يُعد الفنان محمد غني حكمت، الذي رحل في بغداد، اخيرا ، من أبرز وأهم النحاتين العراقيين المعاصرين الذين يملكون موهبة ومعرفة وخبرة تقانيّة، يُضاف إلى ذلك، استلهامه للنحت الرافدي، ولأساطير وحكايات المنطقة، لا سيما ألف ليلة وليلة ورموزها البارزة، كشهرزاد وشهريار والسندباد، التي جسدها على هيئة تماثيل ونصب تذكارية في ساحات بغداد.

 

تميز محمد غني حكمت عن غيره من النحاتين العراقيين، بنحته للأبواب التي تحولت على يديه، إلى تحف فنيّة تتوزعها اليوم مطارح عالميّة عدة. وكغيره من المبدعين العراقيين، تقطعت به السبل إثر الاحتلال الأميركي البشع لبلاده، حيث غادرها ليقيم في الأردن، وينتقل بين عدة بلدان، وفاجأنا قبل بضع سنوات، عندما وجدناه يدخل مكتبنا في قسم النحت بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق، قائلاً: (أنا النحات محمد غني حكمت من العراق، جئت لأتعرف على زملائي السوريين في دمشق). ثم ناولنا كتيبا صغيرا، قدمه، فيه، وبلغتين أجنبيتين، الناقد الفني اللبناني سيزار نمّور.

 

فنون (الكليجة )

ولد النحات محمد غني حكمت في مدينة الكاظميّة عام 1929، لأب كان يعمل في التجارة. بدأ رحلته الفنيّة بالحلويات العراقيّة الشهيرة (الكليجة)، وليس (بالطين). ودخل معهد الفنون الجميلة في بغداد، بمجموعة من أعمالٍ نحتيّة، ولم تصدق لجنة الاختبار أنها من صنعه. وتتلمذ على يد مجموعة من الأساتذة الأجانب، إلى أن جاء النحات العراقي الرائد جواد سليم، من بعثته في انجلترا فكانت هذه فاتحة خير للنحت العراقي، وأصبح محمد غني حكمت، طالباً مميزاً لجواد سليم. وبعدها، سافر حكمت في بعثة إيطاليّة إلى روما، لمدة سبع سنوات، شارك خلالها في العديد من المعارض العالميّة، وأقام ثلاثة معارض فرديّة، ونفذ ثلاثة أبواب لكنيسة قرب روما، أحدثت ضجة فنيّة وإعلاميّة، باعتباره أول عربي مسلم ينحت أبواباً لكنيسة. وبعدها قامت الحكومة العراقيّة بتكليفه وجواد سليم، في مهمة إنجاز نصب الحرية، بطول خمسين متراً، وعرض عشرة أمتار.

عاد محمد غني إلى بغداد العام 1961 ليكون أول مدرّس لفن النحت بكلية الفنون الجميلة، وقام بوضع مفردات منهاج نحت الحجر والخشب وصب البرونز والطرق على النحاس والميداليّة. وبقي في مهنة التدريس حتى العام 1996.

 

إنجازات مهمة

للنحات محمد غني حكمت إنجازات بارزة وهامة، سواء على صعيد العمل النحتي الحُجري الصغير أو النُصبي الكبير، بعضها مازال ينهض في ساحات وشوارع بغداد، مثل: نصب الصياد، حالة انتظار، أم العباءة، شهرزاد وشهريار، السندباد وبساط الريح، المتنبي . وغيرها من الأعمال الفنيّة التي تجاوز عددها الأربعين عملاً نصبياً، ومئات الأعمال الصالونيّة، والعديد من الأبواب التي تعتبر أعمالاً فنيّة قائمة بذاتها، اشتغلها النحات حكمت برؤية فنيّة إبداعيّة، حاشداً فيها وحدات بصريّة زخرفيّة نباتيّة وهندسيّة وحروف وكتابات، وفق حالة عالية من التوافق الشكلي والتعبيري.

وربط النحات حكمت في فنه، بين التراث والمعاصرة، اذ استفاد من قيم النحت الرافدي وقيم النحت المعاصر، ووظف العديد من الموضوعات التراثيّة في هذه الأعمال، لكنه (كما يقول)، لم يكن نسّاخاً ناقلاً للأساطير والحكايات، مجسداً لها في تماثيل ونصب خرافيّة، وإنما قام بإعادة صياغتها بتقانات جديدة مدهشة، تفيض بالحياة والجمال والانسجام، قادرة على استنهاض روح المغامرة في أعماق الناس، وإطلاق الخيال والتحدي والشعور فيهم، من أجل إدراك المستقبل والعيش بالأمل.

فعمله جزء من قرار طبيعي، لم يتخذه، بل هو ملازم له، ويتجسد بالاستفادة من الموروث الحضاري العراقي والعربي والإسلامي. لقد دأب على التركيز لاستخلاص الكثير من الملاحظات الفنيّة والاستفادة منها في تطبيقها على أعماله بعد هضمها وإعادة تشكيلها، بشكل جديد ومعاصر، لكن للأسف، مجموعة مهمة من أعماله الفنيّة وموجودات محترفه، تمت سرقتها عند سقوط بغداد، وأعقبها تشرده خارج بلاده.

 

خطاب جمالي

يستند فن محمد غني حكمت، إلى دعامة جماليّة راسخة. فالخطاب الجمالي لديه غير منفصل عن رؤيته الشخصيّة إلى العالم، وعمله الفني جزء أساسي من حياته، ومن طريقة مواجهته للعالم. ومنذ البدء عرف أن حقيقة عمله هي في كيفيّة الرد بطريقة أقل قبحاً وأكثر جمالاً، من خلال الفن الذي يتيح حرية كبيرة في الرد ورد الفعل، والذي لم يعد تبشيرياً أو مسكناً للآلام، بل هو صنعه وكشفه وأنجزه برضا واقتناع تامين، فناً متنوعاً وخالداً، تأرجح بين الواقعيّة، والواقعيّة التعبيريّة، والواقعيّة المختزلة، وشبه التجريديّة، والتجريديّة، والزخرفيّة الخاصة به. ويقول النحات حكمت، ان (العباءة) مع جسم المرأة والهواء الذي يحركها، وشواهد القبور، من الأشياء التي لفتت انتباهه وأثارته عقب عودته من روما إلى بغداد، فقام بدراسة الأقواس والزخارف في العمارة وما فيها من تلاعب الضوء والظل والتكرار أيضاً، وأبدع توليفة من ما جاء فيها جميعاً، واستلهمها لاستخراج تمثال (أم العباءة) وهو كأي نحات آخر، أدخل موضوع المرأة في منحوتاته، مستخدماً إياها وسيلة للتعبير عن قيم إنسانيّة رفيعة وخالدة وجميلة، تجسدها المرأة بكل شموخ وكبرياء.

من أجل هذا، وتماشياً مع نظرته الإيجابيّة للمرأة، جمع في منحوتاته التي عالجها فيها، بين البنيّة الحسيّة المثيرة والاحترام من الداخل والخارج، أو بالشكل والمضمون.

 

المرأة الواقفة

تأكيداً لهذه النظرة المُجّلة، والمُقدّرة للمرأة، جعل النحات غني حكمت شهرزاد في النصب التذكاري الناهض في إحدى ساحات بغداد، واقفة بدلاً من أن تكون تحت أقدام شهريار. وجعل كهرمانة هي التي تحل مشكلة علي بابا في القضاء على الأربعين حرامي، وجعل الماء يتساقط من كفي عشتار رمزاً للعطاء والخير، وجعل البصراوية حامية لثروات العراق والماء والنخيل.

كل النساء في منحوتاته رمز للذكاء والفطنة وعلو المكانة والأمومة والعاطفة. وأفرد لها مكانة مميزة في نتاجه، تأكيداً وتدليلاً ودعوًة لاحترامها وتقديرها وتبجيلها.

نهاية الحلم

ونجد النحات الراحل حكمت، يؤكد دوما، انه قبل أن تُقصف بغداد، وتم تكليفه من قبل معمدانيّة الكلدان في بغداد، لإنجاز عمل نحتي يحكي قصة السيد المسيح، تحت عنوان (درب الآلام)، وذلك على هيئة قطع نحت نافرة، مساحة كل واحدة مترين مربعين، وقبل أن يرى شموخها في مكانها، قُصفت بغداد، فكان حزنه مضاعفاً : الأول على عاصمة بلاده، والثاني على السيد المسيح. واكمل تمثالاً قبل رحيله، يحكي قصة الحصار، على هيئة امرأة فارغة الثديين، ويبدو فيه ابنها رافعاً يديه، طالباً الحليب. واستلهم الأعمال الوطنيّة والإنسانيّة هذه، من خلال زياراته المتكررة للمستشفيات التي كانت تعج بالمصابين المتألمين.

أنجز حكمت ثروة كبيرة وهامة من الأعمال الفنيّة النحتيّة المجسمة والنافرة، الصغيرة والكبيرة، وبخامات ومواد النحت كافة، ورحل وهو يردد:( أنا نحات ولست باحثاً عن الجوائز، منحوتاتي هي جوائزي). علماً أنه حصل خلال مسيرته الفنيّة الطويلة،على خمسين ميداليّة ووساماً من مختلف أنحاء العالم، وحصل على جائزة (كولبك يان) الذهبيّة كأحسن نحات عراقي أثناء دراسته في إيطاليا. ويؤكد أن الإعلام العربي ظلمه. فهو يعتبر نفسه بطلاً لأنه وصل إلى الثانية والثمانين، وظل مواظباً على العمل والإنتاج، رغم السن والظروف الصعبة التي اعترضته، جراء الاحتلال الأميركي الشرس لبلاده، ومع ذلك، لم يمنحه الإعلام العربي عشر ما يمنحه لفنان غربي، ولم يُنجز ما أنجزه من منحوتات حُجريّة أو نصبيّة ، تتوزعها ساحات وحدائق وطنه، ودول أخرى.