يتناول فنان الكاريكاتير السوري عبدالله بصمجي في رسومه التي ينشرها في صحف ومجلات سورية وعربيّة عدة، موضوعات سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة مختلفة، تفضح بالسخرية المرة اللاذعة، ما يسود عالمنا العربي من تخاذل ومفارقات ولا معقول، يعتمد فيها (بشكل عام) على لغة الرسم والإشارة الخالية من التعليق والنصوص المساعدة التي يلجأ إليها، عدد كبير من رسامي الكاريكاتير العرب والأجانب.
يصنف الفنان بصمجي ضمن فئة رسامي الكاريكاتير الذين لا يلجأون إلى الإسنــادات المكتوبة لتوضيح أفكارهم ومواقفهـــم من هذا الحدث أو ذاك، وإنما يُسخّرون لغة الرسم والإشارة، والقليل من العبارات، لتأدية هذه المهمة. وهذا النوع من الكاريكاتير أقرب ما يكون للفن التشكيلي والموسيقى، ذلك لأنـــه لا يحتاج إلى ترجمة أو شروح مستفيضة، للوصول إلى الآخر، على اختلاف لغته وجنسيته.
وإنما يحتاج إلى تأمل جيد، وقراءة متأنية، لما تركه الرسام فوق سطح رسمته، من خطوط وألوان وشخوص وأشكال ومصطلحات متفق عليها عالمياً، للوقوف على مراميها وأهدافها ومعانيها، وهذا النوع من الكاريكاتير هو السائد في العالم اليوم، وهو المرغوب والمطلوب من الصحف والمجلات كافة.
عبدالله بصمجي من مواليد حلب عام 1957. درس الفن بنفسه وعمّقه بانكبابه المجتهد والمتواصل على الإنتاج الفني الغرافيكي، بدءاً من فن الكاريكاتير، وانتهاءً برسوم الأطفال وفنون الكتاب والإخراج الصحافي، أو ما اصطلح على تسميته اليوم (التصميم الغرافيكي).
بدأ تجربته الفنيّة الكاريكاتيريّة في جريدة «الثورة» الدمشقيّة، ثم في أسبوعية «الموقف الرياضي» الصادرة عنها (من عام 1982 إلى 1988). بعدها انتقل إلى مجلة «الكفاح العربي» ثم «الناقد» فـ «النقاد». ومنذ العام 2000، يرسم الكاريكاتير الثقافي اليومي لجريدة «الوطن» السعوديّة.
البيت العربي
يتناول في أعماله بشكل عام، المواضيع السياسيّة العربيّة، لاعتقاده أن البيت العربي الحالي أولى بالاهتمام من غيره. وبالتالي بالنقد والتشريح والترتيب، ومتى تم ذلك، فإن كافة التداعيات الأخرى ستنتهي وتزول. من أجل هذا، يتوجه الفنان بصمجي إلى لب المشكلة، وبشكل مباشر وصريح وليس إلى تداعياتها: محللاً وموضحاً وشارحاً وناقداً ومنبهاً، عبر لغة كاريكاتيرية لا تخاتل أو تجامل أو تموه، بل تتجه مباشرة إلى موضع الألم (أي الجرح)، وتسمي الأشياء بأسمائها، وبشيء من الفجاجة أحياناً.
خبرات تقانيّة
اشتغال الفنان عبدالله بصمجي في أكثر من مجال (غرافيكي) انعكس بوضوح في رسومه والتقانـــات الخطيّــة واللونيّة التي يستعملهــا في إنجازها، وهي تقانات تعتمد على المهارة اليدويّة الخالصة الناهضة على موهبته الحقيقية المؤكدة، وهي تقنية، أو وسيلة تعبير لا يسعفه فيها الحاسوب الذي بات مُتكأً لغالبية رسامي الكاريكاتير في العالم.
لقد أوجد الفنان بصمجي لنفسه تقنيته الخاصة به، يتواكب فيها الخط (الرسم) مع اللون، والفكرة مع وسيلة التعبير، فالهيئات الإنسانيّة، والمفردات التشكيلية الأخرى، والرموز والإشارات والمصطلحات والقليل من العبارات التعريفيّة الضروريّة التي يعتمدها في رسومه: تساهم جميعها، في تقديم فكرة هذه الرسوم، وهي فكرة واضحة، مقروءة، متكاملة، تأخذ طريقها مباشرةً إلى المتلقي الذي لا مندوحة أمامه من الابتسام، لكن من الألم وبشاعة الواقع، ورداءة هذا الزمن العجيب، ليس في بلادنا العربية العتيدة فحسب، وإنما على الساحة العالمية كافة.
وسيلة التعبير لدى عبدالله بصمجي، تنم عن خبرة وموهبة واضحتين. فالخط (الرسم) لديه يُحيط الشخوص والأشكال بكثير من الليونة والسلاسة والقوة وعدم التردد والاستيعاب الكامل للتفاصيل اللازمة لتقديم الفكرة. وينساح اللون ضمن الحدود المرسومة له، بنظافة وشفافية متدرجة، توحي بالتجسيم والاستدارة، وتالياً بالحضور القوي في جسد الرسمة.
ونتيجة الخبرات المتراكمة التي جمّعها الفنان بممارسته الدؤوبة المتواصلة لهذا الفن المتنامي الأهمية والحضور في الصحافة المقروءة، أصبح يمتلك ناصية التعامل مع مفرداته التشكيلية، ويقوم بتوظيفها بالشكل الأمثل، لخدمة مضمون العمل أو فكرته.
وبشكل واضح ومعبّر، دون الإمعان في الاتكاء على الرموز والإشارات، بل يكتفي بالمفيد والضروري لإيصال الفكرة إلى المتلقي، من كافة جوانبها القريبــة والبعيدة، المباشرة وغير المباشرة، الواضحة والمرمّـــزة، دون الإيغال في الإبهام أو الإيهام أو الدلالات المبطنة والاستعارات والإسقاطـــات، بل يقدم موقفه مما يجري حوله، بصراحة متناهية، وجرأة مدهشة، ومباشريّة تصل حد الفجاجة المؤلمة، والجارحة والباسمة في آن معاً!
يرى الفنان عبدالله بصمجي أن أهم المصاعب التي تواجه رسام الكاريكاتير العربي هو «الرقيب» بأشكالــه المختلفة، لذلك لا بد من التلاعب عليه وإيصال الفكرة أو الرسالة للمتلقي، حيث تشبه العلاقة بين «الرقيب» و«المبدع في هذا المجال» العلاقة بين «تــوم» و«جيري» في أفلام الكرتون المشهورة، والمفارقة بالنسبة له هي أنه يقوم بتصدير أفكاره للخارج، ثم يستوردها عن طريق نفس الرقيب!!.
الفنان بصمجي، وكما نقرأ من ملامح وجهه في الواقع وفي الرسوم الكاريكاتيريّة التي عالج فيها شخصيته (وبالتحديد وجهه)، أو كما نقرأها في أفكاره ومشاغباته المبثوثة بين خطوطه وألوانه، وأشكاله: رجل مهموم، غاضب، حزين، يائس، مسكون بالخيبات من رأسه إلى أخمص قدميه.
وهو رجل جدي، حساس، غيور على أمته، منحاز كلياً للفقراء والمسحوقين والمضطهدين وأصحاب اليد والقلوب النظيفة الغيــورة على ناسها وبلدانها، الوفية لمبادئها النبيلة، المنتصرة للحرية والعدل والمســاواة وتكافؤ الفرص ؛ وتالياً هو ضد المزاودين، واللصوص الذين باتت لهم أشكال وألوان مختلفة هذه الأيام، والمتاجرين بقوت شعوبهم ومستقبلها، ومحــولي أوطانهــم إلى مزارع شخصية لهم ولعائلتهم، ومزدوجي الشخصية والسلوك، والأفاقين الكاذبين على أنفسهم وعلى الناس.
ولأن الواقع العربي الحالي، تنقصه الحرية، والعدل، وتكافؤ الفرص، والمساواة، ويفتقد الرجال الغيورين عليه، والعاملين بإخلاص، لتغييره نحو الأفضل والأجمل والأرقى، فهو لا يبتسم، ولا يضحك، ولا يجامل، ولا يفتعل المواقف، وحتى إن ضحك (ونادراً ما يفعل ذلك) فلضرورة الفكرة، ومتطلبات تقديمها بالشكل الأمثل للمتلقي، لا سيما وأن هذا المتلقي العربي المسكين، بات من كثرة الهموم والمشاكل والمآسي والويلات التي يعاني منها، بحاجة ماسة، بين الحين والآخر إلى جرعة من الابتسام والفرح، ليشعر أنه لا زال على قيد الحياة، أو ليتوهم أنه كذلك!!.

