يتركز الأدب الشعبي في الامارات كصيغة لسيناريو يوثق مفردات الثقافة المحلية بمكوناتها الزمنية ،مكللاً بنماذج فريدة اختزلت القيمة الجمالية والمعرفية في قوالب نصوص شفاهية ،عبر ما يسمى بالرواية الشعبية ،وهي مهما اختلفت وتناقضت حيثياتها ،توصف بأنها زاخرة ومليئة بحبكات قصصية وحكايات لن تنتهي وهنا تبرز » سلمى « الشاعرة التي مثلت الوجه الإبداعي والثقافي المحلي،لتبقى سيرتها بين مفهوم الأسطورة الحية والبحث عن الحقيقة المفقودة مثار بحث وتنقيب.

 

جدة الشعراء سلمى جدة شعراء الإمارات مقاربة لسيرتها الشعبية وقصيدتها اليتيمة للباحث عياش يحياوي، هي معزوفة مجتمعية نسجها المؤلف بموسيقى الروايات الشعبية ليوثق في الذاكرة الوطنية عبر دراسة بحثية لأول شاعرة إماراتية شعبيا منسوبة إلى أنها ابنة الشاعر الإماراتي الكبير الماجدي بن ظاهر، باعتبارها ظاهرة اجتماعية لكبت موهبة المرأة العربية الشاعرة وابداعاتها مما جعلها محدود الانتشار، ليلتقط الحراك الشعبي معاناتها.

ويصبح تناولها اليوم إعادة في قراءة التاريخ لتجنيبه عوامل التهتك والضعف وتلاشي مفهوم حيوية الأفكار، والذي بدوره يساهم في تطور المجتمع ودفعه لاكتشاف خبايا الحوار مع ذاته وصولا إلى ثقافة تفاعلية جديدة.

 

في ما هية المكان والزمان..

ز س. . ز س ز ز س. ز س.

حيث أوضح العميمي أن ابن ظاهر تنقل من مكان إلى آخر، واتسعت دائرة تنقله لتشمل مناطق العين والشويب والمدام والذيد والساعدي والخران ودهان ودبي وأم القيوين وعمان، مبينا أن قصائده اتسمت بالإحساس الدائم بالغربة والبكاء على الإطلال مما يوحي بعدم شعوره بالاستقرار.

وفي سياق ارتباط مولد الشاعرة سلمى بوالدها الماجدي بن ظاهر، فإن الروايتين لكل من حمد أبو شهاب وفالح حنظل تعرضان بإمكانية مرور بن ظاهر بمنطقة الذيد في الشارقة، أو الساعدي أو دهان والمرجح حسب الروايات أنه عاد إلى الخران برأس الخيمة ومات فيها. مؤكدا على أساسها عياش يحياوي إن الماجدي بن ظاهر في الأغلب الأعم هو ابن المنطقة الممتدة من الشويب إلى الخران، ضمن الحيز الجغرافي لدولة الإمارات العربية المتحدة.

مشيرا أن الذاكرة الخليجية كلها لم تفصح عن ورود أخبار أو قصائد له تذكر مناطق عاش فيها كسلطنة عمان والسعودية، مما يؤكد أنه هو وابنته أهل الحيز الجغرافي المذكور أعلاه. لم تشر الروايات الشعبية إلى العلاقات الاجتماعية للماجدي بن ظاهر أو ما يخص أسرته بشكل خاص، وهنا تكمن الصعوبة في معرفة تفاصيل السيرة الحياتية لشاعرة سلمى وزمنية ثرائها شعريا.

مبينا يحياوي أنه تبعا لما يقال يثبت أنها عاشت ضمن دولة اليعاربة، حيث تمتد هذه الدولة تاريخيا بين عام 1624-1741 وشملت عُمان وما يعرف حديثا بسلطنة عمان ودولة الإمارات العربية المتحدة وشرق أفريقيا.

واصفا سلمى بالظاهرة الشعرية المحدودة التأثر والانتشار، تغافلها المؤرخون كون أمثالها كثيرات باعتبار ما تعانيه استمرار لمنظومة النظرة المتدنية للمرأة. ليأتي دور الرواية الشعبية في إخضاع الممارسة لتلك الفكرة وإظهار الاستثناءات المجتمعية كأساس تفاعلي قد تكون حقيقية لم يذكرها التاريخ كرافد نوعي.

 

حادثة اللسان الجريح

ز : س. ز ... (...) س. . ز س ز س : : ز . . (...) : . . : :

 

ينفعك إبنك وولد إبنك وولد السلقلق

لايفنض الشعر في كل مكان يغير الكف لا

 

قال لها: عاد خلاص. انتهيتي. زود لا تزيدين ( وإلا ما قص لسانها).

قال لها: زود عن المقالة هذي اللي قلتيها: خلاص ما حد بيرومه.

الرواية الرابعة: قال لها: قطعيه وإلا بقص لسانج. هددها بس، ما قص لسانها، هددها بس، لا تقصدين عاد.

الرواية الخامسة: ما سمعنا انه قطع لسان بنته.

الرواية السادسة هذا قطع لسان أكيد عن كلام الشواب الأوليين، أجدادنا وآباءنا، يقولون قطع لسانها، لانها قالت:

إذا يصب الشعر هلال نضاف تنقيت ما بين الخوافي قلوبها

أما الرواية الشعبية السابعة والأخيرة تقول: يقولون شرم لسانها، ما قطعه، بتتعدى عليه... لا هو قام ايوونها يبون يتزوجونها ويرد عنها، لأنه هو شايب، شايب ويردهم،( كان يريد) تكون تخدمه، تسويله القوت، تسويله هذا.

تعددت الروايات حول حادثة قطع اللسان بين خبر لتأكيد القطع وتهديد وشرم. مشيرا يحياوي أنها أخذت منحنى المدلولات التالية ومنها: تفسير الرواية الأولى والرابعة أشارت إلى عملية التهديد بالقطع فقط، أما الثانية والسادسة فتمثلت في تأكيد حادثة القطع، أما الرواية الثالثة فكتفت ببيان التهديد العام بالقطع، لتنفي الرواية الخامسة وجود خبر عن القطع. وأما الأخيرة فأضافه خبر نوعي بالإشارة إلى شرم اللسان ونفيان قطعة.

أما الباحث سلطان العميمي فيعلل اختلاف الرواة في حادثة قطع اللسان بقوله أنها بلا شك تدخل ضمن إطار أسطرة الشخصية ودور المخيلة الشعبية في تغيير الأحداث وصناعتها. ليؤكدها الباحث الدكتور غسان الحسن عبر دراسة قدمت في ندوه نظمتها أكاديمية الشعر بعنوان لسان بنت ابن ظاهر: قراءة تأويلية في قصيدة بنت ابن ظاهر وسيرتها الشعبية : إن سيرة ابن ظاهر وابنته تنتمي إلى الحكايات الخرافية الشعبية المحلية ، والسبب الرئيسي يرجع في عدم وجود سيرة شعبية متكاملة ومكتوبة عن الشاعرة سلمى في الأدب الشعبي الإماراتي.

ردعا لما يسمى بالفضيحة الاجتماعية واستخدام سلطة الأبوة لضمان عدم التمادي في الخطوط الحمراء العرفية، وذلك للحصول على القبـــول الاجتماعي، عبر توجيه التهديد أو تنفيذ العقوبـــة والتـــي هي بمثابــــة قطع لسان امرأة قررت أن تمارس حقهـــا الطبيعي كإنسان في التعبير.

عبر عنها الباحث علي بن تميم خلال دراسة قدمها عن ابنت ابن ظاهر: ولا يمكن فهم قطع لسان الأبنة أو تهديدها بقطع اللسان، إن عاودت على قول الشعر من جديد في السيرة الشعبية للماجدي ابن ظاهر إلا رغبة وتلميحا إلى أهمية عدم تجاوز النظام الأبوي المسؤول عن إعطاء الأشياء قيمة عالية، وإعطاء الأشياء الأخرى قيمة أحط.

تؤكد بذلك الملمح العام للبيئة العربية ونظرتها للمرأة في كونها عامل منافس بالدرجة الأولى والخوف من مقدرتها على الإتيان بما هو أفضل من القلم الآخر. بالإضافة إلى فكرة ولوج المرأة في عالم صناعة اللغة كون اللغة أداة ومنبع الأفكار والمعاني، قٌدمت على أثرها تنبؤات مستقبلية في مقدرة المرأة عبر الكلمة من تحويل زمام الأمور ومناقشة القضايا وتوزيع موازين القوى بحيث لا تكون بيد الرجل فقط.

وينتهي بذلك عصر القطب الواحد. ومنها جاءت ثقافة التضامنية بين الرجال في بقاء المرأة خارج عنصر تفعيل مصوغات القيم المجتمعية التي أصبحت قوانين تفرض على من يخالفها أشد العقوبات كاستحقاق الموت. والجدير بالذكر أن المرأة ليست ضحية الرجل العربي بحد ذاته، بل ضحية المنظومة الثقافية المسيطرة على الفكر الإنساني منذ ظهور الكتابة.

ويعتبر الجسد في الثقافة العربية القيد والإطار المانع لمختلف الإبداعات والأفكار والمشاريع، والذي شكل بالمفهوم المجتمعي تحدي وعائق لتفجيرها واستثمارها. وبالنظر لفكرة الجسد في البيئة العربية فإنها لا تزال موضع جدل، خصوصا في ما يتعلق بالمرأة في كونها كائن حي ينسب له الصفة الإنسانية والمقدرة الفعلية في تحقيق الخيارات وتنفيذ القرارات.

حيث أن المجتمع العربي لم يتجاوزها ضمنيا وذلك بربط عقل المرأة وتطلعاتها وإمكانياتها في إحداث ما هو أفضل بمصوغات جسدها الأنثوي المخالف دائما للقيم والنسق الأخلاقية، الذي عمل على ترويجها الرجل عبر السنين وتثبيتها في بنية العقل العربي.

حيث قال العميمي حول الموقف الاجتماعي من موضوع المرأة الشاعرة: العرف السائد في المجتمع الخليجي وليس في الإمارات فقط يرى أن نظم المرأة للشعر الغزلي خاصة يمثل خروجها على عاداته وتقاليده، التي تحظر على المرأة أن تفصح عن مشاعرها تجاه الرجل بنظمها الشعر.

ولذلك ندر ظهور المرأة الشاعرة في مجتمعاتنا، أو بصورة أخرى كانت موجوده، لكنها لا تستطيع الإفصاح عن شعرها أو موهبتها، وقد امتد هذا التأثير حتى يومنا هذا بصورة أو بأخرى.

 

انتماءات النص

« هل النص الشعري المشهور لسلمى بنت الماجدي بن ظاهر هو فعلا نصها؟» سؤال يطرحه الباحث عياش يحياوي في كتابه، مبينا أنه يمكن أن يكون من إبداع العبقرية الشعبية على مر القرون، من خلال أن يضيف له كل جيل من الشعراء بيتا أو أن يحذف كلمة إلى أن وصل إلى مرحلة الاستقرار. معتبرا أنه يمكن دراسته عبر علم الإثنوبيوغرافيا وهو العلم الذي لا تعنيه الشخصية الفردية في حد ذاتها بقدر ما يعنيه تمثيل هذه الشخصية للقيم الجماعية من خلال الوقائـــع والعلاقـــات والسيـــروات، باعتبار أن الأدب الشعبي بإمكانه أن يفيد التاريخ من خلال البحث عن الوثائق والاستقراءات الجادة للوصول إلى الحقيقة من زوايا مختلفة.

فيوضح الباحث علي بن تميم أنه لا يهم في الدراسة البحث في صحة الروايات الشعبية، أو اكتشاف أهم المغالطات والانحرافات التي طالتها، وإنما بوصفها تعبيرعن الذات المحلية.

 

قراءة في النص اليتيم

قدم الباحث عياش يحيـــاوي في كتابة « سلمى جدة شعراء الإمارات» قراءة لقصيدة سلمى المكــون من ثلاثــــين بيتــــا، مبينا أنه تعبير عن صدمة المـــرأة في مجتمع يرى أن تحجيم دورها وكبت قدراتها العقلية يدخل في مبدأ حماية الشرف المجتمعي. حيــث يشـــرح يحياوي أن القصيدة تنقسم إلى ثمان لوحات محملة بمختلف الإشارات والايحاءات ومنها:

إعلان عن الحضور الدائم للمرأة، ونماذج للحكمة الناتجة عن المتابعة العامة لاحتياجات المجتمع وخوض التجربة الاجتماعية، واستخدام الرمز كأيقونات البحر، وشراع السفينة، والميناء، والغواصون، والسيوب، والإعلان عن الخطايا، وبيان الذات المجروحة، بالإضافة إلى الصبغة الإخبارية.

ولفت يحياوي أن الخبير بصناعة النص الشعري يستطيع أن يؤمن كون القصيدة هي الإبداع الأول لشاعرة أو شاعر، وعبر التراكم النقدي العربي يمكن تأكيد أن نص سلمى نتاج خبرة واسعة وطويلة المدى في معالجة الشعر وابداعه، وممارسة في معايشة تصاريف الحياة والتفاعل مع أهم مضامينها من مسرات وأحزان وخيبات ونجاح.

حيث قدم العميمي ملاحظــات حول النــص من احتوائــه من خلط وفجوات، واجتهد في تقديـم ترتيب للأبيات يخالف ذاكرة الرواة مما يحقق تناغماً لم يغير توجهها لجمالية المضمون. إلا أنه لا يزال يمجد القصيدة ويطرب لها لا أبالغ إن قلت إن النص أقرب إلى الملحمة منه إلى القصيدة، رغم اختزاله في الثلاثة والثلاثين بيتا التي وصلتنا.

وهو عدد قابل للزيادة في حالة ظهور القصيدة بزيادات أخرى في مخطوطات غير معروفة لنا بعد. موضحا أن القصيدة لا تقل أهمية عن سيرة الشاعر الماجدي بن ظاهر ، كون النص ثري جدا من الناحية اللغوية والشعرية والجمالية والرمزية، وتتميز في قدرتها على الذهاب للعديد من التأويلات.

وفي سياق النص، أوضح عياش يحياوي أن لو سلمى تجاوزت التعبير عن مأساتها بالبعد عن أسلوب الحكمة ، لفعلت الصور الشعرية بصورة أكبر وجعلتها أعلى مقاما. مفسرا أن الحكمة تجلب قوة الذهن وتخرج عن سياق المعاني الحارة المملوءة بقوة التجربة المتجهة نحو التحدي والمقاومة.

حيث أن اتجاهها نحو قالب الحكمة أنما هو تعبير عن الثقافة الشعرية في ذلك الوقت، كونها تقليدية وتطالب الشاعر بخلاصات على شكل العيضة والحكمة. وأضاف يحياوي أن النص سيناريو مفعم بالعديد من الإشارات كانتمائه للبيئة الصحراوية، ويعيشهــا مجتمع عربي مسلم، كما ذكرت إحدى التقاليد المجتمعية ومنها رحلة القيظ . كما ظهرت إشارات للبحر، والعطار دليل تواجد تجارة العطر، وذكر النص أيضا مرض الجرب والذي هو بمثابة سقم يصيب الأبل وهو معروف حتى الآن.

معتبرا يحياوي أن قراءة التاريخ الثقافي انطلاقا من التراث الشعبي المعنوي ليس له من هدف عظيم سوى إعادة قراءة الموروث للاستفادة من فضائله ونقائصه معا، وقصة سلمى وقصيدتها واحدة من المحطات الثقافية والاجتماعية التي كان من الواجب التوقف عندها طويلا، من أجل تفتيت عناصرها والتمعن العارف في إشكاليتها والبحث عن أفق جديد ذي صلة بروح المستقبل.

ويعتبر كتاب سلمى جدة شعراء الإمارات أول بحث يشمل على عشر روايات شفاهية حول سلمى ووالدها الماجدي بن ظاهر جمعت من المنطقة الغربية من إمارة أبوظبي. وهي عبارة عن رحلة ميدانية قام بها الباحث عياش يحياوي خلال شهر يناير 2008 في بدع زايد وليوا والمرفأ والسلع، جمع فيها عشر روايات لثمانية من الرواة تضمنت السيرة الشعبية للشاعر الماجدي بن ظاهر.