يوسف الشاروني كاتب دؤوب ما زال يواصل مسيرته الحافلة بالإبداع على مختلف أشكاله، فبعد بلوغه من العمر الـ 87 عاماً مازال يواصل العطاء ــ وبغزارة حيث له في المطبعة الآن ما يقارب خمسة كتب.

 

يعترف يوسف الشاروني المصنف بأنه أحد أهم كتاب القصة في جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية بأنه فشل في أن يكون كاتبا متخصصاً، وأن الكتابة بالنسبة له تعني الحياة، كاشفا أن النقاد صنفوا كتاباته الأدبية بأنها تعبيرية فقال لهم موافق؛ وأكد أن نسبة الأمية 50 بالمئة في المجتمع العربي معظمهم من النساء وقال ان اليابان احتفلت منذ عامين بمحو أمية آخر فرد في الكمبيوتر، عن هذه المواضيع وغيرها كان هذا الحوار التالي:

ما رأيك فيمن يقول إن مصر مهددة بالدخول في فتنة طائفية، خاصة بعد الأحداث التي تلت ثورة 25 يناير والوقفات الاحتجاجية للأقباط؟

مصر كانت وما زالت بخير، كما أنه مهما حدث من محاولات لإثارة القلاقل والاختلاف بين المسلمين والمسيحيين فهذا لن ينجح، لأن المجتمع المصري نسيج واحد ومترابط، كما أن ما حدث مؤخرا هو بقايا وسلبيات العهد السابق وعودتها تعتبر بحد ذاتها نكسة لثورة 25 يناير التي قامت من أجل القضاء على النظام السابق وإلغائه، وفى رأيي أنه يمكن القضاء على أمثال هذه الفتن عن طريق التعليم والثقافة والإعلام.

المعروف عن يوسف الشاروني أنه كاتب قصصي، فلماذا اتجهت إلى كتابة الرواية الآن، الا ترى أنها أتت متأخرة بعض الشيء؟

أنا لا أحدد وقتا للأدب يأتي فيه أو لا يأتي، كما أنني حين أبدأ في كتابة عمل ما لا أحدد مسبقاً ما الذي سيكون عليه بعد إنجازه، وإنما أتركه يأخذ الشكل الذي يخرج عليه، فكتاباتي تكتب نفسها لأنني أكتب بحرية، ولم أقصد كتابة رواية بعد هذا العمر الطويل مع كتابة القصة.

وهل يمكن أن نطلق على (الغرق) رواية وثائقية أو تسجيلية، ولماذا أطلقت عليها (تحقيقاً روائياً)؟

من الممكن أن نقول عنها هذا، فمعظم مادة الرواية أخذتها من الصحف ووسائل الإعلام التي كانت تناقش موضوع غرق العبارة بكثرة، لذلك رأيت أنه من المناسب أن أطلق عليها تحقيقا روائيا، فهي ليست رواية خالصة وإنما نوع جديد من الأدب.

في بداياتك الأدبية تمردت على القوالب الأدبية السائدة كالواقعي والتقليدي واخترت التعبيري. لماذا؟

أنا لم أختره وإنما هو الذي اختارني، فبعد الحرب العالمية الثانية وجدت أنه حدث تطور في البشرية كسرعة المواصلات، وتطور الوسائل الإخبارية التي تتلقى من خلالها أكثر من خبر مختلف في الوقت نفسه، وتكاثر الناس (الزحمة) الذي كتبت عنه في مجموعتي (الزحام) والذي أوجد أخلاقيات جديدة ومشاكل جديدة، وهو ما جعلني أفكر بهذه الطريقة حتى تتلاءم مع تطورات العصر، والنقاد بعد ذلك قالوا إن هذه الكتابة تعبيرية، فقلت لهم موافق على هذا.

دائماً ما تقول إن قصصك تحمل شكلا جديدا. لماذا؟

لأن كل قصة لديّ ليست موضوعا جديدا فقط وإنما شكل جديد أيضا، فأنا أخذت قصصا قصيرة عن روايات، فكتبت قصتين استوحيتهما من أعمال نجيب محفوظ وهما (مصرع عباس الحلو) و(زيطة صانع العاهات) وكل واحدة منهما لها شكل مختلف، لذلك لا أكتب قصتين بنفس الشكل، وكمثال قصة (الزحام) لم يكن بها حروف عطف أو أسماء وصل حتى تكون الكلمات متزاحمة في القصة تزاحم الناس في الواقع.

يوسف الشاروني مُقلّ في أعماله الأدبية. لماذا؟

لست مُقلاً فلديّ في المطبعة خمسة كتب يتم طباعتها، أحدها عن شخصيات رحلت عن عالمنا، وأرى أنها تستحق الجوائز، ولذلك أكرمها تكريما رمزيا، وآخر بعنوان (رحلة عمر مع نجيب محفوظ)، وأتحدث فيه عن ذكرياتى معه، فرصيدي يزيد على الـ 53 كتاباً متنوعاً ما بين كتابات أدبية وفكرية وشعرية ونقدية.

قلت إنك قصدت أن تتسم كتاباتك بالغرائبية.. لماذا؟

لم أقصد أن أقول هذا، وإنما ما قصدته أنها تخرج وحدها، فأنا لا أسيطر على إبداعي، وإنما أتركه يأخذ الشكل الذي يخرج به.

المعروف عن يوسف الشاروني أنه كاتب متعدد، حيث كتب القصة والشعر والنقد والرواية. الا تجد أن ذلك شيء مرهق؟

لا أبدا، أنا أفعل هذا مثلما آكل أو أشرب أو أتنفس، وحاولت كثيرا أن أتوقف عن هذا التعدد وأركز على مجال واحد ولكنني للأسف فشلت في أن أكون كاتبا متخصصا.

ما الذي تعنيه الكتابة بالنسبة لك؟

هي جزء من وجودي، ودونها لا أكون يوسف الشاروني.

 

إبداع المرأة

توقفت كثيرا في كتابك (حفيدات شهرزاد) عند عدد كبير من أعمال المرأة القصصية والروائية. كيف ترى إبداع المرأة الآن؟

يتطور تطوراً سريعاً وجيداً، حيث تكتب المرأة الآن في نفس المواضيع التي يختارها الرجل، بل ربما تعبر عنها أفضل منه، ولا يشترط أن تكون موضوعات تتصل بالأدب النسائي فقط.

هل تؤمن بتقسيم الأدب حسب النوع (رجل - امرأة)؟

بالطبع لا، لأن الأدب هو أدب ولكن المرأة لديها اهتمامات مختلفة، فعلى سبيل المثال إحسان عبدالقدوس هو أفضل من عبر عن المرأة ربما أكثر من السيدات أنفسهن، ولكن المرأة لديها مشاعر خاصة بها تستطيع أن تعبر عنها بطريقة أفضل من الرجل، والفروق بينهما بدأت تضمحل عندما صارت المرأة تدرس في الخارج وتعمل، ففي المراحل السابقة كان للمرأة دور مختلف ومحدود، بينما أصبحت الآن الأدوار متقاربة جدا، إذن فالإبداع متقارب.

قلت إن النقد والإبداع عمليتان متجاورتان، لكن الا ترى أن مشروعك النقدي والدراسات الأدبية أثرت على مشروعك الأدبي؟

بالتأكيد أثرت عليه في الكم، ولكنها أفادته في الكيف، فكتابة النقد تجعلني عندما أكتب قصة يكون الناقد موجودا لديّ في اللاوعي، فأقوم بدورين مختلفين، الناقد والكاتب.

برأيك ما الدور الحقيقي للناقد؟

أن يقدم نقده بكل صدق وأمانة، وأن يحرص على أن يطلع القارئ على العمل الأدبي ولا يفرض رأيه عليه ويترك له حرية الحكم، ويقول (هذه قراءتي للعمل)، فعندما أكتب نقدا على العمل أجعله في آخر الكتاب وليس في أوله، حتى إذا فرغ القارئ من الكتاب يطلع على نقدي ليرى إن كان متفقا معي أم لا حتى لا يكون لديه حكم جاهز ومسبق على العمل قبل أن يقرأه.

كيف ترى الواقع النقدي الآن؟

برأيي أن هناك جيلا جديدا وجيدا من النقاد الشباب الآن، ولكن مشكلة النقد الآن هي كثرة الإبداع الموجودة على الساحة التي لا يستطيع النقاد أن يتابعوها كلها، فأساتذة الجامعة على سبيل المثال لا يكتبون كلهم النقد بسبب انشغالهم بالتدريس، فالذين يكتبون نقدا أقل من المبدعين بكثير.

 

الخيال العلمي

كتبت نقدا عن الخيال العلمي وشجعت آخرين على الكتابة فيه. ما أهمية كتابة الخيال العلمي؟ وهل هو مطروح على الساحة لدينا الآن؟

الخيال العلمي موضوع الساعة، وفي أوروبا كتبوا كثيرا عنه، ولكن لأننا متأخرون علميا فإن من يكتب هذا النوع من الأدب قليل جدا، فأحد كتب نهاد شريف تحول إلى فيلم، ورغم ذلك لم ينتشر كثيرا لأننا في مجتمع لا يهتم بالعلم.

بصفتك ناقدا كيف ترى كتابات الأدباء الشبان الآن؟

جيدة ويوجد منهم عدد كبير موهوب، فأنا من ضمن المحكمين في جوائز الدولة واضطلعت على حوالي 36 عملا يوجد من بينها 25 عملا جيدا، وأعتقد أننا سنحتار عند اختيارنا عملا واحدا ليفوز بالجائزة.

لماذا برأيك لدينا أزمة في القراءة بالوطن العربي؟

لأننا لدينا أزمة أمية في العالم العربي إذ يوجد ما يقارب الخمسين بالمئة يعانون من الامية خاصة عند النساء، فعلى سبيل المثال كاسترو في كوبا أعطى طلاب الجامعات إجازة لمدة عام وكل طالب عليه أن يعلم 20 أميا، فاستطاع أن يقضي على الأمية تماما، أما في اليابان فمنذ عامين احتفلوا بمحو أمية آخر فرد لديهم في الكمبيوتر، أما نحن فمنذ أيام الملك فاروق أقمنا مشروع محو الأمية الذي يطلقون عليه (محو الأمية).

وهذا عار على الشعب العربي أن تكون لديه أمية بهذا الشكل، هذا غير أمية المتعلمين الذين لا يقرأون بعد أن ينهوا تعليمهم الجامعي والذين تقتصر قراءاتهم على الصحف فقط.

ولماذا أصبح دور المثقف هامشيا في مجتمعنا الآن؟

لأن معظم الشعب غير متعلم، فعندما يتعلم الشعب سيكون للمثقف قيمة أكثر.

 

الجوائز والمبدع

حصلت على عدة جوائز منها جائزة الدولة التقديرية في الآداب. برأيك ما أهمية التكريم في حياة الأديب؟

التكريم يكون تشجيعا له، واعترافا جيدا به في مجال ترتفع فيه نسبة الأمية سواء لدى المتعلمين أو غيرهم، وأعكف حاليا على تأليف كتاب بعنوان (الجائزة)، حيث اكتشفت أن هناك مقالات مكتوبة عني منذ عام 1960 كتبها كامل زهيري وغيره منذ ذلك الوقت وإلى الآن، وهو يتكون من جزأين.

 

جذور

ماذا عن مضمون وفكرة قصتك » الحياة الميته«؟

كتب قصة قصيرة بنفس موضوع رواية (الغرق) عن امرأة تعمل بإحدى دول الخليج وأولادها موجودون بمصر فأرادت أن تراهم بعد ثلاثة أشهر من سفرها، وكانت ستركب العبارة التي غرقت بالبحر الأحمر، ولكنها اكتشفت أن الكفيل لم يعطها تذكرة السفر؛ لذلك تأجل سفرها.

وفي الوقت نفسه وصل الخبر لأهلها بأنها غرقت مع من غرق واعتقدوا أنها ماتت، وأخذوا إحدى الجثث مجهولة الهوية وقالوا إنها هي من أجل المال، ولكن بعد أسبوع اتصلت بهم من مدينة السويس لتخبرهم بأنها وصلت مصر، والمشكلة هنا تريد أن تثبت أنها مازالت على قيد الحياة، ولذلك أطلقت عليها قصة الحياة الميتة التي انتهت بأنها مازالت تدور في دهاليز الروتين، وتبحث عن إثبات وجودها وشخصيتها.

ماسبيل تعزيز وحدتنا الوطنية؟

يؤكد يوسف الشاروني أنه لابد من أن تتكاتف الجهود لقطع الطريق على أي فتنة طائفية والعمل على تعميق جذور الوحدة الوطنية في أنفس المصريين مرة أخرى بعد أن أصبحت هشة وسطحية يمكن زعزعتها بأي عمل طائش من قبل بعض الأفراد.