شهد سوق الفن في العقدين الأخيرين مرحلة تاريخية جديدة، سواء على صعيد ازدهار الحركة ونموها أو ارتفاع أسعار الأعمال الفنية من لوحات رواد الفن القدامى إلى الفن المعاصر. ومع انفتاح الاستثمار على سوق الفن وارتفاع عدد المهتمين باقتناء الأعمال الفنية قدم خبراء دار كريستيز للمزادات عدداً من النصائح.
شملت نهضة الفن في العقدين الأخيرين انفتاح أسواق الفن في عدة مناطق أبرزها روسيا والصين والشرق الأوسط. كما توجه عدد كبير من المستثمرين الكبار والصغار إلى اقتناء الأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة، ورافق هذا التوجه تردد وحذر في كيفية تقييم أو اختيار الأعمال المراد اقتناؤها. وبهدف مساعدة المقتنين الجدد على ساحة الفن قدم خبراء دار كريستيز للمزادات مجموعة من النصائح استناداً إلى خبرتهم الطويلة في تاريخ وسوق الفن.
المشورة
تتمثل النصيحة الأولى في عدم التردد بطلب النصيحة من الخبراء المتواجدين في سوق الفن، خاصة وأن فريق وخبراء (كريستيز) المتخصصين متواجدون في أغلب بلدان العالم، والذين لا يترددون في التحدث عن الأعمال المراد اقتنائها قبل المزاد، لمساعدة الراغبين بالمشاركة في المزاد، علماً أن الخبراء المشاركين في أي مزاد يمتلكون معلومات وافرة عن كل عمل مشارك وأسلوب وتاريخ الفنان الذي أنجزه.
ثقافة بصرية
تتلخص النصيحة الثانية بالمعلومات، فعلى الراغبين بالاقتناء أن يوسعوا ثقافتهم ومعرفتهم الفنية وقراءة العديد من المجلات الفنية المتخصصة وما تحمله من مستجدات وأخبار. ومع توسع السوق وزيادة عدد المقتنين باتت الكتيبات الخاصة بالمزادات تضم المزيد من المعلومات المتخصصة عن كل فنان وعمل مقارنة بالكتيبات التي لم تكن تضم قبل ثلاثين عاماً ما يزيد على اسم اللوحة وتفاصيلها واسم الفنان.
وفي يومنا تضم كل لوحة في الكتيب بحثا متكاملاً. كذلك الأمر بالنسبة للكتيبات الخاصة بالمعارض التي تنظمها الغاليريات والمجلات الالكترونية المتخصصة حيث يمكن للمقتنين معرفة القيمة السابقة للأعمال الراغبين في اقتنائها.
أما فيما يتعلق بفهم العمل الفني إن كان لوحة أو منحوتة أو أي فن آخر فإن استيعاب المعلومات المتعلقة بها لا يكفي، فهناك الحاجة إلى تطوير الذائقة الفنية والارتقاء بها، للتمكن من إدراك ما هو جيد وما هو عكس ذلك بالحدس وحده.
وهذا لا يتحقق إلا من خلال ارتياد المتاحف وأكبر عدد ممكن من معارض الغاليريات ودور المزادات الفنية التي تنظمها عادة قبل يوم المزاد. ومع مضي الوقت يكتسب الزائر القدرة على فهم العمل وما يميز نتاج الفنان عن غيره، والقدرة على رصد مسار تطور أسلوبه، وكيفية التعرف على القيمة النوعية للعمل.
مكانة الفنان
يفترض بالمقتني قبل شراء أي عمل سواء من مزاد أو غاليري أو أي مكان آخر، الأخد بالاعتبار عدة جوانب وخطوات تمهيدية. فعلى سبيل مكانة الفنان وأهميته تلعب دوراً كبيراً في تحديد السعر، وهل لذاك الفنان تاريخ أو سجل في المزاد؟ وهل أقام عدداً من المعارض المميزة، وهل اقتنيت أعماله أو تم استضافتها في عدد من المتاحف للعرض؟ تعتبر هذه الأسئلة في الغالب بمثابة مؤشرات على نجاح الفنان.
ويجدر الانتباه إلى أن اسم الفنان وشهرته لا يكفيان لاقتناء العمل، فهناك العديد من الأمور الأخرى الواجب الانتباه لها، فعلى سبيل المثال التقنية والوسائط التي اعتمدها الفنان في تنفيذ عمله. فاللوحات المرسومة بالألوان الزيتية أكثر قيمة من الأعمال المرسومة على الورقة أو النسخ المطبوعة، كذلك الأمر بالنسبة إلى حال العمل وتأثره بعامل الزمن والذي يلعب دوراً هاماً في تحديد قيمة العمل.
مثال على ذلك القطع الإسلامية، فأي تلف صغير فيها، يؤثر بشكل أساسي في سعر القطعة. وينصح الخبراء دوماً في تفحص العمل بشكل دقيق قبل التفكير باقتنائه، وطلب التقارير الخاصة به سواء في المزاد أو الغاليري.
مرحلة النتاج
تشمل الخطوات أيضاً السؤال عن المرحلة الزمنية التي أنجز خلالها العمل، هل كان خلال فترة ازدهار موهبة الفنان أم خلال فترة خبا إبداعه فيها؟ وهل موضوع العمل مما اشتهر به الفنان كالطبيعة الصامتة أو الشخوص أو في إطار خارج ما اشتهر به؟ الأولوية دوماً للنوعية، فمن الأفضل اقتناء عمل جيد لفنان غير معروف كثيراً، من اقتناء عمل ضعيف لفنان مشهور.
وتشكل الأعمال الفنية المعاصرة الجديدة في السوق عاملاً في غاية الأهمية، فأغلب المقتنين يفضلون أعمالاً لم يكثر تداولها في سوق الفن مقابل الأعمال التي رسخت مكانتها في السوق مؤخراً. وما يشعر المقتني بالحبور هو اكتشافه لعمل فني جديد علاه الغبار منذ عشرات السنين في مستودع أو عليّة ما.
تاريخ العمل
عامل آخر يؤخذ في الحسبان، وهو تاريخ العمل ومقر منشأه، هل يعود إلى ما قبل مئات السنين أو أكثر، وإذا كان يرجع إلى أكثر من ألف عام فربما من الصعب تقصي قصته كاملة. وتحمل قصة بعض اللوحات سلسلة مقتنيها منذ مبيعها على سبيل المثال بلندن في أواخر القرن التاسع عشر.
ومقتنيها في نيويورك عام 1950 وإعارتها إلى أحد المتاحف، وربما يرجع تاريخ أول مقتن لها إلى أرستقراطي فرنسي في القرن الثامن عشر, لينتهي بها المطاف في مجموعة أحد نجوم هوليوود في القرن العشرين.
وقد باع الممثل البريطاني هيو غرانت مؤخرا لوحة للفنان آندي وارهول والتي رسم فيها الممثلة الشهيرة أليزابيث تيلور، في مزاد كريستيز بمبلغ 23.5 مليون دولار محققاً لنفسه ربحاً كبيراً، إلى جانب تصدره العناوين الرئيسية في الصحف في العالم.
وكما هو معروف يعتبر وارهول من أبرز الفنانين العالميين، ولكن ما ساعد على ارتفاع قيمة اللوحة رسمها واقتناؤها من قبل نجمين شهيرين، فالمقتنون لا يشترون العمل وحده بل تاريخه ايضا.
قيمة مضافة
الإلمام بتاريخ مقتني اللوحة، يساعد على معرفة معيار الطلب على العمل والدافع لارتفاع قيمته في سوق الفن. في هذا الإطار نجد أن الأعمال الفنية الصينية المعاصرة تصدرت عناوين الصحف إلى جانب أسماء عدد من الفنانين مثل داميان هيرست، وجيف كونز، وزانغ كسياوغانغ، وحققت اسعاراً فاقت التوقعات خلال زمن قصير. كذلك الأمر بالنسبة للفن الهندي الحديث والروسي بمختلف مراحلة كبيضة (فابيرجيه) التي عثر عليها منذ زمن قصير، في حين حققت فنون الشرق الأوسط المعاصرة أرقاماً قياسية في مزادات كريستيز بدبي.
مقارنة المعلومات
خطوة أخرى على درجة كبيرة من الأهمية، وهي مقارنة المعلومات بشأن قيمة أسعار مبيع الأعمال في الماضي من قبل الفنانين مباشرة، لتكون المنطلق في تسعير العمل، ومن اليسير الحصول على مثل هذه المعلومات من خلال المطبوعات المتخصصة أو المواقع الإلكترونية التي تعنى بمثل هذه المعلومات.
جدوى الاستثمار
السؤال الذي يطرح نفسه بعد تقديم هذه النصائح هل يجدر بالمرء شراء الفن كاستثمار؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالعودة إلى الممثل هيو غرانت الذي اشترى لوحة آندي وارهول بمبلغ 3.4 ملايين دولار عام 2001، والفائدة الضخمة التي جناها بعد بيعها مؤخراً.
والاستثمار في الفن يختلف عن حقول الاستثمار الأخرى، لارتباطه بالمشاعر الإنسانية والشغف والغموض وما هو غير متوقع. ويمكن للأسعار في سوق الفن أن ترتفع وتهبط حال الأسواق العالمية الأخرى. والمستثمرون أو المقتنون الناجحون هم من يقتنون الأعمال الفنية بدافع شغفهم بالفن.
وتتمثل النصيحة الأخيرة باقتناء ما يحبه المقتني، وشراء أفضل ما يمكن ضمن ما تتيح له ميزانيته، ومن ثم الاحتفاظ بالعمل لبضع سنوات ليأتي بثماره.
