تجدد الاهتمام برواية «قطار ليك شور» للروائية الأميركية سو ميللر، التي وصفت بأنها تجسيد بارز للاغتراب في مواجهة ما يفرض على الناس قصراً، وبالتالي فهي تشكل قراءة في مشاعر أميركا بعد إغلاق كتاب أحداث سبتمبر بالنسبة لمعظم الأميركيين، وبادر موقع راندوم الثقافي إلى اجراء حوار مع سوميللر في هذا الاطار، أعربت فيه عن اعتقادها أن بناء حياة الناس ورسم ملامح تواريخهم يشكلان أبرز الجوانب المحببة لديها في عملية الإبداع الأدبي.
وفيما يلي نص الحوار: تستمد روايتك الجديدة «قطار ليك شور» عنوانها من القطار الشهير، ولكنه في الوقت نفسه عنوان مسرحية مدرجة في هذه الرواية، مسرحية عن تفجير إرهابي لذلك القطار فيما هو يقترب من محطة يونيون في شيكاغو، ورجل ينتظر لسماع ما إذا كانت زوجته المنفصلة عنه بين الناجين من عدمه.
وقد انتظرت بيلي جيرتز، المرأة التي ألفت المسرحية، بهذه الطريقة نفسها خلالها أحداث سبتمبر لسماع ما إذا كان حبيبها، جاس، أحد الركاب على متن إحدى الطائرات التي استخدمت في تلك الأحداث.
هل هناك حدث محدد أطلق شرارة روايتك؟
نعم، فقد جاءت الشرارة من صديقة كانت لها علاقة كان يمكن أن تنتهي قبل ما حدث فعلاً لولا أن شقيق حبيبها لقي حتفه في أحداث سبتمبر، وبينما لا يشبه الموقف ذلك الذي أبدعته بالنسبة لبيلي، الكاتبة المسرحية التي تخيلتها، فإن هذا الموقف دفعني إلى التفكير في المدى البعيد الذي يمكن أن يصل إليه هذا الحدث.
وتعدد ردود الفعل الذي تدور حوله، حتى عن بعد، والطريقة التي ترتكز بها الاستجابات على أساس المشاعر التي ربما لا يمكن توقعها، أي الطريقة التي نستدعي بها في بعض الأحيان للقيام بشيء لا نحس به والشعور بعدم الارتياح والاغتراب عن ذواتنا الذي ينبع من ذلك.
في روايتك يجد القارئ نفسه أمام أربع شخصيات رئيسية تستعصي على النسيان، تستدعيه إلى المضي قدماً في قراءة هذه الرواية حتى سطورها الأخيرة، فهل لك في إلقاء الضوء على هذه الشخصيات الأربع؟
الشخصية الأولى من بين الشخصيات الأربع التي يواجهها القارئ في الرواية هي فيلهلمينا بيلي جيرز، الصغيرة حجماً مثلما طفلة، المستقلة على نحو شديد الضراوة، والملتزمة بقوة بعملها ككاتبة مسرحية. وتدور الرواية نفسها حول «قطار ليك شور»، وهي المسرحية التي كتبتها بيلي حول حادث تفجير إرهابي لذلك القطار فيما هو يقترب من محطة يونيون في شيكاغو.
وعن رجل ينتظر لسماع مصير زوجته المفترقة عنه، والتي كانت تسافر على متن ذلك القطار. وكانت بيلي قد انتظرت بمثل هذه الطريقة بالضبط في أحداث الحادي عشر من سبتمبر لسماع ما إذا كان حبيبها جاس على متن إحدى الطائرات التي استخدمت في هذه الأحداث.
وتنتقل الرواية من غابات فرمونت المليئة بالثلج إلى أرصفة بوسطن الطوبية التي يكسوها المطر، فيما حياة الشخصيات الأخرى تتقاطع وتتداخل مع حياة بيلي، وهناك ليلى، أخت جاس، التي لايزال الحزن يهيمن عليها بعد سنوات من موت أخيها. وهناك أيضاً راف، الممثل الذي يرتفع إلى سمت العظمة في الأداء، مستمداً الإلهام من ليلة فريدة من العشق الذي يستعصي على النسيان.
وهناك أيضاً سام، وهو رجل يجد نفسه مجتذباً على نحو لا سبيل إلى مقاومته نحو بيلي، بعد أن يشاهد المسرحية التي تصور بوضوح الصراعات الفظيعة والتضاربات المتعلقة بموقفها.
وهكذا يجد القارئ نفسه أمام قصة حب قوية، أمام حكاية قوامها التداخلات والارتباطات والخسائر، التي لا سبيل إلى إدخال العزاء على نفوس من يتعرضون لها، فلا يملك القارئ إلا الشعور بأنه أمام تأمل فريد في معاني البهاء والحزن، تأمل في الفن والحياة، يرقى إلى أن ذروة ما قدمته من أعمال في عالم الكتابة والإبداع حتى الآن، على الأقل بحسب تقديري.
بيلي جيرتز هي في روايتك كاتبة مسرحية، أما أنت، ياسو ميللر، فإنك كاتبة روائية. وهناك فيما يبدو تداخل كبير بين هاتين المهنتين. وعند أحد المنعطفات تدخل بيلي في جدل مع حبيبها جاس، حيث يشعر جاس بالضيق من أن بيلي قد استخدمت لحظة خاصة بينهما لتوظيفها في إحدى مسرحياتها. وتقول بيلي:
«إنني أستخدم ذاتي، ياجاس، أستخدم نفسي، فأنا بحاجة إلى ذاتي كلها، وإذا كنت معي، فإن ذلك يعني أن أستخدمك أيضاً. فأنا أستخدم كل شيء. كيف يمكن ألا أفعل ذلك؟ ومالا أستخدمه فإنني لا أستخدمه لأنه لا يفيد، وليس لأنه مقدس، فما من شيء مقدس. تلك هي طبائع الأشياء». هل هذه المحادثة منتزعة من حياتك الشخصية؟
كنت قد فكرت أصلاً في جعل بيلي مخرجة مسرحية، مخرجة تشتغل على مسرحية مثل «قطار ليك شور»، ثم بدأت في التفكير في أنني أريد أن تكون الصلة بين ما تشتغل عليه وبين تجربتها مع جاس أكثر من مجرد مصادفة أو حادثة، ولذا جعلتها مؤلفة مسرحية، وبينما لم تشهد حياتي الخاصة، على وجه الدقة، هذه المحادثة التي جرت بين بيلي وجاس، فإنني غالباً ما فكرت في الحدود القصوى بالنسبة للكتاب والمبدعين فيما يتعلق بما يستخدمونه من حياتهم ومن حياة الآخرين في صميم عملية الكتابة على نحو ما يقومون بها.
ومن الواضح أن هناك اختلافات كبيرة بين الطريقة التي يشتغل بها الكتاب والمبدعون على المادة التي تصل إليهم من خلال عيشهم في عائلات ووجود أحباء وأقارب وأطفال وأصدقاء بل وحيوانات مدللة لهم. وأعتقد أنني ربما وقفت موقفاً وسطاً فيما يتعلق باستخدام مثل هذه المادة.
وفي نهاية المطاف فإننا جميعاً نستدعي ما نعرفه، وربما كان الفارق الأعظم يكمن في درجة تحويل المادة، وربما يرجع جانب من السبب في أنني لم أجر مع أحد قط المحادثة التي تجاذبت بيلي أطرافها مع جاس هو أنني قمت بتحويل ما استخدمته. وهذا التحويل هو جوهر المسألة.
كيف تقومين بإجراء أبحاث عن الأمور المحددة والدقيقة التي تكتبين عنها؟ على سبيل المثال كيف تعرفين بتفاصيل عملية تقديم مسرحية إلى الجمهور؟
مع كل كتاب جديد أقوم بتأليفه، يأتي قدر محدود على الأقل من عملية البحث، وفي بعض الأحيان يمكن الوصول إلى ما أريده من خلال القراءة، وقد قمت بقراءة الكثير حول أحداث سبتمبر من أجل روايتي الجديدة، وتجربة الناس الذين فقدوا عائلاتهم في تلك الأحداث.
وكذلك تاريخ كيفية وقوعها والمسار الزمني للطائرات وقصة المكالمات الهاتفية، بل وقراءة العديد من الكتب التي تدور حول الأحداث ذاتها، مثل كتاب «المهمة». ومن المؤكد أن جانباً كبيراً مما قرأته لم يشق طريقه إلى كتابي، ولكن هذا هو جوهر الأمر.
وحسبما أرى فإن جوهر الأمر هو أن أشعر بأن بمقدوري البدء في فهم ما جرى. أما فيما يتعلق بالمسرحية فقد تابعت عن كثب إنتاج مسرحية في مسرح أورورا في بيركلي، في ربيع عام 2008، وراقبت ما يجري ودونت ملاحظات ابتداء من المرحلة المبكرة المتعلقة ببروفات الطاولة وصولاً إلى الحركة في مشهد شجار محتدم، ومن ثم الإنتاج النهائي للمسرحية. وكان ذلك شيئاً فاتنا وليس مفيداً وضرورياً فقط.
كيف تقومين بعملية الكتابة؟ كيف تكتبين ومتى وما إلى ذلك من تفاصيل؟
إنني أدون الكثير من الملاحظات قبل البدء في عملية الكتابة الفعلية، فأنا أريد أن أعرف ما أقوم به، وإلى أين أمضي. أريد أن أشعر بأنني أشتغل على شيء متكامل، وفكرته واضحة تمام الوضوح في ذهني، بالطريقة ذاتها التي يعرف بها مهندس معماري ما يريده من دون أن يعرف تفاصيله كافة منذ البداية، أو بالطريقة التي يعرف مؤلف موسيقي بها ما يريد لمقطوعة موسيقية أن تنجزه، الطريقة التي يريد المقطوعة بها أن تتطور بها من دون أن يعرف كل الثيمات التي تتضمنها. وأنا أكتب مخطوطة باليد في صورة مسودة أولى، ثم أقوم بصفها كمبيوترياً، عندما أشعر بأنني جاهزة للاشتغال على المراجعة.
وفي بعض الأحيان يكون الاشتغال على جزء صغير من العمل، على فصل واحد فقط، وفي أحيان أخرى يكون على جزء كبير من الكتاب، وأقوم بالصف والسحب والمراجعة يدوياً، وأكرر هذه العملية مراراً وتكراراً. وأحاول الكتابة في الصباح، قبل أن أغرق في متطلبات الحياة اليومية، على الرغم من أن هذه المتطلبات قد أصبحت أكثر يسراً بالنسبة لي الآن، حيث لم تعد تقع على عاتقي مسؤولية عن طفل. وقرابة الوصول إلى نهاية الكتاب تواجهني أيام عمل أطول.
يبدو النثر كما يطل في الرواية محلقاً عالياً إلى آفاق الغنائية ورسمك للشخصيات شديد الثراء والاقتدار، وبالمقابل أشار بعض النقاد إلى أن المنهاج الذي استخدمته في إنجاز الرواية ليس الأكثر ملاءمة لها، فما هو تعقيبك على ذلك؟
المنهاج الذي استخدمته في إنجاز الرواية يتسم بالجمع بين الوضوح والبساطة حيث قسمت السرد بين الشخصيات، وحرصت على أن يقدم كل جزء من الرواية المزيد من أحداثها، وهو منهاج سبق لي الاشتغال به في العديد من أعمالي، وأنا لا أوافق على تصور البعض أن هذا المنهاج يبطئ من تطوير الرواية، وأعتقد أنه ليس صحيحاً أنه يضفي بروداً على بعض الشخصيات، وأعتقد أن هذا المنهاج يسهل على القارئ التفاعل مع الشخصيات واستيعاب الأحداث في تواليها وتتابعها.
نلاحظ أن كل شخصية من شخصيات الرواية الأربع الرئيسية ترتبط بالشخصيات الأخرى بدرجة من الانفصال، فهل كان ذلك مقصوداً؟
دعني آخذ، على سبيل المثال، شخصية بيلي، الكاتبة المسرحية التي ألفت مسرحية حول حادث التفجير الإرهابي للقطار. وفي حياتها الفعلية نعرف أنها فقدت حبيبها جاس في غمار أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي انطلاقنا في قراءة الرواية يسمح لها بإدراك كم من مسرحيتها يدور حقاً حولها وحول الجوانب الشخصية من ذاتها.
وهي شأننا جميعاً تستخدم أقنعة لحماية خصوصيتها، وعملها كاتبة مسرحية يعطيها وسائل إضافية تستطيع من خلالها أن تخفي نفسها أو تكشف عنها وتعرفها. والقراء يتابعون أيضاً شخصية ليلى، أخت جاس التي تكبره بأربعة عشر عاماً، فنجدها تتمسك بالاعتقاد بأن جاس وبيلي كان يمكن أن يتزوجا لولا وفاة جاس.
وهي تحس باحتياج قوي أن ترعى بيلي وتساعدها على تجاوز خسارتها المأساوية، وهي ترغب كذلك في مساعدة بيلي على المضي قدماً في الحياة، وتخشى في الوقت ذاته من قيام بيلي بهذا على وجه الدقة.
وهي، شأن باقي الشخصيات، مليئة بالعواطف المتصارعة والمتضاربة، وهي ليست واضحة مع نفسها ولا مع غيرها في هذا الشأن. ويلتقي القراء أيضاً مع راف، الممثل الذي يتألق في أداء دور البطولة في المسرحية التي كتبتها بيلي، وهو متزوج من لورين التي تصاب بمرض يسلبها الحيوية، فتصل إلى حد لا يصبح حديثها معه مفهوماً، وتعجز عن السير والحركة.
وتقرر بيلي إغواء راف، وهي تدرك أن أي شيء يمكن أن يحدث في غمار هذه الظروف، ولكن علاقتها براف لن تكون إلا شيئاً عابراً، لا يدوم أكثر من ليلة واحدة. ويحس راف بوحدة ويأس شديدين بحيث يستجيب لغواية بيلي، وشخصيته في الرواية هي شخصية رجل يخشى أن تموت زوجته في غمار أحداث سبتمبر، ولا يحس بالثقة حيال ما ينبغي أن تكون عليه مشاعره، وهكذا فإن علاقته مع بيلي تجلب له الكثير من مشاعر الذنب المتضاربة، وهي مشاعر يحشدها للوصول إلى أداء متألق لدوره في مسرحية بيلي.
ويلتقي القراء أخيراً مع سام، وهو صديق قديم لليلى، التي تحاول أن توفق بينه وبين بيلي في زواج تأمل أن يتم. وسام هو أرمل توفيت زوجته بسرطان الثدي عندما كان أبناؤه صغاراً، وهو شخصية هشة، وهو يشعر بأنه غير قادر على التأقلم مع عالم صعب وتمتد المسافات والأبعاد بينه وبين أبنائه الثلاثة، ويمنى زواجه الثاني بالفشل، ولا يملك القارئ إلا الشعور بأنه من بين الشخصيات الأربع فإن سام هو الشخصية الأقل تطوراً، ويبدو دوره أبعد ما يكون عن الوضوح.
ما هو عملك المقبل؟
لقد وقعت عقداً مع دار نوف لتأليف رواية وضعت للمسؤولين هناك فكرتها الرئيسية، وسأعمل عليها في السنوات المقبلة. وعلى أي حال فإنني سأحاول كتابه مسرحية بيلي «قطار ليك شور». ولدي حفيدة عمرها عامان، وطموحي هــو أن أقضـي أطول وقت ممكن معها.
