أجرى موقع »مترو« الإلكتروني الثقافي المتخصص مع الروائي الاسكتلندي الان وارنر، حيث ألقى الضوء على جوانب من عالمه الروائي، وخاصة من خلال روايته الصادرة أخيراً بعنوان »النجوم في سماء صافية«، وأشار إلى أن شخصياته تعكس وعياً أخلاقياً رفيعاً، ولديها إحساس متألق بالجمال والرهبة والحنق.

وشدد على أن اهتمامه في أعماله الروائية ينصب على من يعيشون يومهم، سواء أكان خيراً أم شراً. ورداً على اتهامات النقاد له بأن بعض مقاطع أعماله تميل إلى الطابع السكوني، قال إنه يعتقد أن هذا مصدر قوة لكتبه لأنها تعكس ميله بطبيعته إلى المراقبة والإصغاء وإظهار الأشياء بصورة طبيعية بقدر الإمكان.

 

اشتهر الروائي الاسكتلندي الان وارنر بتفصيله إجراء الحوارات معه في المقاهي، بحيث أصبح من المعروف أن الصحافيين الذين يجرون المقابلات معه ينتهي بهم الأمر إلى أن يجدوا أنفسهم متجمدين في الرابعة فجراً إزاء أشرطة تسجيل مليئة بمواد مشوشة صوتياً بالضجة المحيطة بالحوار بحيث يستحيل فهم شيء منها.

وبفعل محاضرة عن كتبه كان عليه أن يلقيها، تعين إجراء الحوار مع الروائي الاسكتلندي على الهاتف، ولكنه ألمح إلى أنه قد تأخر قليلاً، حيث لم يضبط المنبه الخاص به على الموعد المقرر، وهكذا تواصل الحوار معه في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

على الرغم من أن ألان وارنر يقيم حالياً في ايرلندا، فإنه غالباً ما يشار إليه على أنه الشخصية الرئيسية في المشهد الأدبي الاسكتلندي، الذي يعاني من الشيخوخة الآن، بعد أن كان في منتصف التسعينات يتوهج بنشاط ارفين ويلش، وأسهم فيه وارنر نفسه بروايته المدهشة الصادرة في عام 1998 تحت عنوان «مغنيات السوبرانو».

تتابع هذه الرواية الشهيرة حياة ست فتيات موهوبات من مدرسة سيدة الغوث الدائم الثانوية للفتيات اللواتي يقضين الأصيل السابق لمسابقة بين فتيات جوقات الأديرة في الشرب والتقيؤ، طقس العبور المفعم بالمرح والانتقال بين مشارب أدنبرة ومراقص التعري ومواجهة التقلبات على أرضية من أزمات العواطف والهوية.

قام وارنر، أخيراً، بإصدار الجزء الثاني من هذه الرواية تحت عنوان «النجوم في سماء صافية»، حيث تجرى متابعة هذه المجموعة من الفتيات بعد عامين من الوقت الذي برزن خلاله على صفحات الرواية الأولى.

يبادر وارنر، في مستهل الحوار معه، إلى الإعراب عن اعتقاده بأنه وهو في الخامسة والأربعين من العمر يحس بأنه ليس متواصلاً مع جيل الفيسبوك، وبالتالي فإنه لم يجرؤ على جعل أحداث روايته الجديدة تدور في عام 2011، واختار بدلاً من ذلك أن يجعل هذه الأحداث تدور في صيف عام 2001. وهو يقول في هذا الصدد: «الحياة غريبة فيما بين السابعة عشرة والحادية والعشرين، حيث تجتاز تغيرات بالغة الغرابة».

يأتي هذا القول من الروائي الاسكتلندي في معرض الإجابة عن السؤال الذي يدور حول ما اجتذبه مجدداً للكتابة عن الشابات اللواتي يقفن عند منعطف سن النضج.

ويضيف: «في السنوات ما بين الأربعين والخامسة والأربعين لا يحدث الكثير في حياة المرء، وأنت لا تتطور على الإطلاق».

وهو يشير، في هذا الصدد، إلى أنه من بين بطلات روايته الأولى نجد في الرواية الجديدة أن «أماندا» قد أنجبت طفلاً، وأن تشيلا» و«كايلا» لاتزالان تعيشان في بورت، وهو المكان الروائي الأثير عند وارنر في المشهد الروائي للبلدة الصغيرة، حيث تكسب «تشيلا» عيشها من العمل في مجلس السياحة، بينما تعمل «كايلا» في متجر ووليز، وتمضي «فيوتولا» للدراسة في الجامعة، أما «أولا» فإنها تصاب بسرطان الدم.

إلى جانب «آفا» صديقة «كاي» و«فين» الشخصية الجديدة الثرية، فإن الفتيات يحاولن الانطلاق في عطلة، لكنهن لأسباب عدة يجدن أنفسهم في مطار جاتويك عاجزات عن الانطلاق في رحلتهن المنشودة.

يرى وارنر أن القراء لابد لهم من التوقف طويلاً عند شخصيته «ماندا» المحورية في الرواية، والتي تبدو جهمة وفظيعة وغير واعية بنفسها بالمرة، ومن الواضح أن المؤلف نفسه يستشعر ضعفاً خاصاً حيال هذه الشخصية العجيبة.

ويضيف: «معظم الناس في بريطانيا، كما في معظم أرجاء العالم، ينحدرون من بلدات صغيرة، مثل ماندا، ولكنك لا تسمعهم يتحدثون كثيراً عن ذلك».

ويتابع: «إن ماندا تجسد المدى الذي ينطلق إليه المجتمع البريطاني في الاهتمام الاستحواذي بالمكانة، الهاتف النقال المناسب، الحذاء المناسب، الدار الواقعة في نطاق الرمز البريدي المناسب، لقد أصبحت الطبقة هي الأداة المناسبة فحسب لتحقيق ذلك». من المهم أن نلاحظ أن وارنر نفسه ينحدر من بلدة صغيرة، تدعى «أوبان» على الساحل الاسكتلندي الغربي، ولم يغادرها إلا عندما بلغ الحادية والعشرين من عمره.

والكثير من رواياته تدور حول رحلات ساحرة من نوع ما تمتزج بعمليات تحليق تشرديه في سرد القصص. وعلى سبيل المثال، فإن روايته الأولى الصادرة عام 1995 بعنوان «مورفرن كالار» تدور حول شابة تبذر في إنفاق مقدم مستحقات كتاب صديقها المتوفى على رحلة تقوم بها إلى منتجع إيبيزا، وقد تم تحويلها إلى فيلم تلعب بطولته سامنثا مورتون عام 2002 بعنوان «الرجل الذي يمشي».

يقول وارنر: «منذ خروجي من بلدة أوبان، كانت حياتي مغامرة واحدة كبيرة. ومن الناحية النفسية والانفعالية، فإنني مازالت هناك، ولكنني باعتباري كاتباً فإنني مراقب يتابع ما يجري بمزيد من الاهتمام».

يعيش ارفين ويلش، المشارك الأدبي لوارنر في إثارة الجحيم، في أيرلندا بدوره، ولايزال الصديقان القديمان يخرجان سويا بين الحين والآخر للتردد على المقاهي والانخراط في مناقشات أدبية لا تنتهي.

من بين هذين الكاتبين، فإن ويلش هو الذي سيظل متمتعاً على الدوام بالشهرة، ولكن وارنر برز باعتباره الكاتب الأكثر إثارة للاهتمام، حيث يقدم صياغة بالغة الصدق والدقة للحديث اليومي باللهجة العامية، تبدو غالباً سوريالية، حافلة بشعور عدمي بالعنف والظلام والدهشة. ويقول وارنر: «بالنسبة لي فان كل شيء مستمد من جيمس كيلمان، الذي فاز بجائزة بوكر عام 1994 عن روايته «كم كان الأمر متأخرا»، كم كان كذلك!». فكتابته تدور حول الكيفية التي يتحدث بها الناس فعلاً.

ومن المؤكد أن وارنر تتميز شخصياته بالصيغة التي لا سبيل إلى الخطأ بشأنها، والتي تتحدث بها.

وهو يقول في هذا الشأن: «إنني اهتم بالناس الذين يعيشون يومهم، سواء أكان خيراً أم شراً».

ويضحك متابعاً: «إن لشخصياتي وعياً بالأخلاق، ولديها إحساس متألق بالجمال والرهبة والحنق».

ورداً على إشارة بعض النقاد إلى أن بعض مقاطع روايات وارنر، وبصفة خاصة روايته الأخيرة، تميل إلى اتخاذ الطابع السكوني، فإنه يبادر إلى القول: «لقد لاحظت أن هناك اتجاهاً بالنسبة لبعض كتبي إلى أن تصبح سكونية تماماً، فهناك الكثير من الجلوس، وأنا أحب ذلك.

وأعتقد أن ذلك مصدر قوة لا ضعفا في كتبي، فأنا أميل بطبيعتي إلى المراقبة والإصغاء، لذا فإنني أحاول إظهار الأشياء بصورة طبيعية بقدر الإمكان». وفي معرض التعقيب على تساؤلات النقاد حول مدى إحكام عملية انتقال البطلات من سنوات المراهقة في الرواية الأولى إلى مطالع سنوات النضج في الرواية الجديدة يقول وارنر إن الفتيات يتقدمن في سنوات العمر، بالطبع، ولكن ليس بالضرورة في النضج والحكمة. وهو يوضح أن القراء سيكتشفون أن اثنتين من البطلات العتيدات، وهما «كاي»، و«فين» قد التحقتا بالجامعة.

حيث تدرس «كاي» العمارة في جامعة أدنبرة، وتدرس «فين» الفلسفة في لندن، بينما لاتزال «كايلا» و«تشيلا» و«ماندا.. في بورت، حيث يعملن في مهن مختلفة ما بين مجلس السياحة ومتجر وصالون للتجميل، أما الشخصية الرئيسية الباقية في الرواية الأولى.

وهي «أورلا»، فقد ماتت بعد معاناة من الإصابة بسرطان الدم، وحلت محلها في الرواية الجديدة، وإن لم يكن في مجموعة الفتيات، «أفا» صديقة «فين» الثرية. والقراء يصادفون مجموعة الصديقات في ليل الأربعاء في نهاية صيف 2001، وهن يحاولن الانطلاق في عطلة عبر مطار جاتويك.

ويشير وارنر إلى أنه ما من امرأة من النسوة الست تدفع إلى مرتبة البطولة المطلقة على حساب الأخريات، فوجهة النظر التي تطرح على القراء تنتقل بينهن بسهولة، بحيث أن القارئ لا يحظى فقط بميزة الاطلاع على كل أفكارهن الخاصة، وإنما يراهن جميعاً من خلال رؤية كل منهما للأخرى، ويرى المجموعة كلها من الداخل ومن الخارج، أي كما ترى المجموعة نفسها بالفعل، وكما يراها من يحيطون بها، وأخيراً كما هي على وجه الدقة.

يضرب وارنر مثالاً لشخصية «ماندا» التي لا يتردد في القول إنه يستشعر ضعفاً خاصاً حيالها، فهي أمرأة أميل إلى الامتلاء، عالية الصوت، جاهلة، لا تتورع عن إطلاق الريح والتجشؤ والتقيؤ، ولا تردد في التهام شطائر الأغذية السريعة. يلمح وارنر في الحوار معه إلى أنه يطرح من خلال روايته الجديدة العديد من المشكلات التي تتعرض لها بريطانيا اليوم.

بما في ذلك، الاجهاض، البدانة، الإفراط في الشراب وإساءة السلوك من جانب الشباب. غير أنه يشدد على ضرورة تجنب الخلط بين أعراض المشكلات وأسبابها، وهو يقول إنه يلقى الضوء على العديد من إخفاقات نقله إلى هنا النظام الطبقي البريطاني، بما في ذلك الإسكان الاجتماعي، التعليم، العلاقات الأنجلو ـــ اسكتلندية، الرأسمالية العالمية، تجارة المخدرات.

ويلفت المؤلف نظرنا إلى الطابع العادي للغاية الذي اعتمده سواء في حواره أو سيناريوهاته، ويؤكد حرصه على وضع يده على تقلب الديناميات الجماعية والتعامل معها بحساسية بالغة، ففي نهاية المطاف لا تدور هذه

الرواية حول الفوضى المتعلقة بعطلة تنظمها مجموعة من الفتيات، وإنما هناك تيارات أعمق على الصعيدين الشخصي والسياسي تفرض حضورها القوى على امتداد الرواية.

ويلفت وارنر نظرنا، على صعيد آخر، إلى أن فقدان البراءة يلون كل فصل من فصول الرواية الجديدة، سواء بالنسبة لمجموعة الفتيات أم بالنسبة للغرب على إطلاقه، حيث يتم استحضار هذا الجانب عبر أخ أكبر أو حبيب موغل في العمر، الأمر الذي يتيح للرواية أن تبدو كئيبة بصورة عميقة في بعض المواضع، وأن تطل جذابة ومسلية في مواضع أخرى.

ويشير وارنر إلى الحميمية التي تفرض نفسها في التعامل بين مجموعة الفتيات في غمار حياتهن الجماعية معاً، واشتراكهن في استخدام الحمامات والملابس على سبيل المثال، حيث نلاحظ أن مجموعة الفتيات الاسكتلنديات على الرغم من تطلعهن إلى الحياة الطبيعية لمن هن في أعمارهن، فإنهن يبقين أبعد ما يكن عن التكلف والاصطناع.

يؤكد المؤلف هنا أن يده السردية هي يد للحماية، وليست للاقتناص، فمن يرد اختلاس النظر للإطلال على الحياة الخاصة للفتيات لن يجد ما يرضى فضوله. كما تتعدد المقاطع الكوميدية في الرواية، جنباً إلى جنب مع الطابع الذي يشبه التنويم المغناطيسي الذي يضيفه المؤلف على سلوك مجموعة الفتيات.

وختاماً، يشير وارنر إلى حرصه على أن تحفل الرواية بالوصف الغنائي وبالحوار المتدفق حافلاً بالصدق وبالنزعة الطبيعية ومحاولات وضع أيدي القراء على تدفقات نهر الحياة في مجتمع بالغ التعقيد، ويشدد حرصه على تحليل مفاهيم الصداقة والحب والاغتراب بمزيد من القوة والتماسك عبر نسيج العمل وعلاقات الشخصيات، وليس التحليل النظري.