تعيد زيارة مبنى (كورتيارد) بمنطقة القوز، في دبي، إلى ذاكرة المهتم بجماليات العمارة أو المتعمق بالأدب، كتاب (جماليات المكان) للفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 1962). فقد جمع هذا المبنى الذي صممه المعماري الإيراني داريوش زاندي، والذي افتتح عام 1998، جماليات عمارة العديد من الحضارات. ونجد أنه يتجسد كمعلم فريد، يسرد حكايات جمالية مشوقة عن روعة العمارة العربية.
ينتقل الزائر بعد مروره بالمناطق الصناعية في القوز بدبي، إلى ما يشبه واحة خضراء، لدى وصوله مبنى الكورتيارد. وما ان يدخل ساحة المبنى، حتى يشعر بأنه ينتقل إلى أجواء قريبة من (ألف ليلة وليلة)، في حديقة غناء، حيث تخيم عليه السكينة مع رنين الأصوات المنبعثة من المعلقات التي يؤرجحها الهواء، وزقزقة العصافير وخرير المياه، وليشعر بالألفة مع نفسه في محيط المبنى، شرقي الطابع، والأشبه ببيت عربي كبير، اذ تزين صحنه أو أرض دياره، خضرة كثيفة ومنحوتات تشكل وحدة مع جماليات البناء، التي تخلق في داخله، حالة من الانتماء.
وللتعرف على كنه الشعور بالألفة الذي يخلقه هذا المكان في نفس الزائر، نعود إلى مقتطف من مقدمة كتاب جماليات المكان للفيلسوف باشلار، التي كتبها المترجم غالب هلسا: (عندما قرأت هذا الكتاب، تبينت أن المكانية تذهب إلى أبعد من ذلك، فهي تتصل بجوهر العمل الفني، وأعني به الصورة الفنية. وإذا عدنا لمصطلحيُ العالمية والكوزموبوليتانية، فسوف نرى أن الأدب العالمي هو الذي يتم التعبير عنه بالصور، بينما يعبر عن الأدب الكوزموبوليتاني بالزخرفة: الاستعارة والكناية والمجاز وغيرها، وإن الأول ينقل تجربة، في حين ان الثاني يعبر عن فكرة).
المكان الكوزموبوليتاني
وإن كان هلسا يتساءل في فقرته الثانية: (ما هو المكان في الصورة الفنية؟)، فإن الزائر يتساءل ما هي جماليات هذا المكان (بيت كورتيارد في دبي)؟ وهل تندرج هذه الجمالية في صورة العالمية أم الكوزموبوليتاني؟ أم من الاثنين معاً؟ ونعود مجدداً إلى هلسا: (يجيب الكتاب على هذا السؤال بأن المكان هو المكان الأليف. وذلك هو البيت الذي ولدنا فيه، أي بيت الطفولة).
والتساؤل الذي يطرح نفسه، إن كان المكان الأليف مرتبط بالبيت الذي ولد فيه الإنسان، فما هو دافع الشعور بالألفة في مكان لا يرتبط بذاكرة مسبقة، كما هو الحال في مبنى (كورتيارد)؟
قبل الإجابة على هذا التساؤل نعود إلى رحاب المبنى (كورتيارد) الذي يشكل مدخله مستطيلاً، ولا يفلت من مساحة بصر المشاهد، الذي يبدأ من تفاصيل ساحته ذات الأرض المرصوفة بالأحجار، والتي تتخللها في الوسط نافورتان معدنيتان تمتشقان الهواء، ليتراشق الرذاذ في محيط صحنها المرتكز على رؤوس أربع إوزات. لتتجمع قطرات المياه في ساقية من السيراميك الأزرق تتفرع أسفل النافورة، لتصل فيما بين النافورتين. وعلى الضفتين، تتوزع المنحوتات والكراسي الحجرية والخشبية القديمة التي تظللها خضرة وورود بشتى الألوان، والتي تمتشق الجدران المحيطة بالفناء. تتبع العين الخضرة لتتوقف على تفاصيل البناء الذي ينتقل مع كل باب، من واجهة طراز معماري إلى آخر، من الإسباني إلى المغربي فالإماراتي وغيرها.
واجهة البناء الداخلي
من الواجهة الحجرية القريبة من طراز البناء الفرعوني والمشربيات المصرية، إلى البيوت العربية ذات الملمس الطيني والنوافذ التي تحميها (الأباجورات) الخشبية، والشرفة التي تطل على الساحة ذات (الدرابزين) المزخرف الذي تتعشقه زهور المجنونة بألوانها الزاهية، وتتدلى منه النباتات الخضراء اليانعة. ومن الطراز الروماني للأعمدة، إلى العمارة المحلية القريبة من حي البستكية وزخارفها، وأخيراً العمارة المستوحاة من عالم البحار والأقرب بنوافذها من قمرات السفن. كيف يمكن لهذا الخليط من العمارة «الكوزموبوليتانية» أن تخلق الإحساس بالألفة داخل الإنسان؟ و(القيمة الإنسانية لأنواع هذا المكان، الذي يمكننا الإمساك به)، كما يقول غاستون باشلار؟ هل هو ارتداد لأحلام يقظتنا لتظهر طبوغرافيا وجودنا الحميم؟
القوقعة والالتفاف
يقول باشلار في فصله الأول (البيت): (لا يكفي أن نعتبر البيت شيئا.. ولا تقتصر مسألة البيت على إعطاء وصف له، أو ذكر مختلف أجزائه وتبيان وظيفة كل جزء وما تمنحه لنا من الراحة. بل على عكس هذا تماماً، إذ يتوجب علينا التجاوز عن وصف البيت، سواء كان إيراد حقائق أو انطباعات، للوصول إلى الصفات الأولية التي تكشف ارتباطاً بالبيت، يتوافق على نحو من الأنحاء، مع الوظيفة الأساسية للسكنى. فقد يقدم لنا الجغرافي أو عالم الأثنوغرافيا، أوصافاً لمختلف أنواع البيوت. أما بالنسبة للظاهراتي فسوف ينصرف إلى البحث عن البذرة الجوهرية والمؤكدة والمباشرة، لما يوفره هذا النوع أو ذاك من هناءة. إن أول مهمة للظاهراتي في كل بيت ان يجد القوقعة الاصلية. ويقول في فصله الثاني: (البيت والكون): (من المنطقي أن نقول اننا نقرأ بيتاً، أو نقرأ حجرة، لأن الاثنين رسمان بيانيان سيكولوجيان يقودان الكتاب والشعراء في تحليلهم للألفة). اننا، وفي سياق مضمون هذه القراءة ومعطياتها، نشعر في داخل الكورتيارد بالسكينة، لأن الخارج مشحون بإيقاع الزمن المتسارع. وكذا نجد تقاربا بين قيمة الحالة الإنسانية لهذا المكان، وبين المقتطف الذي ذكره باشلار من رواية هنري بوسكو، التي تحمل عنوان (ماليكروا): (لا شيء كالصمت قادر على خلق شعور بالفراغ اللامتناهي. الأصوات تمنح لوناً للفراغ، وتضفي نوعاً من الصمت المجسد عليه). والمقاربة هنا مع أصوات الرنين المعدني الموسيقي وخرير المياه.
جماليات الأقواس
أما أقواس مدخل المبنى ونهايته، فتعيد المتأمل إلى فصل باشلار الأخير (ظاهراتية الاستدارة)، الذي يقول فيه: (إن صور الاستدارة الكاملة تساعدنا على التماسك، وتسمح لنا أن نضفي مزاجاً مبدئياً على ذواتنا، وأن نؤكد وجودنا بحميمية، في الداخل، لأن الوجود حيث تعاش تجربته من الداخل، ويصبح خالياً من كل الملامح الخارجية يكون مدوراً).
وكان المهندسون المعماريون المسلمون، قد طوروا أنواعا مختلفة من الأقواس المدببة والدائرية. والأقواس التي تأخذ شكل حدوة الفرس، وتلك التي تأخذ شكل حرف (اس) بالانجليزية، وجعلوا للأقواس وظيفة هندسية وجمالية في آن واحد. واستخدموا هذه الأقواس في المساجد والقصور. وفي اسبانيا أثناء العصر الإسلامي، استخدمت الأقواس التي تأخذ شكل حدوة الفرس، حيث وضعت على أعمدة منمقة فأعطت تأثيرا رقيقا.
السكينة والألفة
يجد الإنسان في البيت العربي، والذي يمثل (كورتيارد) نموذجا فريدا له، يجد السكينة والألفة، لكونه يتجه نحو الداخل، من الصحن إلى الشبابيك والمخادع، حيث معظم نشاطات أهل البيت فيه أو حوله. والصحن في البيت العربي هو قلب البيت ومحوره. بأبسط أشكاله يكون الصحن مربعا أو مستطيل الشكل، يحيط به رواق، ويتوسطه حوض ماء أو نافورة وربما قمرية. يكون الدخول إليه عن طريق مجاز. واللافت هنا، روحية جمالية مميزة، اذ انه يحتضن بيتاً أو مبنى كورتيارد، مجموعة من الشركات أو المؤسسات المرتبطة بالفن، مثل غاليري (كورتيارد) وغاليري (توتال آرتس)، ومحل التحف الفنية الراقية (بيتالز)، واستوديو تصوير فوتوغرافي، ومركز للتصميم الفني.
