شهدت الدورة الثامنة من مهرجان بونس ايريس الدولي، التي انعقدت، في نهاية سبتمبر ومطلع أكتوبر الماضيين، مروحة واسعة من المقترحات المسرحية والفنية، التي ملأت طوال أسبوعين مسارح العاصمة الأرجنتينية باتجاهات وتيارات مسرحية جديدة، جنبا إلى جنب، مع عروض راقصة وحفلات موسيقية أثارت العديد من حلقات النقاش حول المنظومات الجمالية والأخلاقية للفنون.
فرق وفنانون من 15 بلدا، شاركوا في الدورة الثامنة من مهرجان بوينس أيريس الدولي، الذي يعد المسرح طبقه الرئيسي، والذي ينظمه المجلس البلدي في المدينة وتتراقص فيه أجناس فنية عدة. اذ بات يمثل فعليا، صيغة مزيج فني متناغم يصنع التميز. واستهل المهرجان عروضه هذه السنة بفعاليتين مهمتين، تمثلتا بعرض لموسيقى الفلامنكو أدته المغنية الاسبانية استريا مورينتي، ابنة الفنان إنريكي مورينتي الذي غيبه الموت أخيرا، وهذا الاداء يعتبر أول أداء لها في العاصمة الأرجنتينية. أما الفعالية الثانية فتمثلت في عرض مسرحية وليام شكسبير (هاملت)، على يد المخرج الألماني توماس أوستيرمير.
«أنا جميلة»
يبرز عرض(أنا جميلة) للكاتبة المسرحية الاسبانية أنجيليكا ليديل، من بين العروض الأوروبية الأخرى المثيرة للاهتمام. وكذلك ( أليكس، تراجديديا يونانية) لفرقة (ماتوس) الإيطالية. وهو نسخة من أوبرا موزارت، ومن إخراج الفرنسي بيتر بروك، ونسخة احتفالية من (ميديا) أدتها فرقة مسرحية أفريقية في بيئة تجسد معسكرا للاجئين.
وكان للمسرح الأميركي اللاتيني تمثيل متنوع في المهرجان، مع إبداعات من الأوروغواي والمكسيك والبرازيل وتشيلي، ومع مسرحيتين تستمدان أحداثهما من ديكتاتورية بينوشيه، وهما: (العاشقة الفاشية) من إخراج فيكتور كاراسكو، (جميلة زائد خطاب) للمخرج جييرمو كالديرون، بينما قدمت فرقة ساو باولو الراقصة، ثلاثة عروض، مستوحاة من أعمال لجيري كيليان وناشو دواتو وماري شوينارد. وعرضت ماريانا بيركوفيتش (من الأوروغواي)، نسخة حرة من ( لا جافيتا) لأنطون تشيخوف. كما قدمت المخرجة المكسيكية دورا غارسيا، التي تقف على رأس فرقة طليعية اسمها (بيزانغا)، مسرحية (الصناديق الفيورستية).
48 عملاً
على مدار أسبوعين كاملين، جمعت الدورة الجديدة من المهرجان الدولي للمسرح في بونس أيريس 48 عملا من الأرجنتين ومن خارجها. ويدلي مؤلفون ومخرجون ونقاد، بدلوهم حول الحدث الثقافي الفني، ويتكلمون عن تيارات ناشئة محتملة، وعن ضرورة استحداث سياسات ثقافية تذهب إلى ما هو أبعد من فرقعة الفعاليات الآنية.
وكتبت ليني غونزاليز، في صحيفة (كلارين) الأرجنتينية، أن ستارة بونس أيريس ارتفعت في ملتقى يعتبره كثيرون بمثابة ورقة الجوكر الصالحة لمناسبات وأزمان عدة، حيث يمكن مشاهدة أعمال كلاسيكية، مثلما يمكن مشاهدة عمل لما يسمى ( المسرح المفتوح)، على حد تعبير داريو لوبرفيدو، المدير العام للمهرجان، الذي افتتح دورته الأولى في أكتوبر 1997. ومنذ ذلك الوقت، مضت أربعة عشر عاما، ومرت البلاد معها بالكثير من الأزمات والمطبات، وشهدت العديد من الائتلافات والاختلافات وحالات سقوط وصعود وإعادة انتخابات غير منتظرة، لكن وعلى الرغم من كل الاضطرابات والقفزات، مرت سبعة مهرجانات أيضا، حملت منذ البداية وحتى عام 2007، توقيع غراسييلا، التي ودعها بنهاية ذلك العام وزير الثقافة هرنان لامبارودي، وتسلم الراية منها عام 2009 ألبيرتو ليغالوبي وروبن شوشماشير. أما الدورة الثامنة (الاخيرة)، فبدأت في 23 سبتمبر، وانتهت في 8 أكتوبر الماضيين. وشغل فيها منصب المدير الفني لوبرفيدو نفسه، وذلك في سياق اجتماعي سياسي مغاير تماما، يستدعي العديد من المقارنات. ( في عام 1997، لم نكن نعرف ما الذي كان سيحدث، وإذا ما كان سيروق للناس أم لا، فكان الأمر يتعلق في نهاية المطاف باكتشاف عالم جديد). هذا على حد تعبير لوبرفيدو المدير الفني للمهرجان، الذي يضيف:( كون لا علاقة لي بالجوانب الإدارية والمالية للمهرجان، أعتبر نفسي قيما عليا. وأعتقد أنه ثمة شيء من أسلوبي ومن علامتي، الأمر الذي لا يعني أني اخترت فقط ما يعجبني أنا، بل إني فكرت أولا وقبل كل شيء في جمهورنا، وهو جمهور حذق ويشاهد مسرحا طوال العام، حيث تعد مسألة التشاور والتفاعل مع الجمهورأساسية، وأود معرفة مدى دنو ذوقي من ذوق الناس. فأنا لا أؤمن بمهرجانات التيارات). ويعتبر لومباردي، الذي كان وزيرا للثقافة والرياضة والسياحة، ولا يزال يشغل مناصب ثقافية أخرى في الأرجنتين، أن هذا المهرجان( يحترم جوهر الأصول، والروح التي تأسس على هديها المهرجان)- كما يقول- ويشير الى أن البرنامج تم تجديده، مؤكدا أن هذا المهرجان يقوم على مبدأ المفاهيمية، بحيث لم يمر أي عمل فيه عن طريق السهو ولا هو ساذج أيضا، فالكل يجلب معه نقاشا بين الأخلاقيات والجماليات الحالية، لكن الأهم من ذلك هو مناقشة الاتجاهات الجمالية الحالية، فهذا هو هدف المهرجان.
ففي مجتمعات مشلولة تماما بالخطابات الشعوبية وشاشات التلفزيون والشبكات الاجتماعية لا يوجد نقاش، والمسرح بوسعه فتح ذلك النقاش الفلسفي والسياسي. وأعتقد أن المسرح إلى جانب الأدب، ربما هو الملاذ الوحيد للمثقفين).
توطيد الهوية الثقافية
إذا كان الأمر يتعلق بالجدل والنقاش والجماليات والأخلاقيات الجمالية، فإن المدينة لا ينقصها ذلك ( بونس ايرس)، حيث يروي لوبرفيدو نفسه، أنه في عام 1997 قال البعض إن مهرجان بونس ايريس كان نوعا من الاسراف والتبذير، لأنه ما كان له أن يساعد الصالات بتلك المبالغ المالية القليلة. ويحكي بهذا الخصوص:( من الطبيعي أن تظهر الشكاوى، لأن هذه الفعاليات تضخم المطالبات والادعاءات، لكني أعتقد أنه إذا نظرنا إلى ما هو أبعد من التباينات، فيمكن القول إن المهرجان يوطد الهوية الثقافية، ويمنحنا مزيدا من الانتشار على المستوى العالمي، ولذلك يجري الحديث في يومنا هذا عن مسرح أرجنتيني في العالم). بيد أن أي مسرحي لا يدع فرصة التواصل مع مبرمجين أجانب في إطار المهرجان، تهرب من بين يديه، حيث استنكر أعضاء من الجمعية الأرجنتينية للمسرح المستقل تدخل سلطات المدينة في الشؤون اللوجستية لبرنامج المهرجان. لكن أولوية حضور المهرجان والمشاركة فيه وتأثيره الواسع، جعلتا القضية تصل إلى نهاية طيبة، وذلك عندما يقول لوباردي إن ما يعوض عن ذلك ويوفق بين جميع الأطراف المعنية، عقد مهرجان مواز من 17 سبتمبر حتى 8 أكتوبر، ينظمه فريق (فضاءات مشهدية مستقلة)، المكون منذ عام 2010 من 19 صالة ينشط فيها اليسار.
«العيون الناقدة»
(أفترض أن المهرجان لا يعتبرني ناقدة، ذلك أنه لم يدعني إلى شيء، ولأنه في دورته الأخيرة وصفنا بالإعلام البديل، بينما عدنا في هذه الدورة إلى الحالة الطبيعية. لكني أعتبر أن هذا المهرجان قد حافظ على بعض الأمور التي ولدت في الداخل على يد زوشماشير وليغالوبي، مثل مسابقة البحث أو استدعاء فريق ــ أوهوس كريكيتيكوس-، التي تعني العيون الناقدة بالإسبانية، لتحمل مسؤولية برنامج -تكوين المشاهدين ــ هذا ما تقوله الناقدة والأستاذة الجامعية مونيكا بيرمان حول التجربة الثانية لمختبر المشغل الذي يكتب فيه شبان تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة ملاحظات صحافية ونقدية حول عروض المهرجان.
أما فيما يتعلق بالبرمجة، فإن بيرمان تشدد على أنه من الأهمية بمكان إدراج بلدان مجاورة في المهرجان إلى جانب العروض المحلية. صحيح أن لوبيرفيدو ولومباردي يصران على إبراز مهرجان بونس أيريس كمنارة ثقافية ومنطلق للنقاشات، وبيئة مثالية للحوار بين منظومات جمالية وفلسفية مختلفة، إلا أنهما لا يتفقان في أمور أخرى، حالهم في ذلك حال العديد من المشاهدين، وكذلك الناقد والباحث المسرحي فيدريكو غيرازابال، الذي يقول:(أعتقد أن المقولات الجمالية لم تحقق شيئا مطلقا. بينما يحدث ذلك بصورة واضحة على مستوى المقولات السياسية، تزامنا مع المشكلات التي أحاطت تاريخيا بالمهرجان، حيث يمكن رؤية ذلك بوضوح أكبر من جانبنا نحن الذين نكون النظام المسرحي ونتحرك سياسيا في الوقت نفسه. لكن الاعتقاد، على سبيل المثال، أن النقاشات كانت تتعلق هذا العام بالجانب الاقتصادي الذي يدعو الحزن قليلا).
مرت سبع دورات من مهرجان بونس أيريس الدولي، وجاء دور دورته الثامنة هذا العام، بينما تواصل الخشبة نبضها بقوة، معتمدة على العديد من المقترحات التي يبدو أنه من غير الممكن التطرق اليها جميعا، لكن آنا دوران مديرة مجلة( فونابولوسوس)، والمنسقة العامة لبرنامج تشكيل المتفرجين تقول:( ما يظهر في يومنا هذا هو بعض الجماليات الشخصية، التي تعد ضئيلة للغاية بالنسبة إلى كمية الأعمال المسرحية التي تنتج. لا أؤمن باندلاع المنظومات الجمالية وتعددها، وإنما في تركيب كل تلك الجماليات المتنوعة وحتى المتعارضة التي تطورت خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والتي أعقبتها سنوات عدة من فقدان الوجهة والتوجه عن طريق عملية تفريخ واسعة النطاق للعروض، بينما يتم في الوقت الحالي، فرز الغث من السمين بينها، حيث لا تظهر تيارات وإنما جماليات شخصية لبعض الفنانين المثيرين للاهتمام).
في عام 2009، حضر مهرجان بونس أيريس الدولي،40 ألف متفرج، ويبدو أن دورة هذا العام شهدت بدورها ملامح من تلك الجماليات التي وصل البعض منها إلى الجمهور، والذي يضاعف بدوره من أهميتها، ولذلك فإن مهرجان هذه السنة يعد في هذا الجانب، على الأقل، حفلة حقيقية.
حالة فريدة
انطلقت الدورة الأولى من مهرجان بوينس أيريس الدولي، في عام 1997 في العاصمة الأرجنتينية، لإيجاد فضاء لعرض أهم التجارب في مجال الفن المسرحي المعاصر، حيث يستمتع المتفرجون المحليون والأجانب بعروض هذا المهرجان الذي تحول إلى الأهم من نوعه، بسرعة قياسية، من بين جميع المهرجانات في أميركا اللاتينية، حيث يحتضن كل سنتين حالة فريدة من التنوع الفني في إطار البحث عن جماليات واتجاهات مسرحية جديدة، فضلاً عن ميادين الرقص والفنون المرئية والسمعية الأخرى. والفضل يعود لهذا المهرجان في تقديم العديد من الفرق الجديدة التي سرعان ما انطلق بعضها نحو العالمية. كما أنه حقق منذ البداية، نجاحاً لافتاً على مستوى الجمهور، حيث تباع تذاكر الدخول إلى عروضه بكاملها، في كل دورة، بينما جعل من ميدنة بونس أيريس، عاصمة عالمية للفنون والثقافة.
حضور ألماني
ألمانيا كان لها حضور بارز في دورة العام الحالي من مهرجان بونس أيريس الدولي، الذي قدم عروضه الفنية في 28 مسرحا في المدينة، مع عرض فني للموسيقي قدمه المخرج هينير غوبليس، الذي يمزج الموسيقى الحية بالمسرح والرقص، وكذلك عرض مسرحي للمخرج رونيه بوليسش، تحت عنوان: (أنظر إلى عينيك، السياق الاجتماعي للعمى).
