره بنفسه وبمن حوله، وأيضا بالبيئة التي تربى فيها، وماضيه وحاضره، ومستقبله وعلاقاته.
ويبين أن الحديث هنا يدور حول أبيات موزونة باللغة العربية، والتي لو نقلت إلى لغة أخرى لا تستطيع أن تشعر بالكلمة كما هي موجودة في العربية، لأن الكلمة في اللغة العربية لها معان صور عدسة، وتقال في مناسبات مختلفة وبمعان مختلفة. وقد تكون بمعان مضادة. كما أكد البكري أن الشاعر حالة وجدانية مبنية على مؤثرات إدراكية شديدة في العلاقة بين الإنسان ونفسه وكذا الآخرين، وأيضا العلاقة بالله عز وجل.
فالشعر هو حالة من الرفاهية فعندما نسمع شعرا نحن في حالة رفاهية، إذ إن الشعر يرقى بالإنسان فوق الطبيعة، فمن الصعب ترجمة الشعر في النص والوزن نفسيهما، وكذا المعنى ذاته، حيث يقصد الشاعر معنى معينا لكلمة، بينما المترجم يترجمها بمعنى آخر، لا سيما أن الشعر مخطط خيالي في ذهن الإنسان، يقوم في ذات الإنسان بنوع من الرفاهية ويعبر عنه في الشعر.
ولذلك لا يجوز ترجمة الشعر، وإنما ترجمة معاني الشعر، أما الحالة الشعرية الوجدانية الإنسانية النفسية، التي يعبر عنها بكلمة دقيقة في اللغة، فلا يمكن-برايه- أن تحجم هذه الحكمة بصورة تنتقل بالكلمة نفسها، من مفردة إلى أخرى.
حلول
من بين الحلول التي استعرضها المشاركون في هذا التحقيق، بغرض الخروج من معضلة نقل الشعر من لغة إلى أخرى، يبرز مقترح قدمه الربيعي، يقوم على توفر ثلاثة شروط في عملية ترجمة الشعر، وهي أن يشارك فيها شاعر من اللغة الأم وشاعر من اللغة المترجم إليها وطرف ثالث من اللغة المترجم إليها للمقارنة.
بحيث يتم الحصول على قصيدة جديدة خلاقة بالكامل. كما أكد الدكتور أحمد درويش على ضرورة توفير هذه الشروط التي من شأنها تمكين المتلقي الثاني من الحصول على رسالة تشبه الرسالة التي تلقاها المتلقي الأول.
ويخلص فخري صالح، إلى عدد من الأسس والمعايير التي تساعدنا في أن يكون النص المنقول، مقارباً في روحه للنص الأصلي، وأن يكون المترجم عارفاً باللغتين: التي يترجم منها والتي يترجم إليها. وان يكون قادراً على نقل روح النص الأصلي، بحيث لا يترجم المعاني فقط، وإنما يترجم ما يحف بهذه المعاني.
أو أن يحاول أن يجد معادلات لهذه المعاني الحافة للنص الشعري، وأن يكون لديه قدرة على إعطاء روح شعرية للنص، مماثلة للروح الشعرية للنص الأصلي.

