لا يتشعب الحديث مع الأديبة والناقدة المصرية، زينب العسال عنوة، ولا تتفرع شؤونه وشجونه صدفة، بل يأتي على هذا النحو، سلسا معبرا عن ضرورات فكرية وثقافية ومعرفية، لا بد من التصدي لها، حتى يستقيم حال مجتمعاتنا العربية. وتؤكد العسال في حوارها مع »البيان« انها احبت المبدعة لطيفة الزيات بجنون، فتوحدت معها. وتشير الى ان النقد المنهجي التخصصي العميق، يغيب عربيا. كما تلفت الى ان مجتمعنا بمضمونه الفكري، لايزال يرزح تحت وطأة أميته التي تحول دون وصول المعلومة والكتاب والمنتج الثقافي عموما، إلى شريحة واسعة.

عندما تلوح فرصة محادثة شخصية ثقافية بقامة الكاتبة المصرية زينب العسال، فلا بد من انتهازها بكل تأكيد، وذلك بغية القاء الضوء على واقع مجموعة من المفاصل والمحطات في الشأن الثقافي العربي قلما مرت بمطبخ المعالجات الثقافية، وذلك لقضايا عديدة، وعلى رأسها الحديث عن اشتغال المثقفة العربية في ميدان النقد الأدبي الذي يعاني من أزمة بنيوية وعملية، ليس على صعيد اشتغال الكاتبة المرأة فيه فحسب، وإنما بصفته حالة لم ترق بعد إلى تشكيل رديف للمنتج الابداعي أيضا، سواء كان الاشتغال عليه من موقع الكاتب الرجل أم الكاتبة المرأة.

انحسار

ما مآل الصحافة الثقافية عموماً، سواء المجلات منها أو الملاحق الثقافية، وما طبيعة الدور الذي يلعبه هذا النوع من الصحافة كرافعة في الحياة الثقافية العربية؟

منذ ثلاثين سنة كان هناك مجموعة من المبدعين والأدباء من دول الخليج ينتظرون بفارغ الصبر صدور مجلة (الرسالة)، وهي المجلة الوحيدة التي كانت تصدر في مصر والتي كانت نافذة تطل على العالم العربي، بينما في الوقت الحالي، هناك عشرات المجلات، ومع ذلك نسبة القراءة تنحدر لصالح وسائط أخرى. مع الظهور الأول للتلفاز ومن ثم الانترنت والالكترونيات، كل ذلك ساهم في قلة القراءة، وبالتالي بدأ دور المجلات الثقافية للأسف بالانحسار، من يريد أن ينشر مجاناً يستطيع أن ينشر فيها، وهذا ما يجعل المجلات الثقافية في مأزق كبير. وبالنسبة للملاحق الثقافية، فتعتبر الأبرز في هذا الميدان، كونها توزع مع الجريدة ويجد من يقرأها من باب الفضول خاصة، أنها شاملة، من ابداع ومسرح وفنون تشكيلية ومواضيع ثقافية وترفيهية وأخبار المشاهير، بالإضافة إلى زوايا تجميلية تجذب اهتمام القارئ، لذلك تعتبر مهمة جداً، وهي جرعة ثقافية مطلوبة.

إعجاب

ما سر اهتمامك بالأديبة الراحلة لطيفة الزيات؟

- رأيت الدكتورة لطيفة الزيات وجهاً لوجه مرة واحدة ، وكتبت عنها أكثر من موضوع قبل التفكير برسالة الماجستير، فاخترت أن تكون رسالة الماجستير، التي قمت بإعدادها عام 2002، عن لطيفة الزيات كمبدعة ، فاخترت أن أعمل الرسالة عن أعمالها الابداعية التي كانت قليلة، وهي خمس روايات (الباب المفتوح)، (صاحب البيت)، (مسرحية بيع وشراء)، (حملة تفتيش). وأخيراً (الشيخوخة). وهناك كتاب صدر بعد وفاتها عن الأدب والسياسة. وكان فيه صورة كبيرة للطيفة الزيات، وانتابتني لحظات غريبة جداً بعد قراءتي للكتاب، فقد كنت عاجزة عن الكتابة عنها، فاعتقدت تلك اللحظة أني توحدت معها وأحببتها بطريقة جنونية، وبقيت على ذلك أربعة شهور، وفي كل يوم أنظر إلى صورتها وتنظر الي، وابتعدت عن الرسالة فترة، ورحت أكتب حول أشياء أخرى، فذهبت إلى عالمي الخاص ووجدت نفسي في يوم من الأيام أكتب عن لطيفة الزيات، لا كإنسانة متيمة بها، بل كإنسانة باحثة، فالمفروض على الانسان عند هذا المستوى أن يكون باحثا وليس محبا فقط، لأن الحب وحده لن يجدي في كتابة رسالة أكاديمية، وبفضل الله أنجزت الرسالة ونشرتها في كتاب، وأصبح اسمي مرتبطاً باسم لطيفة الزيات، الانسانة والمبدعة والمناضلة والناقدة. وهذا مصدر فخر واعتزاز بالنسبة لي.

ماذا عن الجانب الفكري الذي لفت انتباهك في مسيرة لطيفة الزيات عموماً؟

- ابداع لطيفة الزيات يكمن في سيرتها الذاتية، وسيرتها الذاتية هي جزء من نضالها، وقد تمكنت بذكاء شديد من محو أي فاصل مابين الذات وما بين المجتمع ، فهي حين تتحقق يتحقق المجتمع، وحينما تتراجع يتراجع المجتمع.

أدب الطفل

كتبت العديد من القصص الجميلة عن الأطفال، تبتعد بمنهجيتها عن الاسلوب التعليمي المباشر الذي يسود في الكثير من التجارب الأدبية الخاصة بالأطفال، لماذا الاهتمام بأدب الأطفال ؟

- بدأت حياتي العملية خارج مصر، في سلطنة عمان التي عشت فيها ست سنوات، عملت خلالها في التدريس صباحاً، وفي جريدة (الوطن) ظهراً، وأول ما طلب مني كتابته في الجريدة، صفحة كاملة، وهذا ما جعلني أعود بذاكرتي إلى الطفولة، ولكن عبر المشكلات التي كنت أسمعها من طالباتي في المدرسة، فأصبحت كتاباتي مزجا بين الماضي والحاضر، وكانت هناك استجابة كبيرة وإقبال على القراءة من قبل الطالبات في المدرسة، لكنني للأسف، لم أنشر حتى الآن تلك القصص المأخوذة من حياتي وحياة الفتيات اللاتي كنت أدرسهن في المدرسة. واللاتي كن في مرحلة المراهقة التي تعتبر مرحلة فارقة وأهم مرحلة في الحياة ولم يكتب عنها الكثير، فنحن نلتف حولها ولا نكتب عنها، ولكن نكتب فقط للصغار. مازلت أحتفظ بتلك القصص، ولكن لم أنشرها بعد، مع أني أصدرت بعدها الكثير من القصص والمسرحيات والقصص التي أنشرها في مصر، كما يتم تزويد المدارس بها هناك.

إذا كان موضوع الأدب النسوي محل نقاش، فكيف لك أن تنتقلي إلى نقطة أبعد من ذلك، وتذهبي إلى النقد النسوي، كيف يستقيم ذلك ؟ هل يمكن الحديث عن ظاهرة وجود ناقدات عربيات؟ وهل يمكن الحديث عن ناقدات عربيات بمعزل عن ناقدين رجال؟

في الغرب توجد مدارس غربية في النقد النسائي، وهناك منهاج يدرس في النقد النسائي في الجامعات، أما بالنسبة لنا هنا، فإن المرأة تخاف أن تقول انها تكتب مثل الرجل، وسبب ذلك يعود إلى أن المرأة في مجتمعنا عاشت وراء الرجل، بينما تريد أن تكون مساوية له، وأن تقول إنها تكتب مثله، ولكنها هي نفسها تخاف القول إن إبداعها هو ابداع امرأة، باستثناء عدد قليل منهن، من اللواتي رحن يقلن ان لهن كتاباتهن التي تختلف عن كتابة الرجل، ففي الوقت الذي تستطيع المرأة أن تكتب عن نفسية الرجل وطبيعة الرجل، فهذا يعتبر الابداع الحقيقي، أي أن تتحول من التعبير عن ذاتها ومخاوفها وقهرها واضطهادها والازمات الشخصية والنفسية والانسانية بوجه عام، وتكتب عن الرجل، فهذا هو التحدي الأساسي. ولقد وجدت في مصر اتجاها نسائيا للنقد، فاتجهت إلى النقد النسائي وكتبت عنهن، فاكتشفت بأنه لدينا ناقدات، ولكن الكثير منهن ليس لديهن كتب نقدية.

لنتحدث عن موضوع النقد عموماً كمرادف ورديف للإبداع. فكيف ترين حركة النقد في هذا السياق؟ وهل يشكل رافعة حقيقية، كما يجب، في الحالة العربية الراهنة؟

لا بل على العكس، ففي كثير من الأحيان يشكل النقد نوعا من الاحباط للمبدع الحقيقي وللمبدع الجاد وللمبدع البعيد عن وسائل الاعلام، وهناك للأسف أيضاً، المبدع الذي يشتغل على تلميع نفسه. وهذه مصيبة المصائب، مما يحجب الرؤية عن الناس. كوني ناقدة، لم أكتب عن مجموعة مقربة لألمعهم كي يساعدوني في الحصول على جائزة، على سبيل المثال، فأنا لم أحصل على جوائز إلا جائزة محمود ومحمد تيمور. وكان ذلك في أواسط الثمانينات من القرن الفائت. وهناك تعتيم على المبدع الجيد والمبدع المثابر، وأيضاً الناقد. وأصبحت هناك شروط للكتابة بأن تحدد عدد الصفحات، على سبيل المثال، وهذا يشكل ضغطا على الكاتب.

مناهج متنوعة

من خلال تجربتك في ميدان النقد، ما المنهج النقدي الذي تتبعه الدكتورة زينب العسال ؟ وهل هناك مناهج متبعة للنقد في الحالة العربية؟ وهل الموضوع محل الانتقاد يحدد شكل المنهج النقدي، أم أن لكل ناقد منهجه الخاص، الذي ينقد من خلاله على الموضوع؟

قرأت في جميع المناهج واستفدت الكثير منها، يمكن أن نتعامل مع الكتاب الواحد بعدة مناهج، لكن حصيلة هذا كله هي رؤيتي الخاصة، حيث يتعين علي تجميع المفكك والبناء وعمل بناء جديد. وهناك بعض المبدعين الذين يقفون عند هذه المرحلة، ومنهم من يتجاوزها. وهناك أناس مقتنعون بأفكار معينة، لكنهم عندما يكتبون في النقد، لا يطبقونها.

هل هناك أزمة قراءة بنيوية لدى المواطن العربي؟ وأين تكمن مشكلة التلقي في نهاية المطاف؟

بدأت أعي هذه المسألة من جيل الثمانينات الذي أعتبر منه. فكيف نطلب من أمة جاهلة أن تقرأ في الابداع ونسبة الامية في الوطن العربي مرتفعة جدا، حيث من الأساس أنت خاسر لهذه القضية، فقد أثبتت بعض الدراسات أنه هناك نسبة 30 في المئة فقط من القراء، فكيف يمكننا أن ننمي هذه النسبة لتصبح أكثر، فهذا أساساً مرتبط بالوعي، وهناك الكثير من المتعلمين من أطباء ومهندسين، ولكنهم لا يحبون القراءة. إذاً علينا تربية الوعي الثقافي من المدرسة.

رؤية

ترى زينب العسال أن مشكلة التلقي لا تكمن في المثقف، وإنما في النظام الاجتماعي القائم، والحل يكمن في النظام الاجتماعي، لكن مع بزوغ فجر الربيع العربي ومخرجاته وانتصار الثورات المصرية والتونسية والليبية، وتضاعف واشتداد السورية، تجد ضمن هذا الحراك الاجتماعي، بصيص أمل للخروج من واقع الأمية التي تعتبر المدماك الأول للتخلف وتضيف: «أجد أكثر من بصيص أمل، أجد ضوءاً مبهراً، لأن الذين قاموا بهذه الثورة لديهم وعي، وهم من البسطاء، وهم الجذوة التي أشعلت الثورة. لم تنجح الثورات إلا حينما التحم معها الشعب. لو استمر هذا الربيع ان شاء الله، ستنتفي الأمية ويظهر الرخاء والاحساس بجدوى الحياة التي كدنا نفقدها في وطننا. نتمنى للربيع العربي أن يظل ربيعاً».