مرعي الحليان
يمر هذا العام، عقد من الزمان على انطلاقة مشروع سمته الشارقة: (يوم الراوي)، وهو يوم في السنة تركز فيه إدارة التراث في (دائرة الثقافة)، على شخصية مجتمعية بارزة من جيل الاباء الذين اسهموا في حفظ قدر جيد من الذاكرة الشفاهية لمجتمع الامارات في تاريخه، ولأن كثيرا من الاحداث، وكثيرا من التفاصيل الحياتية غاب عنها التسجيل والتدوين، صارت صدور الاباء والاجداد مخازن تحوي الكثير من كنوز الثقافة، عاينوها وعايشوها، وفيها ما توارثوه عن ابائهم، وفيها ما سمعوا به. تفاصيل دقيقة تفيد تاريخ الشعر، و الادب، والميثولوجيا، والحياة الاجتماعية وأنماطها، والعادات والتقاليد، والفلسفة والحكمة.
استطاع مشروع الشارقة (الراوي)، ان يؤسس لجيل من الرواة وان يدون مروياتهم، وان يجمع قصصا وحكايا وتاريخا، كان مضمونها انفرط من عقد التدوين وكاد يندثر او يتلاشى، لهذا يحمل مشروع الشارقة هدفا عميقا في مسألة ضخ الهوية الوطنية بملامحها الاصيلة، التي استلت من صدور الاباء والاجداد. ان الشارقة، ومن خلال تنظيم يوم الراوي سنويا، في التاسع من شهر سبتمبر، اعتنت على هامش الاحتفاء بالرواة وتكريمهم، بتنظيم حوار اكاديمي يسهم فيه خبراء وباحثون واكاديميون من شتى انحاء الوطن العربي، لرفد الجانب العلمي في مسألة الرواية الشفهية وتعزيز دور الرواة.
كتاب عن الرواة
في الدورة الحادية عشرة من يوم الراوي، الذي نظمته ادارة التراث بالشارقة في التاسع والعشرين من شهر سبتمبر 2011، طال التكريم روائيين اساسيين، هما: الراوية حمامة الطنيجي (الطبيبة الشعبية)، الراوي عثمان الباروت.
واحتفت الدورة الجديدة من يوم الراوي، كذلك، بثلاث رواة واخباريين اخرين، واصدرت ادارة التراث بهذه المناسبة كتابا ضم نخبة من الرواة الذين تم تكريمهم منذ العام 2001، باعتبارهم اسهموا في رفد التاريخ المحلي والثقافة الشفاهية التي تم تدوينها بكنوز كادت تفقد وتضيع.
ويقول عبدالعزيز المسلم مدير ادارة التراث بالشارقة، في بحثه في تقديم كتاب (يوم الراوي مسيرة عشر سنوات)، عن اهمية الرواة في دعم التاريخ: (اعتمد العرب قبل الاسلام في توثيق ثقافتهم ومعارفهم وعلومهم البسيطة، على خزائن الصدور وعلموها وتعلموها بالتلقين المباشر او غير المباشر او بالمعايشة والمشاهدة والملاحظة والتجربة الحية، وكل ذلك كان يتم مشافهة، وذلك لاسباب عدة، اهمها تفشي امية الكتابة وحياة البداوة التي كانوا يعيشونها، حتى وان استقروا فهم يهجرون الخيمة بأجسادهم فتسكن هي في عقولهم، هذه الصورة التي عاشها العرب قبل الاسلام وانتهت بعد الدعوة المحمدية، لكن اهل الامارات عاشوها لقرون عديدة خلت، فكانوا امة ثقافتها شفهية وعنوانها الترحال، الدائم والمؤقت، لذا فإن جل تاريخهم لم يثبت الا على صفحات الذاكرة والذاكرة الشعبية فقط).
ويضيف المسلم: (لذا تبقى الذاكرة الشعبية دائما هي الوعاء الاكثر مصداقية وقوة في حفظ التاريخ المحلي برموزه وشواهده واحداثه السارة او المحزنة، دون زيف او خوف، بعيدة عن الاستهلالات والزخرف والحواشي، بعيدة عن المحاباة والمجاملة والمناورة، فالتأريخ في الذاكرة الشعبية يعنى بالحقيقة فقط ويغفل ما سوى ذلك من امور، لأن الاوعية المخصصة لتلك العملية جبلت على حفظ متن الحقيقة واوصالها، لا حواشيها وزخرفها...). ويمضي المسلم في كتابه، بمسيرة بحث استكناه اتكاءات ثقافة الراوي، مشيرا الى ان المتغيرات الكثيرة التي تصيب هذه الذاكرة، الناقلة، والوهن العمري الذي يضعف من قدراتها وصلاحيتها، المؤثر الاول في انحياز البعض الى التشكيك بها وبفاعلية الارتكاز على مخزونها، كما يعمد هؤلاء الى التشكيك بمنطقية هذا التأريخ ونمطيته واستسلامه لسطوة العواطف والمبالغة، وتأثره الدائم بالخيال والاسطورة.
«دفتر الشارقة»
قدم الرواة الذين احتفت بهم الشارقة، طوال السنوات العشر الماضية، معلومات هامة شملت مناحي الحياة والفكر والثقافة والعادات والتقاليد التي عاشتها اجيال من الاجداد والاباء، ضمت معلومات دقيقة ونادرة ايضا عن تفاصيل الحرف اليدوية والمهن التي سادت في مجتمع الكفاف. كما استطاعت مروياتهم ان توثق القصص والروايات الشفاهية الضاربة في القدم، وايضا القصص الاسطورية وشخصياتها، فاثروا بذلك الخيال، مثلما اضاؤوا ملامح الماضي، ولعبت مروياتهم دورا في تحديد الاسماء والانساب، والاماكن وظروف البيئة والاحداث والحوادث، والحروب، والمراحل التي مر بها تاريخ المجتمع الاماراتي. وكانت الشارقة اطلقت مشروع الراوي في العام 2001 حين اقامت الدورة الاولى له في السابع والعشرين من سبتمبر من ذلك العام.
وكرم فيها اول راو وهو المرحوم راشد عبيد الشوق، الذي ينتمي لقبيلة آل علي والمولود بالشارقة عام 1937 على وجه التقريب، اذ بدأ حياته العلمية في مرحلة الطفولة حيث التحق بالكتاتيب، ثم بالمدرسة الاحمدية لفترة قصيرة، وصاحب ابيه في رحلات الغوص، ثم سافر الى الكويت في منتصف الخمسينات من القرن الفائت. وعمل بعدها، مراسلا لنقل الرسائل سيرا على الاقدام، وفي اوائل الستينات من القرن نفسه، عاد الشوق الى الشارقة ليعمل في القاعدة البريطانية واستمر بها حتى انسحاب الانجليز من المنطقة في عام 1972، ثم التحق الشوق بالمكتبة الثقافية، وكانت اول مكتبة خاصة بالشارقة، وفيها وجد الشوق ضالته، فاشبع منها نهمه بالقراءة وخلفت هذه الحياة العلمية والعملية تكنيته بلقب (دفتر الشارقة)، وهو الاسم الذي اطلقه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة، على الشوق، حين زاره في المستشفى. ورحل الشوق عن الحياة في العام 2000، وترك ذاكرة تم تسجيلها حفظت من تاريخ الماضي مفردات مهمة.
مرويات البحر والصيد
ومن الاسماء التي سجلتهم قائمة الرواة خليفة بن قصمول، من مواليد الشارقة 1945 وقد اثرى قصمول التراث الشفاهي بمروياته عن البحر والصيد، وذكر الاحداث التي تعرض لها الصيادون من غرائب البحر، وكان ابن قصمول عمل حارسا في مطار الشارقة القديم.
وكذلك الراوية عائشة سيف عبدالله (ام ابراهيم)، التي ولدت في الشارقة في العام 1933، وقدمت للتراث مروياتها عن البيوت التراثية، وعن صناعة هذه البيوت وعن عادات وتقاليد الزواج قديما، كما كان لها دور بارز في الحفاظ على التراث والهوية، من خلال تعاونها مع بيت الموروث الشعبي.
وقدمت عيدة فرحان مبارك، التي لم يحدد لها تاريخ مولد، لكن تم مقاربته بالعام 1945، مرويات عن العادات والتقاليد، وكذلك اغاني الزواج، كما شاركت في مشروع جمع الحكاية الشعبية، بالاضافة الى انها تتمتع بذاكرة قوية عن العوائل والانساب.
وهناك ايضا، جمعة فيروز بوسماح والملقب بآخر نهام الامارات،wالذي ولد في العام 1917 وتوفي في العام 1995، حيث اسهم بوسماح في تسجيل اهازيج البحر، كما قدم مرويات عن مهنة الغوص على اللؤلؤ، وحفظ الشعر والمأثورات.
وكان من مؤسسي جمعية الشارقة للفنون الشعبية. اما سالم بن علي بن معدن الكتبي، فهو احد الرواة الثقاة، اذ وفرت مروياته مادة قصصية مهمة، حيث روى كثيرا من الحكايات الشعبية والامثال والطرائف، وكل مادة منها كانت تحمل في طياتها تفسيرا لايماءات تعبر عن قيم وعادات مجتمع الامارات.
وبالنسبة لسلطان بن زويد خليفة (من امارة دبي)، فقد قدم مرويات مفيدة حول مهنة (العبارة) في خور دبي، حيث يعمل بعض البحارة في نقل العابرين بين ضفتي الخور، وكان مرجعا في مجال ثقافة البحر وصيد الاسماك، كما عمل نهاما في بعض الاحيان، وله مقابلات وتسجيلات عدة في ارشيف تلفزيون دبي، كما انه يعد واحدا من الذين اسهموا في ادخال لعبة كرة القدم الى دبي. وكذا اسهم الراوي جمعة بن حميد (من مواليد الشارقة) في تقديم روايات فريدة عن البحر ومشاهدات عن الحياة السياسية في الامارة، وعن العادات والتقاليد التي كان عليها حرس الحكام قديما.
وتثمن مرويات عثمان باروت سليم الباروت (ولد في مدينة كلباء في العام 1937)، بفضل اسهاماته في نقل عادات وتقاليد اهالي المنطقة الشرقية، وعكس اسلوب التعايش الاجتماعي بين الافراد قديما، وكذلك بناء ساحة التراث بمنطقة الشارقة القديمة، حيث الم بمهنة البناء وثقافتها.
ولعب سهيل عبدالله سعيد (من مواليد ام القيوين عام 1940)، دورا حيويا عبر مروياته، في عملية جمع مضمون ثقافة الصيد بالشباك واساليب تجفيف الاسماك، وكذلك شرح اساليب بناء بيوت السعف والجريد الذي كان يؤخذ من النخلة.
اما ناصر الكاس( ولد في العام 1942 على وجه التقريب - من امارة رأس الخيمة) فقدم مرويات مهمة عن فترة ارتحال الايدي العاملة الاماراتية الى دول الخليج، مثل الكويت والبحرين والسعودية.
كما الف الراوي عبيد راشد بن صندل (ولد في الشارقة في العام 1941 )، العديد من الكتب والابحاث، بالاضافة الى مروياته عن الالعاب الشعبية والتقاليد الاجتماعية، ومن كتبه: الالعاب والاهازيج الشعبية، الامثال والالغاز الشعبية، ملامح من تراث الامارات.
رائد البريد
يعد الراوي احمد عبدالرحمن الشامسي، رائد البريد في الامارات، ولم يتم تحديد تاريخ ميلاده، وكان من المعتمدين من قبل حكومة الشارقة للقيام بمهام البريد في الامارة، وكان مكلفا باحضار البريد من دبي، كم ارتبط بأفراد البعثات التعليمية، فترة من الزمن، فكانت حياته مليئة بالاحداث والمحطات التاريخية التي تم الاتكاء عليها في تكوين ملامح تلك الحقبة من الزمن. وافادت ثقافة ومرويات خميس راشد الرميثي (من امارة ابوظبي- ولد في العام 1930 )، ولكونه عمل في المجال الزراعي والري بالطرق الكلاسيكية القديمة، افادت في تقديم مرويات حيوية عن هذه المهنة، وكذلك ثقافة المجتمع الزراعي.
ونقل علي عبدالله الميرزا ( ولد في مدينة خورفكان في العام 1930 )، الكثير من معايشاته للاسلوب الاجتماعي الذي كان يعيش عليه اهل مدينة خورفكان المدينة الجبلية المقابلة للشاطئ، كما تحدث كثيرا عن البحر واهوال البحر، وكذلك اسلوب اختيار طاقم السفينة خلال الرحلات البحرية.
وكانت المرحومة الراوية مريم سالم عبيد (من منطقة حبحب التابعة للفجيرة)، وهي طبيبة شعبية، تعالج بالطب الشعبي، واجادت الشعر وحفظته، وكذا خياطة الملابس وصناعة التلي(ويعني زخرف الملابس)، وروت قبل وفاتها، الكثير من معارفها وخبراتها، والتي كانت تمثل ثقافة تلك الحقبة من الزمن، في امارة الفجيرة.
ويعد سيف بن عبدالله بن غليطة، من اشهر رواة: الشلات البدوية والونة والتغرودة في الامارات (ولد عام 1919 في امارة عجمان بمنطقة الراشدية)، واتصف انه احب حياة البرية ورعي الابل والماشية، وعندما انشئت اول اذاعة في الامارات عام 1961، اذيعت له عدة لقاءات ادى من خلالها بعض الشلات.
كنوز الهوية
عديدون هم الرواة الذين وثقت لهم ادارة التراث بالشارقة مرويات تعد كنوزا نادرة، تسهم في دعم الهوية وتاريخ المنطقة وثقافة انسانها، وكان من بين هؤلاء، راويات من امثال: عائشة خميس بورشيد، الراوية حليمة عبيج زايد النقبي، الراوية فاطمة صقر النعيمي. ومن الرواة: خليفة بن حمد الفقاعي، محمد خلفان الرويمة المهيري، الراوية منيرة المزروعي، الراوي سيف سعيد الزبادي، الراوي عبيد معضد النعيمي، الراوي كداش بن خميس بن عثمان، والراوية علياء بنت محمد الرشدي.
