لكل شعب على هذه الأرض ثقافته، والتي تنبع منها إيقاعات الموسيقى الحية، ورغم تأثرها بالأجواء العامة وبالتطورات التكنولوجية، إلا انه تبقى للموسيقى التقليدية أو الأصلية روحها وحضورها ليس على أرض الواقع فحسب، وانما في الأذهان أيضاً. وهو ما تجسده بجلاء وقوة، معاني وتأثيرات الموسيقى الايرانية، والتي تنسج ايقاعاتها ونغماتها فضاءات تأمل جميلة شيقة، مضمنة في التقليدية
أو الفولكلورية منها، وكذا العصرية.
يعتبر البعض ان الموسيقى تشكل مرجعاً ثقافياً حيوياً، خاصة إذا تعددت فيها الطوائف والأقوام، وهو بالضبط ما حدث مع الموسيقى الايرانية التي من أجل التعرف إلى ملامحها لابد من إلقاء نظرة شاملة على موسيقى الدول المجاورة لإيران، لأن المستمع لها سيلمس بعض آثار الموسيقى القادمة من البلدان المحيطة بإيران، والتي دخلت في جسد الموسيقى الإيرانية، إما بالانتقال المباشر خلال الأزمنة الغابرة، أو بحكم القرب الجغرافي.
سجلات
المتتبع لتغيرات الخريطة الجغرافية على مر الزمن، يكتشف وجود علاقة قوية بين إيران والبلدان المجاورة لها، وهو ما يعتبر عاملاً مهماً يؤكد التأثير الموسيقي المتبادل بين هذه الدول، فضلاً عن أن طبيعة موقع إيران الجغرافي لعبت دوراً مهماً في ذلك، فهي تقع في منتصف المسافة بين الشرق والغرب، وهذا ما حولها قديماً إلى ممر مهم لقبائل متعددة تنتمي إلى ثقافات وخلفيات حضارية مختلفة، اثرت بدورها على الثقافة الفارسية. وكذلك على الموسيقى الفارسية بشكل عام. وفي هذا الخصوص يشير الباحث والناقد الموسيقي الإيراني فتح الله ناصح بور، إلى أن السجلات التاريخية القديمة تؤكّد وجود موسيقى ذات سمات مختلفة، ولكن متكاملة، في فارس القديمة. وأقدم تلك السجّلات ختم قديم يعود إلى الألفية الخامسة قبل الميلاد، عثر عليه عن طريق الحفر في بلدة شوغاميش، القريبة من ديزفول. وأظهر ذلك الختم أقدم أدوات موسيقية في العالم، تتكوّن من آلتي الهارب والطبل الموسيقيتين.
العلاقة مع الآخر
في المقابل، أشار المؤرّخ المعروف ابو الريحان البيروني في عديد الدراسات التاريخية إلى تأثر الموسيقى الفارسية بالموسيقى الهندية، والتي يعتقد بأن لها صلة وثيقة بموسيقى سيلان وباكستان وبنغلاديش، ويتضح التأثير الذي تركته الهند على الموسيقى الإيرانية من خلال موسيقى (اريان التقليدية) التي تشكّل قصة الغجر الهنود أشهر سماتها. في حين يمكن تعقب الأثر الذي لعبه الهنود في الموسيقى الإيرانية، من خلال الآلات الموسيقية الهندية الشائعة في الموسيقى الإيرانية، مثل (الفان) و(الداراي).
ولكن، في الكثير من المقطوعات الموسيقية، نجد أن الموسيقى الايرانية بدت أكثر وضوحاً وتأثيراً في الموسيقى الهندية، التي تعتمد اليوم على أسلوبين: أحدهما يطلق عليه (الهندوستاني)، الشائع في شمال الهند، وتعود جذوره إلى الموسيقى الإيرانية. وهذا التأثير عزاه الباحثون إلى وجود موسيقيّين إيرانيين في بلاط الملك الهندي أكبر شاه، ومن أشهرهم الشاعر والموسيقي والمغني الشهير أمير خسرو دهلوي الذي خلف بعد وفاته الكثير من المؤلفات الشعرية والأدبية والتاريخية المكتوبة بالأوردية والفارسية والهندية، والعربية.
وبقدر تأثرها بالانماط الموسيقية الاخرى المحيطة، أثرت الموسيقى الايرانية بدورها في الموسيقى الخاصة بعدة دول في العالم، بحكم التبادل الثقافي والموسيقي. ولا يمكن اغفال عملية انتقال العديد من الأدوات الموسيقية الايرانية الى الصين، مثل آلة (السورنا) وآلة (الباربات أو العود الإيراني) الذي انتقل في فترة لاحقة إلى اليابان. وتأثرت الموسيقى المصرية بالفارسية، ومن مظاهر ذلك التأثر حضور آلات موسيقية فارسية في الموسيقى المصرية، مثل الكمان «الكمنجة بالفارسية»، والسانتور «هو آلة قريبة الشبه من القانون»، بالإضافة إلى شيوع المقامات الموسيقية الإيرانية المشهورة في موسيقى مصر، مثل مقامات الشاهراجا والسيكا والاصفهاني والنهاوند والسوزناك والرست والباستينيجار.
سمات مشتركة
الموسيقى الايرانية تأثرت كثيراً بالموسيقى الاوروبية التي بدأت بالانتقال اليها في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى، وعن ذلك يقول ناصح بور: (يمكن القول ان التأثير الاوروبي على الموسيقى الايرانية، يعود إلى الحقبة القاجارية في إيران، عندما أدخلت الآلات الموسيقية العسكرية الأوروبية إلى إيران مع البنادق والمدافع وأنظمة الجيوش الأوروبية، وفترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، عندما كانت إيران على علاقة وئام مع روسيا القيصرية، فوصل وفد روسي إلى تبريز بصحبة أوركسترا من 30 عازفا أدّوا حفلا موسيقيا على شرف وليّ العهد ( آنذاك ) عبّاس ميرزا، الذي اعجب بالعزف وقرّر على الفور تشكيل فرقة اوركسترالية متخصّصة في عزف الموسيقى العسكرية، وهذا مثل بداية تأثر الموسيقى الإيرانية بالأنساق الموسيقية الأوروبية. وعلى إثر ذلك أضيف قسم جديد لمدرسة دار الفنون حيث أصبحت تدرّس الموسيقى العسكرية للمرة الاولى، وأصبح الفيولين أو الكمان أحد الآلات الموسيقية الأوروبية التي أصبحت شائعة في عهد ناصر الدين شاه بعد تأسيس دار الفنون. وفي مرحلة لاحقة دخلت الأوبرا خريطة الموسيقى الإيرانية للمرة الأولى على يد الموسيقيين القوقاز المقيمين في إيران، ذلك الوقت.
وبالنظر الى الموسيقى التركية سنجد أنها تجتمع مع الموسيقى الايرانية بعديد السمات، لدرجة يصعب معها وضع حدود فاصلة بينهما، ويمكن القول إن الموسيقى الإيرانية تشكّل أحد الأسس المهمة للموسيقى التركية.
نغمات وايقاعات
الاهتمام الايراني بالموسيقى درج على مر العصور، وأكبر دليل على ذلك الاثار الموجودة في قصر «جهلستون»، وغرفة الموسيقى في عمارة عالي قابو بإيران. والمتتبع للموسيقى الايرانية سيجد أنها عبارة عن مجموعة من النغمات والايقاعات التي ظهرت منذ قرون وشهدت تطورات عديدة، وتعكس الخصائص الاخلاقية والأحداث السياسية والاجتماعية والجغرافية لشعب يتمتع بتاريخ قديم جداً، وهذا ما يدخل المستمع للموسيقى الايرانية في حالة من التأمل.
والموسيقى الايرانية تنقسم الى قسمين، الأول وهو ما قبل الاسلام وتشمل هذه موسيقى الطوائف الايرانية القديمة، مثل الموسيقى البختيارية والموسيقى الكردية والموسيقى اللرية. اما القسم الثاني فهو ما بعد فترة الاسلام، وهي يتوزع بين الموسيقى السماعية، مثل: الحماسية و الرثائية. والمقامية، مثل: مقامات الموسيقى التقليدية. وفي اطار هذه التقسيمات لا بد من الإشارة إلى الموسيقى المحلية الايرانية والنغمات التقليدية، والتي يرجع تاريخها إلى نحو 100 عام، ويقسمها الخبراء إلى 12 مجموعة، ومنها سبع مجموعات غير مستقلة. وتتفرع من المقامات. ويطلق عليها اسم «النغمات»، ويصل عددها الى نحو 228 نغمة وإيقاعاً. وفي اطار الموسيقى المحلية الايرانية برز العديد من الموسيقيين التقليديين خلال القرن الماضي، مثل: آقا حسينقلي، ميرزا عبدالله، درويش خان وأبوالحسن صبا.
ومن أشهر مقامات الموسيقى الايرانية التقليدية: شور، ماهور، همايون، سيكا، شاركاة، نوا، راست. أما أشهر النغمات فهي: أصفهان، ابوعطاء، بيات ترك، افشاري، دشتي. وهناك من يذهب بعيداً ليجزئ المقامات والنغمات وفق المقدمة والنغمة والأغنية. وأضاف اليها الراحل درويش خان، جزأين آخرين هما ما قبل المقدمة والإيقاعات الأربعة، والتي لا تزال موجودة حتى الآن.
الأغنية الفولكلورية
تعد الأغاني الفولكلورية الأقرب إلى الموسيقى الطبيعية الاصلية والتقليدية في أي بلد. وضمن ايران تعد الأغاني الفولكلورية مصدراً مهماً للمقامات والنغمات، وهي تبرز بشكل جلي في الأغنيات المنتشرة في الأرياف والقرى البعيدة عن المدن. ولأن إيران بلد تعيش فيه طوائف وأقوام متعددة ومتباينة من الناحية الثقافية، فإن الموسيقى الفولكلورية تبدو غنية في تعابيرها وألحانها، ونجد أن الموسيقى الاذربيجانية والكيلانية والخراسانية والكردية والشيرازية والبلوشية تختلف عن بعضها البعض ليس في الكلمات فقط، وإنما في الإيقاع والنغم أيضاً. وتضم الموسيقى المحلية الإيرانية أغاني المقامات المحلية التي تنشدها مجموعة أو شخص واحد، كما تضم أيضاً الرقص المحلي الذي يتوافق مع ايقاعات الآلات الموسيقية المحلية.
وأبرز ما يميز الأغنية الفولكلورية الإيرانية انتقالها من جيل لآخر، ونظراً لتعدد اللهجات في ايران، أصبحت الاغاني الفولكلورية أكبر مرجع ثقافي في إيران، ونظرا لاتساع رقعة ايران فإنها تمتلك العديد من نماذج الموسيقى الفولكلورية،
الآلات موسيقية
تشترك الموسيقى الايرانية مع نظيراتها من أنواع الموسيقى في العالم، في عدد من الآلات الموسيقية، والتي وصلتها عن طريق التخالط، وهي تظهر بصورة جلية في العزف الجماعي الذي يعتمد، إما على صوت واحد أو عدة أصوات، وعرف العزف الجماعي في ايران في عهد ناصر الدين شاه قاجاري، وكرس هذا العزف بعد ظهور الاوركسترا التي جاءت على يد مسيو لومير ـ المعلم الموسيقي الفرنسي الذي جاء الى ايران لتدريس مادة الموسيقى العسكرية في دار الفنون آنذاك ـ وبعد ذلك أصبح العزف الجماعي مألوفاً في ايران. وباتت الآلات الموسيقية الغربية مألوفة أيضاً، إلى جانب الآلات الايرانية.
ومن أهم الآلات التي استخدمها الايرانيون في عزفهم على مر العصور، الناي المصنوع من خشب البامبو، وهو ينتشر تقريباً في كافة أرجاء البلاد.
ومن بين الآلات الموسيقية تبرز آلة (كرنا)، وهي من أنواع الناي. كما أنها آلة عزف قديمة وتاريخية ويتم صنعها في المحافظات الإيرانية بأشكال مختلفة. وأهم أنواعها كرنا الشمال وكرنا كيلان وكرنا مشهد، وهي مستخدمة بكثرة في محافظات كردستان وأذربيجان. وأما (مزمار القربة) فيتم استخدامه غالباً في جنوب إيران ومنطقة أذربيجان. وهناك أيضاً أقدم أنواع (الكمنجة).
وهو شكل بدائي لآلة الكمان وهي تستخدم في العزف المنفرد وكذلك الجماعي، وتعتبر من أهم الآلات الموسيقية الايرانية وتتوفر في كافة المحافظات الإيرانية ويكثر العزف عليها بين الطوائف التركمانية. وتستخدم في الموسيقى الايرانية ايضا آلة (العود) التي كانت تتألف في السابق من ثلاثة أوتار فقط. وتتألف آلة (الرباب) من ثلاثة أجزاء: البطن والصدر والرأس. والرباب آلة محلية تنتشر غالباً في أطراف خراسان وسيستان. أما (التار) وهي احدى الآلات الوترية التقليدية في ايران، فتتألف من البطن وستة أوتار، ومن مجموعتها يعرف (السيتار) و(دوتار) التي يكثر عزفها بين طائفة التركمان وفي نواحي خراسان.ومن أكثر آلات النقر المعروفة في إيران، الطبل الكبير والطبل العادي والطبلة. وتتكون آلة (الإيقاع) من حلقة دائرية خشبية، يتم وضع الجلد فيها على أحد السطحين. ويتم النقر عليها بواسطة رؤوس الاصابع، وتستخدم هذه الآلة في المدن أكثر من القرى.
ويتم استخدامها حالياً في منطقه أذربيجان.
و(الطبل) وهو احد الآلات النقرية، وهو يأتي أصغر من الطبل الكبير، ويتم النقر عليه بواسطة مطرقة ذات رأس كروي وعادة يتم العزف عليه في مراسم العزاء وفي أغلب مناطق البلاد، أما (الطبلة) فهي آلة مصنوعه من الجلد وخشب الجوز، وتتألف من جزأين، الاول شبيه بالرقبة، والثاني اسطواني. ويغلف السطح بالجلد ويتم العزف عليها بواسطه الأصابع.
وتستخدم في الموسيقى الايرانية ايضا آلة النقر الوترية، وهي آلة موسيقية إيرانية الأصل، تشبه آلة القانون، وتتألف من صندوق معيني الشكل، وتحتوي على 72 وتراً، يمثل فيها الوتر الأبيض النغمة الحادة. والأصفر يمثل المنخفضة. وتستخدم هذه الآلة في العزف المنفرد والجماعي، وهي منتشرة في كافة المحافظات الايرانية.
غناء جماعي
المدقق في عالم الموسيقى الايرانية سيكتشف انها تعتمد بشكل أساسي على الغناء الجماعي خاصة في الأغاني الفولكلورية، التي باتت تقدمها العديد من الفرق الغنائية الايرانية، سواء داخل ايران او خارجها، ولابد من الاعتراف أن الموسيقى الايرانية خلفت العديد من الرموز البارزة في عالمها، ومن أبرزهم المغنية كوكوش (اسمها الحقيقي فائقة آتشين)، التي تعد أهم مغنية وممثلة إيرانية في القرن العشرين، إذ حققت خلال مسيرتها الفنية شهرة جماهيرية عالية جداً، في إيران والدول المجاورة والدول العربية وأوروبا واميركا، لم ينافسها فيها فنان إيراني، باستثناء زميلها داريوش إقبالي، واللافت أن كوكوش لا تجيد الغناء بالفارسية فقط، انما ايضاً بالتركية والأذربيجانية والأفغانية والهندية والعربية والانجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية، ولها قدرة على التألق في أداء مختلف الإيقاعات والأساليب، بدءاً من الأغاني الشعبية الإيرانية وحتى الروك آند رول، وحازت خلال حياتها الفنية عشرات الجوائز والأوسمة والألقاب في أرجاء العالم، ووثقت حياتها في فيلم وثائقي طويل بعنوان «كوكوش، ابنة إيران»، وانتج الفيلم في العام 2000.
ومن بين الفرق الغنائية الايرانية برزت فرقة رستاك التي أسسها سيماك وباهزاد عام 1997، حيث قدمت هذه الفرقة العديد من الأغاني الفولكلورية الإيرانية الرائعة، وسبق لهذه الفرقة أن شاركت في عدد من المهرجانات التي أقيمت في الإمارات، والمستمع لهذه الفرقة يشعر بالفعل برغبة عارمة في التأمل، حيث تأخذه إيقاعاتها الموسيقية بعيداً وتغرقه في عالمها الواسع.
وبالحديث عن الموسيقى الإيرانية لا يمكن إغفال الموسيقار الإيراني محمد رضا شجريان الذي يعد أعظم مايسترو إيراني على قيد الحياة، فقد شغف بالموسيقى التراثية الفارسية، واشتهر بمهاراته في الخط الفارسي والعمل التطوعي الإنساني.
وقدم عدة البومات، منها: (القلب المجنون) و(ذكر الأيام) و(سماء الحب). وكذلك حفلات داخل إيران، وخارجها: في أميركا وكندا وفرنسا ولندن. وأما فرقة شهرزاد، فتألقت هي الأخرى بعديد الأغاني والمقطوعات الموسيقية الرائعة، وتميزت هذه الفرقة بأنها تتكون من خمس عازفات.
تأثير
يحتل المقام مكانة خاصة في الموسيقى العربية، وخاصة في العراق، حيث يوجد العشرات من المقامات العراقية، ودخلت مجموعة من المقامات الموسيقية الايرانية، على المقام العراقي، كمقام الدشت والنهاوند والمقام الاصفهاني.
واللافت ان ايران حافظت على تراثها الموسيقى الفارسي، الضارب جذوره في أعماق التاريخ، على الرغم من التغيرات السياسية والاجتماعية التي تعرضت لها منذ عقود طويلة.
موزاييك ثقافي
تنتقل الموسيقى الإيرانية من جيل إلى آخر. وهي تجسد أفكار ومعتقدات الأقوام التي تعيش في ايران، وتنبع من صميم واقعهم، كما انها تجسد الأفكار التي يحملها المجتمع وواقعه وظروفه، نظراً لتعدد اللهجات واللغات المختلفة في إيران.
