اللافت في اللقاء مع المسرحي والأكاديمي المغربي، الدكتور يونس لوليدي،
لا يكمن فقط في الإحاطة بمكونات الفرجة المسرحية وتفاعلاتها مع نفسها، ومع الفنون الأخرى فحسب، بل في تبيان أن ما يجري على الخشبة يحوز أعماقا وجذورا تمتد إلى عوالم مختلفة ومتنوعة أخرى، تبدأ بمفردات حياة الناس العادية، ولا تنتهي عند الأسطورة والمقدس في تاريخ البشرية.
يتنقل المسرحي المغربي الدكتور يونس لوليدي في اهتماماته، بين الحياة الأكاديمية والبحث الأدبي والعلمي والكتابة الابداعية المسرحية، وايضا الابداع على خشبة المسرح ومن خلالها. لذلك كان لا بد لهذا الحوار الذي أجراه معه «مسارات»، من أن يتشعب بالطريقة ذاتها، عله يغطي أوسع رقعة من خارطة هذه الاهتمامات واسعة النطاق، وما أنتجته من كتب ودراسات وأعمال مسرحية وورش تدريبية، على امتداد الوطن العربي، والتي تشكل إضافة حقيقية للمكتبة المسرحية العربية والعالمية.
منبع ودوافع
يلاحظ في تجربتك الأكاديمية نوع من التركيز على الموروث والمقدس والأسطورة وعلاقة كل ذلك بالمسرح، بما في ذلك البعد الاسلامي، هل لك أن تسلط الضوء على هذا الجانب الذي تتميز به؟
أعتبر في نظر عدد من الباحثين والأكاديميين أحد المتخصصين في الأسطورة الاغريقية، ومن هنا جاء اشتغالي على كل ما هو أسطوري ومقدس، وكذلك الاشتغال على علاقة المسرح بهذه المجالات، حيث ان المسرح نفسه نشأ في أحضان الأسطورة والدين، فمن هنا كان اهتمامي بهذه التجليات الأسطورية والتراثية، وحتى الدينية داخل المسرح، كتابة وفرجة، فصدر لي كتاب (الميثولوجيا الاغريقية في المسرح العربي المعاصر)، ثم صدر لي كتاب آخر أثار بلبلة كبيرة جدا، حولي، وهو كتاب (الأسطورة بين الثقافة الاغريقية والثقافة الاسلامية)، حيث تم تكفيري نتيجة هذا الكتاب، وبعد ذلك صرت اشتغل على مجموعة من الظواهر في الثقافة الاسلامية، ولا أقول في الاسلام ، لأنني أميز بين الاسلام والثقافة الاسلامية، فالإسلام هو القرآن والسنة النبوية الشريفة، بينما الثقافة الاسلامية هي كل الممارسات التي نمارسها، انطلاقا من كوننا مسلمين، سواء أخطأنا أم أصبنا في هذه الممارسات، فبدأت اشتغل مسرحيا، مجموعة من هذه القضايا، والتي تضم، على سبيل المثال، الزار ومختلف الطرق الصوفية.
ورحت أستخرج منها الفرجات المسرحية، وكيف يمكن أن توظف وتصبح مسرحا. علما أنها ليست مسرحا في الأصل، لكنها تحتوي على عناصر إذا وظفها المؤلف والمخرج وخشبة المسرح، يمكن أن تغني التجربة المسرحية العربية. كما قمت بتحويل نصوص ليست درامية إلى نصوص درامية، على غرار (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، التي حولتها إلى نص درامي، علما بأنها ليست كذلك، كما اقترح، في هذا السياق، تحويل عدد من القصص التاريخية والدينية، على غرار قصة النبي يوسف. وكذا يمكن الاشتغال على ظاهرة الزار المنتشرة على نطاق واسع، لكن بصيغ مختلفة، وانطلاقا من قناعات متنوعة.
التجريد والمسرح
عادة ما يتعامل المسرح مع جوانب مباشرة من حياة الانسان والمجتمع، لكنك تذهب في هذا السياق إلى ما هو أبعد من ذلك، وصولا إلى التجريد، ما مدى امكانية تحقق التجريد في خشبة المسرح؟
هي إمكانية محفوفة بكثير من المخاطر، فالسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: إلى أي حد سيستقبلها منك الجمهور العريض؟ أما من ناحية المفهوم، فإنه يمكن القول إن التجريد يرتبط أولا بالرمز وبالإحالة على أشياء لا تبدو واقعية أو طبيعية أو في متناول الجميع، في حين يدخل فيه كثير من التجريب والغموض، حيث لا بد من أن يكون هناك نوع من الاشتغال على التجريب، ونوع من خرق للمتعارف عليه والقواعد السائدة في المجتمع، ما يجعلك إلى حد ما، طلائعيا وعرضة للضربات الأولى القادمة من جبهة الرفض لهذا القادم الجديد.
ولذلك أتصور أن التجريد في المسرح قد لا تتقبله الفئات العريضة في البداية وقد ترى حين الاشتغال على المقدس فيه أن هناك شيئا من المس بمقدساتها التي تربت عليها، مع أنها ليست مقدسات اسلامية في حقيقة الأمر، بقدر ما هي مقدسات في الثقافة الاسلامية، وربما ترضي النخبة أحيانا على حساب الجمهور العريض، ولكن هذا هو المسرح، فالمسرح هو أن تقوم باختياراتك، لكن في نهاية المطاف لا يمكن لكل مسرح أن يتضمن تجريدا، لأنه هذا هو غنى المسرح وثراؤه، وذلك في كونه قابلا إلى أن يتحول لعدد من التجارب والمدارس والاتجاهات، وهذا يعني أن التجريد سلاح ذو حدين، فبقدر ما يجعلك تجرب وتخرق العادة وتبحث عن الغموض والتميز، بقدر ما يشكل عليك خطرا، يحتمل ان يبعد عنك الجمهور.
دأب المشتغلون في المسرح على استلهام التراث والاتكاء عليه، على سبيل الاستعارة أو المجاز، أو لدواع تتعلق بجمالياته. لكن ما مدى جدوى هذا النهج بعد انكشاف مكونات المجتمع بعضها على بعض، في ظل ربيع عربي ربما أعفى المسرحيين من عناء اللجوء إلى هذا الأسلوب ؟
ربما تجد في التراث ما يعكس الحادث حاليا في ظل الربيع العربي، لأن التراث نفسه، فيه عدد كبير من الثورات، الفاشل منها والناجح، وفيه عدد كبير من الناس الذي دفعوا أثمانا باهظة لأفكارهم وثوراتهم ولقضاياهم، ولذلك أعتقد أنه يمكنك استلهام الواقع، ولكن بشكل جمالي غير فج، بخلاف ما صرنا نراه مؤخرا في مجموعة من المسرحيات التي توظف مفردات الثورات مجانا، مثل: (زنقة زنقة)، بحيث تحس بأنها اقحمت الثورات العربية في آخر لحظة، بينما يتطلب الأمر الكثير من النضج، وكثيرا من خلق المسافة التي تتيح لنا رؤية ما لهذه الثورات وما عليها، أو كيفية ومدى امكان أن تصبح فعلا موضوعيا وواقعيا وجماليا. ويمكن كذلك استلهام بعض الشخصيات والأحداث التراثية، التي يمكن أن تتلاقى مع هذه الثورات، مثلما يمكن أن نستفيد من الماضي لإنجاح ثوراتنا، لأن الكثير من هذه الثورات، وحتى بعد ان اعتقدنا أنها نجحت، فهي بدأت تتعثر ولم تتحقق كليا، وأنا لا يخيفني هذا الأمر لأني أراه تطورا طبيعيا، لأن الذين لم يعرفوا الديمقراطية طيلة ثلاثين أو أربعين عاما، لا يمكن أن ننتظر منهم أن يعرفوها ويكتشفوها ويمارسوها، في بضعة أشهر، حيث لا بد من المرور بمراحل فيها هزات وانكسارات وقرارات ليست صائبة، إلى أن نقف على رجلينا ونصير راشدين في مجال الديمقراطية، ومن ثم فإن هذا الواقع يجعل من امكانية حضور التراث، واقعية وحاضرة دائما، إذا ما أحسنا استعماله.
أدبية المؤلف وفنية المخرج
أين تنتهي مسؤولية مؤلف النص المسرحي وأين تبدأ مسؤولية مخرجه ؟ وما علاقة الجانب الفني بالأدبي في المسرح؟
هي علاقة معقدة جدا، بحكم أن كل واحد منهما يدافع عن حقه في الوجود وعن قيمة عمله، لكنهما من المفروض أن يتكاملان، فكلما ساد أحد طرفي هذه المعادلة حاول تنحية الآخر، حيث يقول لك المؤلف المسرحي، أنا الأديب في العملية الابداعية كلها، ولولا نصي لما كانت هذه العملية، بينما يقول لك المخرج، إن المسرح أصلا هو فن وليس أدبا. وما الأدب إلا ذريعة لكي ننطلق إلى الفن، وإلى اللقاء المباشر والفرجة، في حين تصوري هو أن المسرح أدب ما بين دفتي كتاب وفن بمجرد أن يصبح على خشبة المسرح، ولا يمكنك أن تنكر أدبية المؤلف ولا فنية المخرج.
اختلط مفهوم الدراماتوغ عند الكثيرين في العالم العربي، لا سيما وأنه ظهر متأخرا في التجارب المسرحية العربية، حيث لا يزال النقاش حاميا حول الدور الذي يؤديه الدراماتوغ على خشبة المسرح، هل لك أن تضعنا في صورة هذا الدور؟
لعل مهرجان دمشق الرابع عشر عكس الاضطراب في مفهوم الدراماتوغيا، بشكل جلي، ولا سيما في ندوته الرئيسية التي تناولت الموضوع، ورأينا كيف يشكل هذا المفهوم لبسا بالنسبة للمبدعين العرب والأساتذة القدماء منهم، ذلك أنهم يرونه وكأنه منافس، مع أن العملية الابداعية في المسرح ليس فيها واقع وجود منافس بل تكامل، وهذا ما حدث عندما ظهر مصطلح السينوغرافيا عندنا، ومع أن هذه المفاهيم والمصطلحات قديمة جدا في تاريخ المسرح العالمي، لكنها اخذت وقتها قبل أن تصل إلينا.
والدراماتوغ أعرفه ببساطة بأنه فيلسوف المسرح والخبير بالشعريات والمدارس والتجارب المسرحية، والقنطرة التي تصل النص، في جانبه الأدبي والتاريخي والأسطوري والواقعي، بالمخرج وبالممثل، أي أنه هو الشخص الذي يجلس إلى الفريق منذ أن يختار فريق العمل نصه، قبل الشروع بقراءة الطاولة، ويشرح هذا النص، حيث يقوم بتصنيف العمل ومؤلفه ويقدم لهم كل ما يحيط بهذا العمل من النواحي الأدبية والفنية والتاريخية، ويقدم للممثلين مفاتيح الشخصيات ودلالاتها وأدوراها، دون أن يفرض أي شيء، اي يقدم خلفية علمية أكاديمية جمالية للمسرحية، بحيث يفتح النوافذ والأبواب ويقدم المفاتيح ويشرح الغامض، لكن من دون أن يفرض أي شيء.
استدعاء لا وصاية
كيف تنظرون من الناحية العملية إلى علاقة المسرح بالفنون الأخرى؟
المسرح ليس أبا لأحد، لأن ذلك يعني ممارسة نوع من الوصاية، في حين أن المسرح لا يمارس وصاية على أي فن من الفنون، وإنما هو مدين للفنون الأخرى حين يستدعيها لأنها تمده بأدوات لا يمتلكها، فهذه الفنون التي نتحدث عنها، فنون مستقلة بذاتها، كالموسيقى والتشكيل وتصميم الملابس والرقص، لكن عندما يحس المسرح بأن الكلمة لم تعد كافية لأن تقول كل شيء، فإنه يستدعي لغات أخرى تعطيه شعرية لم يستطع هو أن يوفرها لنفسه. لكن ما ينبغي أن نعيه هو أن هذه الفنون لا تنصهر في المسرح، بل إنها تحافظ على جانب من خصوصيتها، ثم ترتبط بالمسرح، فعندما نستدعي الموسيقى مثلا، يصبح اسمها الموسيقى المسرحية. وهكذا.
ماذا عن العلاقة بين مكونات الفرجة المسرحية الأخرى، من إخراج وتمثيل وسينوغرافيا ؟
يكاد يكون المسرح الفن الوحيد، الذي يعد المرسل فيه متعددا والمتلقي أيضا، وهو رسالة من ذهن جماعي إلى ذهن جماعي، وليست كباقي الفنون التي تنطلق من ذهن أحادي إلى آخر ايضا أحادي، كالرواية مثلا.
وبالتالي فإن العناصر كلها تتكامل وتضيف في حالة المسرح، الذي يعتبر عملا متكاملا لمجموعة متعددة الرؤى لا يمكن لأي من عناصرها أن يستغني عن الآخر.
بساطة في الطرح
كيف تنظر إلى التجارب المسرحية العربية من منظور دورها الاجتماعي ؟
العلاقة بين المسرح العربي، ولا سيما بجانبه الاحترافي، وبين والمجتمع العربي، تشي بأن هذا المسرح يميل إلى البساطة في طرح قضايا هذا المجتمع، حيث يبحث عن ثلاث أو أربع ساعات من الاضحاك والمواقف البسيطة جدا والنكات العابرة، اي انه يدعو المتلقي إلى وجبة من الضحك والتسلية.
إلى أين وصلت مقولة المسرح الجماهيري في تطبيقاتها المختلفة، وما مدى انسجامها مع الدور الاجتماعي للمسرح؟
هناك مفهوم خاطئ في التعامل مع هذه المقولة، التي يقصد بها خطأ: مدى اقبال الجمهور على شباك التذاكر، وليس بحكم الدور الذي يقدمه للجماهير، مقارنة مع المسرح الملتزم الذي عادة لا يصل شباك تذاكره إلى مستوى شباك ما يسمى بالمسرح الجماهيري، فصار يسمى مسرحا جماهيريا، بمقياس الشباك، وليس بمقياس العلاقة ما بين المسرح والمجتمع، والتي تقوم على فكرة أن المسرح أداة لتحقيق الوعي لدى الفرد والمجتمع، مع عدم انكار ضرورة وجود المتعة الذهنية فيه.
